أفكار وآراء

عُمان الشخصية والمكان

كلما تصاعدت الأحداث وعمت الكوارث في العالم والمحيط، تبقى عُمان في منأى عن تلك الفوضى.

يتجدد السؤال، من أين تنبع تلك الميزة التي تمنح عُمان تلك المرتبة، وما سر القرارات العُمانية التي تأتي منسجمة ومدروسة في عالم تتلاطم أمواجه؟ هل هو أرث أو انعكاس لشيء ما؟

سؤال يعيدنا إلى المرجعية الفكرية والأخلاقية التي تعكس تصرفات وسلوك الإنسان والدولة وتؤثر على سلوك الفرد والمجتمع.

في الحقيقة هناك مرجعيتان تتحكم في الإنسان: مرجعية واعية تتمثل في منظومة أخلاقية، ثقافية، دينية، وتتعدد طرق اكتسابها، ومرجعية أخرى تتمثل في المرجعية اللاواعية؛ وهي التي تلعب دوراً مهماً في تسيير وتوجيه السلوك وربما تأثيرها يفوق المرجعية الواعية، ويتمثل ذلك في البعدين الجغرافي والتاريخي وتأثيرهما على السلوك.

تحدث بن خلدون عن تأثير البيئة على الإنسان، وذكر إن الإنسان ابن بيئته، مبينًا تأثير الطبيعة والجغرافيا على الإنسان وطباعه، واصفا ذلك بأنها المحرك الأساسي لطبائع البشر وأخلاقهم وسلوكهم، وحتى قدراتهم البدنية والفكرية. ويرى جمال حمدان، أن الجغرافيا يجب أن تنقلنا من تشريح جسم الإقليم إلى معرفة روحه.

وفي هذا السياق إذا ما رغبنا مثلا في رسم (بورتريه) نحدد بموجبه شخصية عُمان، المكان، والإنسان، وما الذي شكل وجودها، فإننا بالتأكيد سوف نستدعي كلتا المرجعيتين بما تحملانه من أبعاد.

ندرك أن عُمان هي الموقع الجغرافي ويتمثل في البحر، ومضيق هرمز، والبيئة الجبلية، والصحراوية، والتضاريس المتنوعة. تشكلت شخصية المكان العُماني، من تنوع وخليط من روح البحر المنفتح على الآخر، وبصلابة الجبال وعزلتها، واتساع أفق الصحراء والسهول.

وتجلى المكان، فكانت عمان هي أول دولة أو مكان عربي تشرق عليه الشمس، وعمان البوابة الشرقية للعالم العربي، وهي حارسة بحر العرب، وهي من يشرف على مضيق هرمز.

ومما لا شك فيه إن للموقع الجغرافي رغم صغر مساحته، إلا أنه أوجب مسؤوليات كبيرة تتناغم مع عظمة المكان والجغرافيا، لا مفر ولا هروب منها، انعكست ذلك على شخصية العُماني، وتمثل ذلك بما حمله المكان من أبعاد مختلفة، تمثل في البعد العربي الإسلامي، وهو البعد الكبير والجوهري المشكل للهوية، وهو الذي يحفظ التوازن ويرسخ الشخصية، والبعد الآسيوي، وهناك البعد البعيد وهو البعد الأفريقي المتمثل في زنجبار.

وكل هذه الأبعاد تلزم سلوكيات ومتطلبات قد تكون مختلفة وقد تتجانس وتتوحد.

وجدت عُمان في البعد العربي وجهها، إلا أنها لم تدر ظهرها للبعد الآسيوي، وتفاعلت معه وامتزجت به، ولم يمنع المحيط الهندي الذي يمثل بوابة عُمان والدهليز الفاصل من الانفتاح العماني على البعد الآسيوي، ولا مع البعد الأفريقي.

وإن قراءة متمعنة لما تحمله روح المكان وما تشي به، وتفكيك رموزه، لهو مهم جداً لفهم الشخصية العُمانية، فالجبال مثلا تعني الصلابة والقوة والشدة، والعلو والإباء والتسامي، تعني العزلة والمنعة والحماية والصد والاحتماء، والاختفاء. والبحر، هو الطريق الواصل إلى العوالم الأخرى ومعرفة الآخر، والخير والرزق، والانفتاح والتفاعل الدائم نحو أفق مختلفة بعيدة، والانكشاف. والصحراء تمثل اتساع وأفق لا حدود له، وتشكل النقاء والوضوح. وبذلك تتجلى سلطة المكان المتمثل في الجغرافيا، ويخرج من كونه مساحة صماء جامدة، إلى كائن له روح وشخصية، وثقافة وهوية، وذاكرة، وشروط تتوجب للتفاعل معه.

وقد تمثلت قدرة الإنسان العُماني في القدرة على التناغم مع المكان والجغرافيا، ومع تلك الأبعاد. واستطاع وعلى مر التاريخ أن يدرك ويستوعب المكان ويعيد قراءته وترجم ذلك إلى ما يليق به وتفاعل معه، إدراكاً لعظمته، لطالما أيقن الإنسان العماني بأن على كاهله مسؤوليات والتزامات حضارات ورثها وتعاقبت على أرض عُمان. وقد أحسن في ترجمة تلك المعطيات، فهم دخلوا الإسلام طواعية، وفي عمان تشكلت أول الدول وفق تنظيم سياسي، وتعاقبت فيها الدول واستمرت مستقلة إلى يومنا هذا. والعمانيون ساهموا في الفتوحات الإسلامية وكان حضورهم لافتا في بداية تكوين الدولة الإسلامية الأولى في عصر الرسول والخلفاء. ولم يكن العمانيون سجناء الموقع أو التاريخ، بل طوعوا الجبال والبحر والصحراء، فكانت لهم إمبراطورية عبر المحيطات والبحار. بل وذهبوا بعيداً وكأن العماني يوصل رسالات المكان المنتمي إليه إلى أمكنة أخرى.

كل ذلك ويبقى السؤال، هل تلك المنظومة مسؤولة عن سلوكنا ومزاجنا وتصرفاتنا؟ هل لذلك انعكاس على الفرد والدولة العُمانية، وهل مارس المكان سطوته؟

مما لا شك فيه أن شيئين يحكمان الشخصية العُمانية، الأولى هي المكان الجغرافي بما يمثله من تاريخ الذي يفرض سطوته وسلطته ويرخى سدوله على سلوكنا ومزاجنا وقراراتنا وتوجهاتنا لتأتي منسجمة معه، وقد تفسر بعض الظواهر وبعض الصفات تبعاً لذلك. فإذا ما واجهتنا مناسبة سواء كانت سعيدة، أو معضلة يتطلب التعامل معها، فأول ما نلجأ إليه وقد يكون ذلك باللاوعي هو ما أوجد فينا المكان، وتتجلى من خلال مصفوفة من العادات والمعتقدات والدين والثقافة ما تعرف بالسمت العُماني، فتظهر الهوية التي تكونت عبر فترات زمنية، وتراكم للأحداث، لذلك تأتي قراراتنا منسجمة ومتناغمة مع ذلك.

الشيء الآخر هو قدرة الإنسان العُماني على التناغم مع المكان وتغيير واقعه بنفسه وإعمال العقل لخلق واقع جديد يتماشى مع البيئة والظروف المحيطة، وتطويعه لصالحه. فمثلا لا غرابة أن شخصية العُماني تمتاز بالاتزان والهدوء والجنوح للسلام، سواء في تعاملنا مع بعضنا أو مع الآخر، وفي الوقت نفسه تحمل من الصلابة والشجاعة الشيء الكثير، ولا غرابة أيضاً أن تبنى الدبلوماسية العمانية على مصفوفة من المبادئ والمثل، تقوم على السلام والوئام والاستقرار وحسن الجيرة، والتعامل مع الآخر بنوايا طيبة، مع الاحتفاظ بالاستقلالية وعدم التفريط بالسيادة، والمصلحة العامة، وذلك وفق مرجعية تحتكم للمكان بمختلف أبعاده.