مصانع الأبحاث.. السوق السوداء للمعرفة العلمية
الثلاثاء / 29 / ذو الحجة / 1447 هـ - 10:01 - الثلاثاء 16 يونيو 2026 10:01
سعد صبار السامرائي -
يعمل عبد الجواد باحثًا في الكيمياء بإحدى الجامعات العربية، ويتصدر ترتيبَ جامعته في محركات البحث من حيث أرقام الاقتباس والنشر. وخلال عام 2025 وحده، نشر خمسةً وعشرين بحثًا محكّمًا في مجلات ذات معامل تأثير مرتفع؛ رقمٌ يلفت الانتباه بلا شك. وتضم قائمةُ المشاركين معه أسماءً من السعودية، ومصر، والعراق، والأردن، وتمتد أحيانًا إلى الولايات المتحدة، وإسبانيا، والجزائر، والبرتغال، حتى تبدو أقربَ إلى خريطة منتخبات كأس العالم منها إلى فريق بحثي.
وبصفتي باحثًا متواضعًا أحاول جاهدًا أن أنشر بحثًا أو بحثين كل عام، أتساءل: كيف استطاع هذا الفريق أن ينشر بحثين شهريًا على امتداد عام كامل؟
وللمقارنة، فإن ماري إي. برونكو (Mary E. Brunkow)، الحائزة جائزة نوبل في الفسيولوجيا أو الطب عام 2025، لا يتجاوز رصيدها اثنتين وثلاثين ورقة بحثية وفقًا لبيانات سكوبس Scopus عام 2026، ولم يظهر اسمها قط في قائمة ستانفورد لأفضل 2% من العلماء (القائمة التي حوّلتها جامعات كثيرة إلى وسامٍ إداريّ للتباهي). ومع ذلك، قادها فضولها العلمي وإصرارها إلى اكتشاف غيّر فهمنا لصحة الإنسان وجهاز المناعة.
أما صاحبنا عبد الجواد، الذي ظهر في قائمة ستانفورد، فلا يزال في عز شبابه؛ إذ بدأ مشواره البحثي عام 2020، ثم أخذ منحناه في الصعود بسرعة لافتة، حتى تجاوز رصيده عشرة آلاف اقتباس في غضون ثلاث سنوات.
في الحقيقة، لا تهمني حكاية عبد الجواد بوصفها حكاية فرد واحد؛ ما يهمني أنها تكشف هشاشة الثقة التي يقوم عليها العلم نفسه. العلم بناءٌ اجتماعي. وقبل أن تدفعك هذه العبارة إلى التساؤل، دعني أوضّح ما أعنيه. لقد عالج العلم أمراضًا، ورسم خرائط الدماغ، وتنبأ بالمناخ، وشطر الذرة. إنه أفضل منهج نملكه لفهم آلية عمل الكون، وخير طريق لدينا للاقتراب من الحقيقة. صحيح أننا قد لا نبلغها كاملة أبدًا؛ فنظرة واحدة إلى التاريخ تكشف مقدار الغرور في ادّعاء امتلاك حقيقة مطلقة أو ثابتة لا تتغير. ومع ذلك، تظل طرائق العلم، بما تتيحه من اختبار ومراجعة وتصحيح، أقصى ما بلغناه في دفع معرفتنا بالعالم خطوة بعد أخرى نحو ما هو أدق وأصلب.
لكننا لا نستطيع أن نحرز تقدّما بهذه المناهج وحدها. فلا يكفي أن تسجّل ملاحظة منفردة في مختبرك؛ عليك أيضا أن تقنع علماء آخرين بأنك اكتشفت شيئا حقيقيا. هنا يدخل البعد الاجتماعي في العلم. يعتمد العلم على الثقة بما أنجزه الآخرون، حتى لا تضطر إلى اختراع العجلة من جديد.
ومع دخول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بدأ محررو المجلات العلمية ومنظمات الرقابة يحذّرون من أنّ هذه الثقة باتت مهددة. فقد رصدوا عددا متزايدا من الأوراق التي تتضمن بيانات ملفّقة وصورا معدّلة. وفي السنوات اللاحقة، ازدادت العوامل التي تدفع هذا التصاعد حدّة.
تزداد أعداد طلبة الدراسات العليا الذين يتدرّبون في المختبرات، ويشتدّ التنافس على عدد محدود من الوظائف. وصارت الأوراق المنشورة في مجلات مرموقة شرطا أساسيا للنجاح، لا للحصول على وظيفة فقط، وإنما لنيل الترقيات والحوافز والمنح. وقد استجاب الناشرون الأكاديميون لهذا الطلب بفتح آلاف المجلات العلمية الجديدة كل عام. وقال الدكتور إيفان أورانسكي المدير التنفيذي لمركز النزاهة العلمية: «كل الحوافز تدفع الناشرين إلى نشر المزيد فالمزيد».
شهدت السنوات الأخيرة بروزا واضحا لما يُعرف باسم «مصانع الأوراق البحثية»، وهي منظمات تجارية تبيع مواضع التأليف في مخطوطات علمية مكتوبة مسبقا، وتتواطأ مع محررين لضمان نشر هذه المخطوطات من غير أن تخضع لعملية تحكيم علمي صارمة.
وتحوّل هذه المنظمات الاحتيال العلمي اليوم إلى تجارة مربحة. فالباحثون الراغبون في تضخيم سيرهم الذاتية يستطيعون دفع مئات، وربما آلاف الدولارات؛ كي تُدرج أسماؤهم في أوراق بحثية لا صلة لهم بها، وفقا لآنا أبالكينا عالمة الاجتماع في جامعة برلين الحرة، التي تدرس ظاهرة مصانع الأوراق البحثية. «قد يزوّد عالِمٌ غير نزيه مصنعَ الأوراق البحثية بمخطوطٍ مقابل مبلغ مالي متفق عليه»
ولا يخفى ضرر هذه الشبكات، فهي تقوّض الثقة في الأدبيات العلمية، التي يُفترض أن تكون أساس المعرفة. وقد تُستخدم المقالات العبثية ضمن بيانات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، كما يهدر الباحثون مواردهم في التمييز بين المقالات الحقيقية والزائفة، أو، وهذا أسوأ، يستخدمون بحوثا مزوّرة في أعمالهم. لذلك فإن أحد الحلول الضرورية هو التعرّف إلى هذه المقالات وسحبها.
وفي مقالٍ نشرته UKSG عام 2024 عن سحب مقالات مصانع الأوراق البحثية، ورد أن الأدبيات العلمية سجّلت عام 2023 أعلى عدد من عمليات السحب في سنة واحدة، بعدما تجاوزت السحوبات في مجلات هنداوي وحدها ثمانية آلاف مقالة. وكانت معظم هذه الأوراق مقالات احتيالية أنتجتها منظومة النشر المزيّف، ثم وجدت طريقها إلى المجلات بعد استحواذ شركة النشر والأبحاث العالمية وايلي Wiley على مؤسسة هنداوي عام 2021.
خلّفت هذه الأزمة أثرا بالغا في مؤسسة عريقة مثل وايلي وصناعة النشر العلمي عموما؛ إذ قدّرت الشركة خسائرها بنحو 40 مليون دولار من الإيرادات المفقودة عام 2023. كما أغلقت عددا من مجلات هنداوي، وقررت التخلي عن العلامة التجارية نفسها. ولم تقف المسألة عند حدود الخسارة المالية؛ فقد كشفت عمليات السحب الواسعة هشاشة منظومة النشر أمام الاحتيال المنظّم، ودفعت الناشرين إلى إعادة النظر في آليات التحكيم، وفحص النزاهة، وإدارة الأعداد الخاصة، ومراقبة المحررين الضيوف.
ولفهم الاقتصاد الخفي لمصانع الأوراق البحثية، لا يكفي تتبع المقالات المزوّرة بعد نشرها؛ إذ ينبغي أيضا تفكيك السوق التي تسبق النشر: ماذا تبيع هذه المصانع؟ وبأي سعر؟ ولمن؟ ومن هنا تأتي أهمية قاعدة بيانات حديثة تحمل اسم BuyTheBy، صُممت لتتبع أسعار الخدمات التي تعرضها شبكات الاحتيال الأكاديمي، من بيع خانات التأليف إلى تسهيل النشر. تشير الأدلة المتفرقة إلى أن أسعار خانات التأليف تتفاوت تفاوتا كبيرا. ففي دراسة استقصائية نُشرت عام 2013، تبيّن أن شركة صينية كانت تبيع مواضع تأليف في مقالات منشورة داخل مجلات مفهرسة في Web of Science بأسعار تراوحت بين 1600 و26300 دولار أمريكي. وفي حالة أخرى، وُجد أن شركة روسية أعلنت، بين عامي 2019 و2021، عن مواضع تأليف بأسعار تراوحت بين 180 يورو و5000 يورو.
وبيّنت تحقيقات أحدث أن هذا السوق في اتساع مستمر. فقد كشف تحقيق نُشر عام 2024 أن أحد المحررين عُرض عليه مبلغ 3000 دولار أمريكي عن كل ورقة يقبلها في مجلته إذا كانت صادرة عن مصنع أوراق بحثية محدد. ويكشف هذا الرقم أن سوق الاحتيال لا يقتصر على بيع خانة المؤلف، إذ يمتد أحيانًا إلى شراء الطريق إلى النشر نفسه عبر محررين متواطئين أو قابلين للاستمالة، كما ذكر تحقيق نُشر عام 2025، وتناول عمليات عدد من مصانع الأوراق البحثية، أن أسعار مواضع التأليف تراوحت بين 20 و1500 دولار أمريكي.
وتقول الدكتورة أبالكينا إنّ مثل هذه الأوراق تكون عادةً مثقلةً بالاحتيال، من الصور المعدّلة إلى النصوص المسروقة. ولتفادي برمجيات كشف الانتحال، كثيرًا ما تستخدم مصانع الأوراق البحثية الذكاء الاصطناعي لتغيير النصوص التي تنتزعها من أوراق أخرى، فتُدخل أحيانًا عبارات زائفة ذات رنين اصطناعي، تمنح النص مظهرًا علميًا وتكشف في الوقت نفسه فقره الداخلي.
ومع أنّ مصانع الأوراق البحثية سعت إلى إخفاء أنشطتها، فقد تتبّعت الدكتورة أبالكينا إنتاج شركات في الهند والصين وروسيا ومصر والعراق وإيران وبلدان أخرى، وعثرت على آلاف من أوراقها منشورة. قالت: «لقد باتت الأنماط معروفة ومكشوفة».
ولأغراض هذا التحليل، بُنيت قاعدة بيانات تضم شبكة هائلة من الأبحاث العلمية. وجرى البحث عن هذه الأوراق في منتديات إلكترونية يتبادل فيها المتقصّون صورًا مكررة وعباراتٍ مشوّهة، وكذلك في قاعدة بيانات Retraction Watch، التي يشرف عليها مركز النزاهة العلمية.
جمع الباحثون قاعدة بيانات تضم أكثر من ثلاثين ألف ورقة بحثية، إما سُحبت من النشر، وإما حملت مؤشرات قوية على أنها خرجت من مصانع الأوراق البحثية. ولم يتعامل الفريق مع هذه الأوراق بوصفها حالات منفردة من الغش أو الإهمال، وإنما بوصفها آثارًا متفرقة لشبكات منظمة. وعند تحليل الروابط بين الأوراق المشبوهة، ظهرت عناقيد كثيفة تجمع مؤلفين ومحررين ومجلات تكررت أسماؤهم في مسارات النشر نفسها، على نحو يصعب تفسيره بالمصادفة وحدها. وقد عُرضت نتائج هذا العمل في دراسة حملت عنوان: «الكيانات التي تتيح الاحتيال العلمي واسع النطاق كبيرة ومرنة وتنمو بسرعة» نُشرت في دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة، عام 2025.
قال ريس ريتشاردسون، أحد مؤلفي الدراسة: «هناك شبكات هائلة شديدة الترابط، يرسل أفرادها أوراقهم بعضهم إلى بعض. إن لم يكن هذا تواطؤًا، فلا أدري ما التواطؤ». ولا تكمن أهمية هذه العبارة في حدّتها، وإنما في أنها تصف نمطًا بنيويًا يتجاوز الورقة المزورة إلى منظومة كاملة: مؤلفون يتبادلون الظهور في الأوراق (ضع اسمي وأضع اسمك)، ومحررون يمررون مخطوطات مريبة، ومجلات تتحول، أحيانًا، إلى ممرات سريعة لعبور الأبحاث.
وعثر الباحثون على دليل آخر لا يقل خطورة من خلال تتبع الصور المكررة. فالصور البيولوجية، مثل المقاطع النسيجية، وصور الخلايا تحت المجهر، ونتائج لطخات الجل أو لطخات ويسترن، يفترض أن تكون أشبه ببصمات تجريبية فريدة؛ لأنها تنتج من عينة محددة وتجربة محددة وظرف مختبري محدد. بيد أن الفريق وجد أوراقًا تحتوي صورًا منسوخة أو معاد استخدامها في أكثر من ورقة أخرى. وعند رسم خريطة لهذه الروابط، ظهرت شبكات واسعة تضم آلاف المقالات المتصلة عبر صور مشتركة أو شديدة التشابه. وبيّنت الدراسة أن المقالات داخل هذه العناقيد تميل إلى الظهور في فترات زمنية متقاربة، وغالبًا داخل مجلات أو منصات نشر محددة، مما يرجح وجود إنتاج منظّم.
يرى لويس أمارال أن التفسير الأرجح لهذا النمط هو أن مصانع الأوراق البحثية لا تبدأ من تجربة علمية حقيقية، ثم تكتب عنها لاحقًا، وإنما تنشئ «بنوكًا من الصور» تُستخدم لإنتاج دفعات كاملة من الأوراق. تُعاد صياغة العنوان، ويُستبدل الجين أو المرض أو المادة المدروسة، وتُوزّع الصور نفسها على مخطوطات متعددة، ثم تُدفع هذه المخطوطات إلى محررين أو قنوات نشر يسهل اختراقها. وبعد أن تنكشف الدفعة أو يشتد التدقيق حول مجلة بعينها، تنتقل الشبكات إلى صور جديدة وأهداف نشر جديدة. وقد عرضت الدراسة هذه الفرضية بوصفها نموذجًا تشغيليًا يفسر تكرار الصور، وتقارب مواعيد النشر، وظهور العناقيد داخل مجلات محددة.
وتتوقع الدكتورة أبالكينا أن يزيد الذكاء الاصطناعي الأمر سوءًا. فبدل أن تعبث مصانع الأوراق البحثية بصورة موجودة أصلًا، بات في وسعها الآن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لصنع صور عند الطلب. وقد اختبرت الدكتورة أبالكينا وزملاؤها بعض هذه الأدوات، فوجدوا أنها قادرة بالفعل على اختلاق صور لا يمكن تمييزها بوصفها مزوّرة. قالت: «الأمر مرعب حقًا».
من ناحية أخرى، أعتقد أن قلة الدعم المالي للأبحاث ستجعل العلماء أقل قدرة على إنجاز العمل الطويل والمتراكم الذي تتطلبه الاكتشافات العلمية الحقيقية. فالأمر لا يخص منطقة جغرافية دون غيرها؛ فحين يقع الباحثون تحت ضغط النشر والتباهي بالإنجاز، تكثر الطرق الملتوية، وتحدث مثل هذه الانحرافات.
في النهاية، لا بد أن تتحول سياسات النزاهة الأكاديمية في الجامعات والمؤسسات البحثية إلى منظومة مساءلة حقيقية، تمنع المتورطين في سوء السلوك العلمي من الإفلات بأسمائهم ومناصبهم. فالمسألة لا تخص من يلفّقون البيانات أو يشترون خانات التأليف وحدهم؛ إنها تشمل أيضًا باحثين بارزين يضعون أسماءهم على أوراق رديئة لم يفحصوها بما يكفي، ثم يتركون عيوبها تنفذ إلى السجل العلمي محميةً بالسمعة والمكانة الأكاديمية.
ليست مشكلة عبد الجواد، إن وُجدت، في عدد أبحاثه وحده؛ المشكلة في النظام الذي يجعل هذا الرقم ممكنًا، ومربحًا، ومقبولًا، قبل أن يصبح مشبوهًا. كلما تحولت الورقة المنشورة إلى عملة للترقية والتمويل والوجاهة الأكاديمية، اتسعت الطرق المختصرة، وصارت النزاهة العلمية في حاجة إلى حماية مؤسسية لا تقل صرامة عن حماية المال العام.
سعد صبار السامرائي جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بالرستاق