من يكتب وصفة صحتك؟ الشركات والعلماء في غرفة واحدة
الثلاثاء / 29 / ذو الحجة / 1447 هـ - 10:01 - الثلاثاء 16 يونيو 2026 10:01
د مازن العبيدي
في أواخر صيف عام 2015، طالع ملايين القراء حول العالم الصفحة الأولى لصحيفة نيويورك تايمز ليجدوا تحقيقا غير متوقع؛ حيث كشف التحقيق عن تواطؤ صامت بين شركة مشروبات غازية شهيرة وعلماء بارزين لإعادة صياغة الحقائق العلمية المتعلقة بما نستهلكه يوميا. القصة ليست جديدة في جوهرها؛ فقد دأبت شركات التبغ لعقود على تمويل أبحاث تزرع الشك في العلاقة بين التدخين والسرطان. غير أن ما تكشّف عام 2015 أظهر تطور هذه اللعبة؛ لتنتقل إلى موائد طعامنا ومشاربنا وسياساتنا الصحية، مع تدفق المال بصمت نحو من يُفترض بهم أن يكونوا حرّاس المعرفة الموضوعية. فكيف يحدث ذلك بالتحديد؟ وما الأدلة العلمية التي تكشف طبيعة هذه العلاقة المتشابكة بين الشركات الكبرى والبحث العلمي؟ وكيف يرتبط كل ذلك بمنطقتنا التي تسجل اليوم معدلات مرتفعة في الإصابة بالسكري والسمنة؟
حين يصبح الأكاديمي ناطقا باسم الشركة
لم يكتفِ الباحثون بالتكهنات أو الاستنتاجات غير المباشرة؛ فقد اطلعتُ على دراسة لـ(Serodio) وزملائه (2020)، نُشرت في مجلة Public Health Nutrition، حللوا فيها نحو 18 ألف صفحة من رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة بين شركة (كوكاكولا) وعلماء جامعيين بارزين، حصلوا عليها بموجب قوانين حرية المعلومات الأمريكية. وما كشفته الدراسة بدا وكأنه مشهد من فيلم تجسس؛ إذ أظهرت شبكة معقدة من العلاقات الشخصية والمهنية والمالية، صُممت جميعها لخدمة هدف واحد وهو توجيه الرأي العلمي لصالح الشركة بعيدا عن أنظار الجمهور.
يكمن الجانب الغريب في إحدى تلك الرسائل في أن مديرة رفيعة المستوى في شركة (كوكاكولا) خاطبت أحد أبرز الأكاديميين المموَّلين مهنئة إياه بإنجاز علمي حققته مؤسسته، قبل أن تستأذنه في مشاركة الخبر مع ما وصفته بـ(عائلتنا الإلكترونية). يكشف هذا التعبير الكثير؛ فهو يشير إلى شبكة غير رسمية من العلماء الذين يتواصلون كأصدقاء مقربين يتشاورون ويتبادلون الرسائل، غير أن هذه الصداقة الدافئة تخفي في طياتها تمويلا يصب في اتجاه واحد، ورسائل تروج لموقف محدد. والأخطر من ذلك هو ما كشفت عنه الرسائل من محاولات لإخفاء حجم التمويل؛ إذ سأل أحد الباحثين زميله عن وجود سياسة تمنع الإفصاح عن قيمة التبرع، قائلا بصراحة: (نحن نتلقى استفسارات صحفية، ورغم إفصاحنا عن كوكاكولا كجهة ممولة، إلا أننا لا نرغب في الكشف عن المبلغ). هذه العبارة تفتح الباب واسعا أمام ثقافة في التمويل العلمي تسعى لانتقاء ما يُظهر وما يُخفى، لتُوهم القارئ الأكاديمي بأنه يطالع بحثا مستقلا ومحايدا. وثّقت الدراسة أيضا أن الشركة لم تكتفِ بتمويل الأبحاث، لكن أيضا تدخّلت في صياغة ردود العلماء الإعلامية؛ حيث راجع فريق الاتصالات في (كوكاكولا) مسودات الأجوبة التي كان يقدّمها الأكاديميون لوسائل الإعلام عند سؤالهم عن مصدر التمويل. وبمعنى آخر، لم يكن العلماء يتحدثون بلسانهم فحسب، وإنما كانوا في بعض الأحيان يردّدون ما صِيغ بعناية في أروقة العلاقات العامة للشركة.
هنا يقف القارئ أمام مفارقة عميقة؛ فجوهر القضية لا يكمن فيما تقوله الدراسات فحسب، وإنما فيما تغفله. فعلى امتداد تاريخ العلم، ساد اعتقاد بأن الأسئلة البحثية تنبع من فضول معرفي حر، غير أن نمطا جديدا بدأ يتشكل؛ حيث باتت جهات التمويل هي التي تقرر أي الأسئلة تستحق البحث، وأيها يُترك في الظل.
ثمة مستوى أعمق وأخطر من مجرد التأثير في نتائج الدراسات؛ وهو التأثير في نوعية الأسئلة التي تُطرح من الأساس؛ حيث رصدت الباحثة (Fabbri) وزملاؤها في دراســــة موثقة نُشــــرت عام 2018 في مجــــلة Public Health Nutrition؛ إذ فحصوا 204 دراسات علمية ممولة من شركتي (كوكاكولا) و(مارس) للشوكولاتة؛ حيث جاءت النتائج لافتة؛ إذ ركزت 40.7% من هذه الدراسات على النشاط البدني والسلوك الجسدي، في حين لم تتناول سوى 10.8% منها الأطعمة فائقة المعالجة، وهي المنتجات الأساسية التي تبيعها هاتان الشركتان.
تخيّل طبيبا يُسأل عن سبب وباء السمنة، فيجيب بعد تأمّل طويل: (قلة الحركة). وحين يُسأل عن دور الأطعمة المصنّعة والمشروبات السكرية، يردّ بأنّ (الأدلة لا تزال غير حاسمة). قد لا يكون هذا الطبيب كاذبا بالضرورة، فهو يستند إلى الأدلة المتاحة له، والتي جاء معظمها من أبحاث موّلتها جهاتٌ لها مصلحة في هذه الإجابة تحديدا. هذا هو (تحيّز الأجندة) في أبشع صوره؛ إذ لا يكمن الخداع في التزوير، وإنما في الانتقاء الممنهج لما يُدرس؛ حيث يصبح غياب المعلومة هو الكذبة الكبرى، لا حضورها. مما يجعل الحصيلة التراكمية للأبحاث المنشورة في المجلات المحكّمة تعكس صورة مشوّهة عن الواقع الصحي، وهو ما يُبنى عليه لاحقا توجيه السياسات العامة، وتوصيات الأطباء، وقرارات المستهلكين. قال أحد الباحثين المستقلين الذين نأوا بأنفسهم عن تمويل الشركات: (العلم الحقيقي يطرح أسئلة مزعجة للجميع، بمن فيهم أصحابه، أما العلم المموّل فيطرح أسئلة تُرضي من يدفع). وبين الإزعاج الصادق والراحة المصنوعة، تترنّح صحتنا وصحة الأجيال القادمة. تقف منطقتنا اليوم عند مفترق طرق خطير؛ فأرقام السكري في تصاعد، وصناعة الغذاء المصنّع في توسع، وآليات الرقابة على تمويل البحث العلمي لا تزال في طور النشأة. إن الوعي وحده لا يكفي، لكنه الخطوة الأولى التي لا غنى عنها؛ فمن لا يدرك كيف تُصاغ الأسئلة، لن يعرف كيف يقرأ الأجوبة.
ومما أثار دهشتي شخصيا، أن الدراسة كشفت عن نمط لافت آخر؛ إذ تناول 10.8% من الأبحاث المُموَّلة موضوع (نزاهة المناهج العلمية) و(ممارسات البحث)، وهو توجّه يُستخدم أحيانا للتشكيك في صحة الدراسات المستقلة عبر إثارة تساؤلات منهجية تقنية تُشتّت الانتباه عن النتائج الجوهرية. وقد وُثّق هذا التكتيك سابقا في استراتيجيات صناعة التبغ، التي استنزفت المجتمع العلمي بنقاشات تقنية لا تنتهي حول المنهجية، بينما استمرت المبيعات دون توقف.
رسائل بريد إلكتروني أحرجت مراكز السيطرة على الأمراض الأمريكية
لم يقتصر تأثير هذه القصة على الأوساط الأكاديمية والبحثية؛ فقد كشفت دراسة (Maani Hessari) وزملائه (2019)، المنشورة في مجلة (The Milbank Quarterly)، أن هذا النفوذ امتد إلى المؤسسات الصحية الحكومية نفسها. وجاء ذلك بعد تحليل 295 صفحة من رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة بين موظفين في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) وممثلين عن شركة (كوكاكولا)؛ حيث أظهرت الرسائل ثلاثة أنماط رئيسة للتأثير: أولها بناء علاقات شخصية مع المسؤولين الصحيين عبر اللقاءات واللجان المشتركة ودعوات العشاء الخاصة؛ وثانيها توجيه النقاشات العلمية لصرف الأنظار عن الدور السلبي للمشروبات المحلاة على صحة الإنسان؛ أما الثالث والأخطر، فهو التواصل المباشر لمحاولة التأثير على توجهات منظمة الصحة العالمية فيما يخص ضرائب السكر. في إحدى تلك الرسائل الموثقة، استشار مسؤول سابق رفيع المستوى في شركة (كوكاكولا) مديرة في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) حول كيفية ترتيب لقاء مع رئيسة منظمة الصحة العالمية آنذاك؛ معللا ذلك بأن تصريحاتها المؤيدة لفرض ضريبة على المشروبات الغازية باتت على حد تعبيره (تهديدا جديا لأعمالنا عالميا). والأكثر إثارة للصدمة هو استجابة المسؤولة الحكومية باقتراح خمس خطوات عملية لترتيب هذا الاجتماع، في تجاوز صارخ لمبدأ الفصل بين المصالح العامة والخاصة. أثارت تسريبات هذه الرسائل موجة واسعة من الانتقادات، وأفضت إلى إقالة أو استقالة عدد من المسؤولين المتورطين. غير أن السؤال الأهم الذي طُرح حينها، وما زال معلقا، هو: كم من هذه العلاقات لا يزال مستمرا في الخفاء في دول أخرى حول العالم؟
صناعة الشك العلمي
قد يتساءل القارئ: وما الضرر في ذلك؟ أليس من حق الشركات تمويل الأبحاث؟ الجواب هو نعم من حيث المبدأ، لكن الإشكال أعمق من مجرد التمويل. تكمن المشكلة الجوهرية في التوجيه الخفي لمسارات البحث العلمي؛ بدءا من اختيار موضوعات الدراسة وما يُحجب منها، وصولا إلى ما يُروَّج له في المؤتمرات وما يُغفل. فحين تُنفق شركة غذائية الملايين على أبحاث تخدم مصالحها، فهي تُراكم في المكتبات العلمية طبقة من الأدلة المتحيزة التي يصعب تمييزها عن الدراسات المستقلة؛ فكلاهما يُنشر في مجلات محكّمة، ويحمل تواقيع أكاديمية مرموقة. وقد أثبتت الدراسات هذه الظاهرة، إذ وجد الباحثون أن الأبحاث الممولة من شركات المشروبات المحلاة تميل إلى نتائج تُقلل من علاقة هذه المشروبات بزيادة الوزن والسكري، خلافا للدراسات المستقلة التي تُفضي إلى نتائج مغايرة. وهذا التباين الممنهج ليس محض صدفة، وإنما هو نتيجة ترتيب مدروس. والأكثر مكرا هو تكتيك (صناعة الشك)؛ أي ضخّ كميات كافية من الأبحاث الملتبسة لدفع المسؤولين الصحيين إلى القول بأن (العلم لا يزال غير حاسم). وهذه العبارة وحدها كفيلة بتأجيل أي إجراء تنظيمي لسنوات، بينما تستمر المبيعات في الارتفاع وتتصاعد معها معدلات الإصابة بالأمراض.
لا تقتصر هذه القضية على الولايات المتحدة؛ فالشركات ذاتها تعمل في أسواقنا العربية، وترعى فعالياتنا الرياضية والمجتمعية، وتُقيم شراكات مع مؤسساتنا الإعلامية والتعليمية. وما لم نضع أُطرا واضحة لشفافية تمويل البحث العلمي والإفصاح عن تضارب المصالح، فسنظل عرضة للآليات ذاتها التي وثّقتها الأبحاث في أمريكا وأوروبا. ففي كل مرة نقرأ فيها دراسة تزعم أن المشروبات الغازية لا تسبب السمنة، أو أن الحل يكمن في زيادة النشاط البدني لا في تعديل النمط الغذائي، علينا أن نسأل: مَن موّل هذا البحث؟ وفي كل مرة نسمع فيها خبيرا صحيا يُقلل من أضرار السكر، نتساءل: هل تربطه علاقة مالية بقطاع الصناعات الغذائية؟ وحين تُصاغ سياسة صحية وطنية تحث على الرياضة دون فرض ضريبة على المشروبات السكرية، نسأل: مَن كان حاضرا في غرفة صناعة القرار؟ إن المطلوب ليس الانجراف خلف نظريات المؤامرة أو التشكيك في كل حقيقة علمية، لكن ممارسة ما يسميه العلماء (الوعي النقدي بمصادر التمويل)؛ فهو ليس طعنا في العلم، إنما حمايةٌ له من الاستغلال.
ثمة بُعد آخر لا يقل خطورة؛ فالشركات الكبرى لا تكتفي ببيع منتجاتها في أسواقنا، وإنما تُنتج خصيصا تركيبات لا تُطرح إلا خارج بلدانها الأم. ففي عام 2024، كشف تحقيقٌ مشترك لمنظمة (Public Eye) السويسرية والشبكة الدولية لمناهضي أغذية الرضّع (IBFAN) أن شركة (نستله) تُضيف سكرا إلى منتجَي حليب الأطفال (نيدو) وحبوب الرضّع (سيريلاك) المُباعَين في أسواق إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بينما تُباع النسخ المطروحة في سويسرا والمملكة المتحدة وألمانيا من المنتجات ذاتها دون سكر مضاف. ولا تقف هذه الازدواجية عند منتج بعينه؛ إذ وثّقت تقارير (مبادرة الوصول إلى التغذية) (Access to Nutrition Initiative) أن متوسط الجودة الغذائية للمنتجات التي تطرحها كبرى الشركات في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل يقل بشكل ملموس عن نظيراتها في الأسواق الغربية. ويعني ذلك أن ما يصل إلى موائدنا ليس بالضرورة ما يستهلكه المواطن في بلد منشأ الشركة، وأن المسافة بين منتجين يحملان الاسم التجاري ذاته قد تكون مسافة بين سياستين صحيتين مختلفتين تماما.
نحن أمام معادلة مقلقة؛ فمن جهة، تُوسع شركات الأغذية المصنعة استثماراتها في أسواقنا، وترعى فعالياتنا الرياضية والثقافية، وتُبرم شراكات مع مؤسساتنا. ومن جهة أخرى، لا تزال أبحاث الصحة العامة في منطقتنا في بداياتها، ولم تترسخ بعد آليات الإفصاح عن تمويل الدراسات العلمية. والسؤال الذي لا مفر منه: هل نعيش السيناريو نفسه الذي مرت به أمريكا، ولكن في مرحلة مبكرة وبشفافية أقل؟
د. مازن العبيدي أستاذ مساعد في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية