البحث عن العلم في زمن الأرباح
الثلاثاء / 29 / ذو الحجة / 1447 هـ - 10:01 - الثلاثاء 16 يونيو 2026 10:01
عمرو أحمد
في صبيحة يوم بارد من شهر يناير كانت نُسخة جريدة «ساينت بول بايونير بريس» الجديدة متوفرة عند باعة الصُحف والأكشاك، تُكلف النسخة الواحدة من الجريدة الأقدم في مينيسوتا 5 سنتات. على الصفحة الأولى عنوان ضخم عن التخفيضات الجديدة على الضرائب بجانبها تعازي لشخصيات محلية، وأخبار متفرقة عن حادثة قتل. لا تختلف الصفحات الأخرى في امتلائها بالصور التي تُحيط الأخبار والإعلانات المتفرقة، حتى الصفحة العاشرة؛ تخلو الصفحة بشكلٍ واضح من الرسومات، وباستثناء عمود ضيق على اليسار يحتل إعلان واحد كل الصفحة بعنوان: «بيان صريح مُوجه لمُدخني السجائر».
يفتتح البيان الحديث بالإشارة للأبحاث المنتشرة مؤخرًا التي استنتجت تسبب السجائر في السرطان عند الفئران، وربطت بين ذلك وبين أثر السجائر على البشر. يُشكك البيان في مدى حسم هذه الأبحاث، ويدعو لإجراء المزيد من الأبحاث للتحقق من أثر السجائر المُسرطن. كُتب البيان بتكليف من اتحاد من شركات صناعة التبغ، ولم تكن جريدة «ساينت بول بايونير بريس» الوحيدة التي نشرت هذا الإعلان؛ ففي تاريخ 1954 يوم 4 يناير نُشر البيان في أكثر من 400 جريدة، ووصل لما يزيد على 43 مليون أمريكي.
وقتها كانت الأدلة على الأثر المُسرطن للسجائر تتراكم من أماكن مُختلفة؛ دراسات إحصائية وأبحاث على الحيوانات، وبدأت مبيعات السجائر تهتز أثرًا لهذا. استعانت الشركات المُصنّعة للتبغ بجون ويل -رئيس شركة هِل & نُولتِن لإدارة العلاقات العامة- لتتعامل مع هذه الكارثة. اختار جون ألا يصطدم بالعلم؛ إذ ارتأى أن الاصطدام بالعلم وإنكاره قد يؤدي لأثرٍ سلبي، فبنى استراتيجيته على الالتفاف حول العلم، بل استيعابه. صاغ جون بيانًا يُقر بالعلم ويعترف به، لكنه من المنطلق نفسه الذي يُقر بالعلم؛ يستدعي الخلافات التي تحدث داخل المجتمع العلمي ويُقر بها أيضًا.
تُعد حملة جون مثالًا مُبكرًا على الاستراتيجيات التي تستخدمها الشركات للتفاعل مع العلم بما يضمن مصلحتها، وتاريخ صناعة التبغ مليء بهذه الأمثلة التي سطرت، ووضعت نماذج للطرق التي تلتف بها الشركات حول العلم. لم ينفِ «بيان صريح مُوجه لمدُخني السجائر» أهمية العلم رغم النتائج السلبية التي أثبتها هذا العلم تجاه السجائر، بل يَذكر حرفيًّا «لا نقول بتجاهل أي بحث علمي جاد أو التخفيف منه مهما كانت نتائج البحث غير حاسمة». ما يفعله البيان هو تحييد العلم عن طريق التأكيد على الاختلاف في الآراء عند العلماء، وهكذا فإن الدليل على الأثر المُسرطن للسجائر غير قاطع و«محل جدال».
في الواقع، كان اختلاف الآراء راجعًا لعلماء على هامش المشهد العلمي وقتها، خصوصًا وأن الأدلة العلمية كانت قوية ومتعددة المصادر، لم يكن لهذا الاختلاف أي أثر حقيقي داخل المجتمع العلمي، لكن البيان ضخّمه وجعله مركزًا للنقاش، بهذه الحركة أزاح البيان الأبحاث التي أثبتت بالفعل الأثر المُسرطن للسجائر. نَجح البيان في مهمته؛ انتعشت مبيعات السجائر بل وزادت، وتمكن جون من كَبح المُعارضة قبل أن تضخم وتصير ذات أثر مسموع، كما علّق أحد صحفيي نيويورك تايمز: لم تتسبب الضجّة المُثارة حول التدخين والصحة في ركود الصناعة، بل إنها قلبت الأوضاع مُتسببةً في زيادة أرباح التبغ لنسب غير مسبوقة.
لكن هذا الوضع لم يبق كما هو عليه، استمرت الأدلة في التراكم والتضخم، ولم يتوقف المجتمع العلمي عن نشر الأبحاث. على مدار العقود التالية خاضت صناعة التبغ معارك مُستمرة مثل هذه لتُحافظ على أرباحها من الصورة السلبية التي يُثبتها العلم. تضمنت المعارك استهدافًا مباشرًا للعلماء وافتراءات وأكاذيب. بالرغم من أن مثل هذه التكتيكات، أي الصدام مع المجتمع العلمي، لا تزال موجودة، فإن الشركات أدركت أهمية ألا تستهدف العلم مُباشرةً وعلى الملأ، لهذا فإن حملة جون مهدت لإستراتيجية ستستخدمها الشركات مرارًا وتكرارًا، بذر الشك في العلم بدلًا من مواجهته.
يُختلق الشك بأكثر من طريقة، طريقة جون كانت تضخيم الأصوات المعارضة التي كانت في الأساس هامشية، والطرق الأخرى تتضمن منطقًا مُشابهًا يقوم على افتعال نقص في ما يقوله العلم. دائمًا تُوجِد الشركات مساحة سلبية في العلم، مساحة يجب على العلم أن يملأها بالأدلة قبل أن يُسمح له بوصم الشركات أو منتجاتها. بيّن العالمان إجلمان وبيلينجز هذه النقطة كما يلي: إذا اكتشفت دراسات علم الأوبئة أن مادة مُسرطنة تسبب السرطان في البشر لكن ليس في الحيوان، تُطالب الشركات بدراسات مماثلة في الحيوان لإثبات الأثر المسرطن. أما إذا توصلت دراسات علم الحيوان إلى وجود الأثر المُسرطن ولم تكن دراسات علم الأوبئة مُكتملة أو لم تُثبت هذا الأثر، تُطالب الشركات بأدلة من دراسات علم الأوبئة قبل أن تُشرع الحكومة قوانين تضبط هذه المادة وقبل أن تخرج تعويضات للعمال والآخرين.
بنفس الطريقة، تختلق الشركات مساحة سلبية في العلم عن طريق رفع معايير الأدلة المطلوبة لدرجة عالية، درجة قد تكون غير إنسانية ولا تُراعي الشروط العلمية لإجراء الأبحاث، ويُلاحظ هذا بالتحديد في تفاعل الشركات مع علوم الأوبئة. تعتمد علوم الأوبئة على الملاحظة لإثبات الآثار السلبية، فالتعرض للأدخنة ضار بالرئة لأن الأبحاث لاحظت علاقة قوية بين الاثنين، ما تفعله الشركات هي مُطالبة العلم بإجراء الأبحاث التجريبية، أي تعريض البشر للأدخنة بشكلٍ مقصود في ظروف معملية لإثبات العلاقة السببية. بالطبع أبحاث كهذه تخترق كل القواعد الأخلاقية للعلم، لكن الشركات لا تهتم بهذا -لا تهتم الشركات بإجراء الأبحاث من أساسه، لأنها تتظاهر بالاهتمام بالعلم فقط لتستخدم نفس لغته في التشكيك بدلًا من أن تواجهه.
في كل هذه الأمثلة، ترجع الشركات دائمًا إلى نفس المنطق: التشكيك وحفر المساحات السلبية في العلم. يُعتبر هذا ردة فعل، لكن للشركات المقدرة على أن تقود الدفّة، وأن تُبادر بالفعل قبل أن تحتاج للرد. تُساهم الشركات عن طريق الدعم المادي والتمويل في إنتاج العلم والتأثير عليه قبل أن يصل لمرحلة النتائج، تلك النتائج التي قد تضطر الشركات لأجلها أن تُشكك في العلم. يتسبب هذا الدعم فيما يُعرف بانحياز التمويل (الإنجليزية: Funding bias) وهو الانحياز الذي يجعل الأبحاث الممولة تخرج بنتائج تتوافق مع مصالح وتوجهات جهة التمويل.
لكن كيف للشركات أن تُنتج علمًا لا يتعارض مع منتجاتها المُثبت علميًّا أنها ضارة؟ كيف لشركات التبغ أن تدعم علمًا يقول بأن التبغ أكبر مُسبب لسرطان الرئة؟ تختار شركات التبغ أن تدعم الأبحاث التي تتحدث عن الأسباب الأخرى المسببة لسرطان الرئة، مثلما مولت الأبحاث التي تتحدث عن المُسببات الجينية لسرطان الرئة، بهذه الطريقة تصرف شركات التبغ الاهتمام وتُحوله نحو الجينات، ومن دون أن تُكذّب العلم أو تزيفه. مع زيادة عدد الأبحاث المنشورة، يزداد أثر التشتت وحجمه، وتصير مُشكلة سرطان الرئة مُشكلة جينات أكثر منها مُشكلة سجائر.
يُعرف هذا النوع من الأبحاث بالـ»المأمون» (الإنجليزية: Safe research)، لأن نتائجه لا تُهدد مصالح الشركات وأرباحها. في مثل هذه الأبحاث، تختار الشركات موضوع البحث والأسئلة التي يُحاول الإجابة عنها، بالتالي فنتائج البحث ستكون متوافقة مع ما ترغب فيه الشركات، ويَمر العلم على المُنتج الضار للشركة فلا يراه. في الأبحاث التي دعمتها شركة كوكا-كولا حول مُسببات السُمنة، اختارت أن تُمول الأبحاث التي تسأل عن علاقة المجهود البدني والتمارين، طبعًا أكدت الأبحاث على أهمية التمارين في تفادي الإصابة بالسُمنة، لكنها والأهم، سكتت عن الأثر الأكثر تأثيرًا للحِمية الغذائية الممتلئة بالسُكر، حِمية مثل تلك التي قد تُساهم كوكا-كولا فيها بالمشروب الغازي الذي يحتوي على أكثر من عشر معالق سُكر.
لم تكتف كوكا-كولا بتمويل الأبحاث الفردية وحسب، فساهمت في إنشاء مجموعة عالمية لـ»القضاء على السمنة» واسمها الشبكة العالمية لتوازن الطاقة (الإنجليزية: Global Energy Balance Network). مبدأ توازن الطاقة هو الموازنة بين السُعرات الحرارية التي تدخل الجسم والسُعرات التي يبذلها الجسم في المجهود، بحيث أن الإكثار في المجهود البدني يؤدي لخسارة الوزن وتجنب السمنة. دعمت كوكا-كولا المجموعة بما يُقارب مليون ونصف دولار. مُجددًا، بدون أن تضطر كوكا-كولا للإصطدام بالعلم، تتلاعب بالعلم قبل أن تصل لهذه المرحلة، فُتمول علمًا مأمونًا لا يتحدث عن أثر منتجاتها السلبي.
تستخدم كوكا-كولا العلم لتدفع الأنظار عن منتجاتها، وهو أمر مفهوم لأن منتجات كوكا-كولا تؤثر سلبًا على الصحة، لكن ليست كوكا-كولا أو غيرها من الشركات التي تبيع مُنتجات ضارة هي الشركات الوحيدة التي تتفاعل مع العلم وترغب في التأثير عليه، بعض الشركات تبيع منتجات طبيّة، أو منتجات تُقدم حلًا لأزمة صحيّة، وأمثال هذه الشركات ترغب في علم يتحدث عن فائدة منتجاتها. لا تستهدف هذه الشركات العلم لتتحايل عليه أو لتشكك فيه، لكن لتستخرج منه أقوالًا تُصور منتجاتها بأحسن شكل، صناعة الدواء أكبر مثال على هذا. في الأبحاث التي تُقارن بين فعالية دوائين من مضادات الذهان، اكتُشف أن نتائج الأبحاث تختلف باختلاف ممول البحث. أول دواء وهو أولانزيبين تُصنعه شركة إلي ليلي، ثاني دواء وهو ريسبيريدون تُصنعه شركة جانسن، في الأبحاث التي مولتها إلي ليلي كان دواء أولانزبين أفضل من ريسبيريدون، أما في الأبحاث التي مولتها جانسن كان دواء ريسبيريدون أفضل من أولانزبين.
تكشف مُحاولة الشركات أن تظهر منتجها الأفضل والأحسن عن دافع أساسي: زيادة الأرباح، الحالة التي يصير فيها العلم مشحونًا تُجاريًا. تَميل الأبحاث الممولة من الصناعات الطبية إلى التركيز على الحلول التي تُقدمها هذه الصناعات الطبية؛ كشفت رابطة دراسة مرض السكري عن أنه ما بين 2010 و2013 ركزت معظم الأبحاث الممولة على الإنسولين والأدوية وأجهزة قياس السكر في الدم، على العكس من الأبحاث الغير ممولة، والتي ركزت على مواضيع غير تُجارية مثل طبيعة مرض السكري، وطُرق العلاج الغير دوائية، والمضاعفات المترتبة عليه.
تُركز الأبحاث الممولة على تأطير مُنتجات الشركات في صورة الحل الوحيد للمشكلة، وتتجاهل الحلول الأخرى الأرخص أو الحلول التي لا تتضمن منتجاتها. بل قد تصل بعض الشركات إلى اختلاق المشكلة الغير موجودة من أساسه، ليسهل تأطير منتجاتها فيما بعد حلًا لهذه المشكلة المُزيفة؛ تبيع شركة آبوت مُنتج أندروجِل الذي يستخدم علاجًا لانخفاض هرمون التستستيرون، مولت آبوت حملات إعلامية ضخمة للحديث عن مشكلة انخفاض التستستيرون وعلاقة ذلك بإنخفاض جودة الحياة عند الذكور، وبنت موقعًا مخصوصًا للحملة التي أسمتها: ألأن تي قليل؟ (الإنجليزية: Is it LowT، وحرف التي هو أول حرف من كلمة التستستيرون)، الموقع هو اختبار طبي يعرف منه المشارك أيحتاج إلى هرمون التستستيرون أم لا.
يتضمن الاختبار أسئلة عن المزاج النفسي والشعور بالإرهاق، رغم أن الأبحاث العلمية لم تُثبت أي علاقة بين انخفاض التستستيرون وهذه الأعراض. اختلقت حملة «ألأن تي قليل» مشكلة ليست بمشكلة في ثلاثة أفعال: حوّلت أعراض الحياة اليومية الاعتيادية – مثل الإرهاق – إلى مشاكل طبية تستلزم تشخيصها، ضخمت من أثر هذه المشاكل لتدفع الناس لاختبار الحملة، واستغلت العلم لتُبالغ في تصوير فائدة علاجها. تمزج الحملة بين استغلال العلم الذي تقوم به الصناعات والترويج الإعلامي الذي يتخطى العلم والمجتمع العلمي ليُخاطب المستهلك مباشرةً، وكأن المستهلك على معرفة طبية كافية تؤهله للتعامل مع خطاب مثل هذا.
تعرف الشركات أن المستهلكين قد لا يكونوا على دراية كافية فتنتهز الفرصة لتُمرر إعلاناتها المبنية على العلم المُتلاعب فيه، في دراسة عن نوع من المركبات الموجودة في الكاكاو والمعروفة بإسم فلافونويد، أُثبت أن هذه المركبات تُحسن من وضع مرض القلب وأنها تُخفض من ضغط الدم. كان هذا البحث من تمويل شركة مارس المعروفة بإنتاج الأنواع المُختلفة من الشوكولاتة، وساهم في كتابته موظف يعمل في الشركة نفسها. نشرت مارس إعلانًا بنتائج هذا البحث احتل صفحة كاملة من جريدة نيويورك تايمز، وفيه تحدثت عن أهمية استهلاك الفلافونويد الموجود في الكاكاو لخفض ضغط الدم.
لكن الإعلان لم يذكر أن مركبات الفلافونويد تُدمر أثناء عملية تصنيع الشوكولاتة، وأن محتوى شوكولاتة مارس منها غير موجود. لن يعرف معظم القراء على الأرجح هذا، ولكنهم سيقرؤون الإعلان، وسيفهمون احتواء الكاكاو على هذه المادة المفيدة على أنه دعوة لاستهلاك الشوكولاتة. كذلك عندما قرأ متابعو جريدة «ساينت بول بايونير بريس» البيان الصريح، لم يعرفوا أن شركات التبغ تُضخم وتختلق معارضةً للعلم الذي يقول بأن السجائر مُسرطنة، وأنه وقتها لم يتحدث العلم، بل كانت الأرباح من تقول كلمتها.
عمرو أحمد كاتب وصيدلاني