الفضاء بين العلم والاستثمار من يوجّه المستقبل؟
الثلاثاء / 29 / ذو الحجة / 1447 هـ - 10:01 - الثلاثاء 16 يونيو 2026 10:01
د. إسحاق بن يحيى الشعيلي
لم تكن السماء التي عرفها الإنسان في العصور القديمة بيئة استثمارية قائمة على الأرباح والعوائد المالية، بل كانت نظرة الإنسان لها نابعة من تساؤلات علمية ومن تأملات تحركها الشعائر والعبادات، فلطالما نظرنا إلى الأجرام في السماء كبوصلة للروح، ومصدر للبحث والتساؤل حول كيف نشأ الكون؟ وما حدوده؟ وما موقعنا منه؟ وما الحدود التي يمكننا الوصول إليها؟ وهل نعيش وحدنا في هذا الكون الوسيع؟ لكننا اليوم نعيش لحظة فارقة ومنعطف يتغير معه هذا التصور العام للكون من مساحة للدهشة ومسرح للاستكشاف والابتكار إلى ملعب للتنافس التجاري تكون فيه الشركات الكبرى هي المحدد واللاعب الأبرز في هذا المجال ويصبح معها الفضاء مركزا لتقاسم النفوذ والمصالح وتحديد الاتجاه حتى في المهام الفضائية التي تنطلق لأغراض علمية وبحثية بحته والتي كانت الحكومات في السابق هي من يحدد أهدافها ويتحمل التمويل المادي لها، هذا التوسع الكبير يقودنا إلى ما يشبه الاحتكار والتوجيه الممنهج لخدمة فئات محددة في قطاع يخدم جميع سكان الكوكب، وفي هذا المقال سنتطرق إلى نقطتين رئيسيتين تداخلت فيها المعرفة مع رأس المال وبدأت آثارها السلبية تلامس لب المعرفة الفلكية، هذه النقاط تتركز حول من يملك الموارد الفضائية وكيف أثرت منظومات الأقمار الصناعية التجارية في الحد من دقة الرصد الفلكي على الأرض والتشويه بشكل ملحوظ في جودة الصور الفلكية العلمية.
من يملك موارد الفضاء؟
في افتتاحية مجلة Nature Astronomy بتاريخ 7 يونيو 2019 بعنوان «التعدين الفضائي المستدام» حذر الكاتب في الافتتاحية من تحول القمر إلى ما يشبه «الغرب المتوحش» في ظل السباق المحموم لاستغلال الموارد الفضائية -وهي حقبة تاريخية يشار إليها أحيانا بالغرب الأمريكي، امتدت بين منتصف القرن التاسع عشر إلى بداية القرن العشرين وصاحبها سباق محموم للسيطرة واستغلال الموارد الطبيعية مثل الذهب والمناطق الزراعية والأخشاب ومناجم الفحم- ورغم أن معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 تنص على «أنه لا يجوز التملك القومي للفضاء الخارجي، بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى، سواء عبر السيادة، أو عن طريق الاستخدام أو الاحتلال، أو بأي وسيلة أخرى»، إلا أنه في الوقت نفسه سمحت في بعض بنودها للعديد من الدول بالتحايل على نص هذه الاتفاقية لاستغلال هذه الموارد بشكل مستقل بعيدا عن التنسيق الدولي، وربما يكون ذلك مدفوعا بضغط من كبرى الشركات العالمية العاملة في قطاع الفضاء أو بهدف جذب هذه الشركات للعمل في داخل نطاق هذه الدول، فعلى سبيل المثال ومع بروز شركات تطمح لتعدين الكويكبات مثل Planetary Resources و Space Industries واجهت عائقا في بداياتها في توفير التمويل اللازم للمشاريع في ظل عدم وجود قانون يمنح هذه الشركات الصفة القانونية للعمل، وقد سعت هذه الشركات مع غيرها من الشركات الأخرى الراغبة في الدخول في هذا المجال إلى العمل على سن تشريعات داخل الولايات المتحدة الأمريكية تسمح بتملك هذه الموارد وهو ما نجحت فيه في عام 2014 من خلال قانون ASTROIDS Act والذي تطورت بعض أحكامه لاحقا لتندمج في قانون التنافسية لإطلاق الفضاء التجاري الأمريكي عام 2015، ورغم أن القانون لا يشير صراحة إلى الحق في تملك الأجرام السماوية أو أجزاء منها إلا أنه منح أي مواطن أو شركة أمريكية حق امتلاك، ونقل، واستخدام، وبيع أي موارد أو معادن مستخرجة من الكويكبات أو الأجرام السماوية، ويعرف القانون الموارد بأنها تشمل جميع الموارد الطبيعية الموجودة في الكويكبات والأجرام السماوية، بما في ذلك المياه والمعادن؛ حيث تطمح هذه الشركات من خلال تقنيات متطورة إلى استغلال الماء لإنتاج الوقود المستخدم في تشغيل المهمات الفضائية مما يسمح بإطلاق المهام من القمر أو ربما يكون من أجرام كونية أخرى في المستقبل.
هذا القانون دفع دولا مثل لوكسمبورج إلى سن تشريع مماثل في عام 2017 يقر حق الشركات في امتلاك الموارد الفضائية المستخرجة ، كأول دولة أوروبية توفر ملاذ قانوني لاستغلال موارد الفضاء المستخرجة، والذي تم ضمن استراتيجية وطنية تهدف إلى اقتصاد قطاع الفضاء الناشئ، وهو ما تبلور في مبادرة Space Resources والتي تمت بالشراكة مع شركات تعمل في قطاع الفضاء مثل Deep Space Industries و Planetary Resources، هذه المبادرات تثبت مفهوم «من يسبق يستحوذ» «First-come, first-served» في ظل غياب تنظيمي عالمي موحد يؤدي بدوره إلى استحواذ الشركات العملاقة، التي تمتلك التكنولوجيا المتطورة والقدرة على الوصول للأجرام السماوية، على أفضل المواقع الاستراتيجية، وهو ما حذرت منه ورقة بحثية بعنوان «تنظيم حقوق استغلال الموارد الفضائية: بين احتياجات الدول والقطاع الخاص» صادرة عن معهد قانون الفضاء الدولي بجامعة لايدن عام 2017 والتي حذرت فيها الكاتبة من أن الشركات ستعمل على خلق حقوق ملكية على أرض الواقع (De Facto) كما أن هذه الشركات ستفرض مناطق سلامة أو نطاقات استبعاد لحماية معداتها وهو ما يعد في جوهره تملكا واحتكارا غير مباشر للأرض الفضائية تحت غطاء تقني، وقد يتطور الوضع إلى خطر اندلاع صراع فضائي وارد في ظل التنافس الشديد بين الشركات وعدم وجود تشريع عالمي ينظم هذا القطاع، وهو ما خلصت إليه الورقة في توصياتها النهائية بحيث يضمن الإطار التشريعي الدولي حقوق استخراج الموارد وآليات التراخيص وتقاسم المنافع ومنع الاحتكار أو الصدام السياسي.
الرصد الفلكي وتحدي
السماء المزدحمة:
يعد الرصد الفلكي من أهم المصادر الأساسية للبيانات التي يستند عليها العلماء لدراسة الأجرام الكونية المختلفة والأحداث الضخمة التي تحدث في الكون كالانفجارات النجمية والتغيرات التي تحدث للنجوم الثنائية، كما أنها تعد مصدرا مهما للباحثين وطلبة الدراسات العليا للحصول على بيانات دقيقة للدراسات التي تعتمد على أنواع مختلفة من الرصد في نطاقات مختلفة كالرصد الراديوي والرصد في الضوء المرئي، غير أن المعضلة الرئيسة التي واجهت هذا النوع من الأرصاد خلال العقدين الماضيين تمثلت في تراكم أعداد هائلة من الأقمار الصناعية الصغيرة في خضم التسارع الكبير للشركات لبناء شبكة هائلة من الأقمار الصناعية في المدارات المنخفضة LEO وفي مقدمتها مشروع Starlink التابع لشركة SpaceX للملياردير الأمريكي إيلون ماسك ومنظومة الأقمار الصناعية المرتقبة والتي تستعد وكالة الفضاء الصينية لإطلاقها لتقديم خدمات الإنترنت الفضائي، ورغم ما توفره هذه المنظومات من خدمات رائعة في قطاعات الاتصالات والإنترنت الفضائي والمسوحات الأرضية، إلا أنها تخلق مشكلة أكبر تتمثل في تراجع دقة الأرصاد المأخوذة من الأرض، ومما يزيد حجم الخطر هو التراجع الكبير لرصد الأجرام القريبة من الأرض، فمثلا خلال فترتي الغسق والفجر، حين تبقى الأقمار الصناعية مضاءة بأشعة الشمس بينما تغرق المراصد الأرضية في الظلام النسبي، تؤثر هذه الشبكات من الأقمار على الصور الفلكية فقد تظهر على هيئة خطوط ضوئية تعبر الصور الفلكية، وهو ما يؤثر بصورة خاصة على برامج المسوح الواسعة والعميقة للسماء التي تتم من خلال منظومات رصد على سطح الأرض، وفي دراسة نشرتها مجلة Astronomy& Astrophysics حذر باحثون من المرصد الأوروبي الجنوبي (ESO) إلى أن بعض برامج الرصد الفلكي، ولا سيما تلك التي تركز على اكتشاف الكويكبات القريبة من الأرض والتي يمكن أن تشكل خطرا كبيرا على الأرض وأيضا رصد الظواهر الفلكية العابرة مثل المستعرات العظمى، قد تواجه مستويات مرتفعة من التأثر خلال الساعات الأولى والأخيرة من الليل وهي الفترات الحساسة لرصد الأجرام القريبة من الأفق. هذه الدراسة وغيرها من الدراسات تنذر بواقع ربما يكون أكثر صعوبة للباحثين وعشاق التصوير الفكي في خضم التنافس الشديد بين الشركات على نشر أكبر عدد من الأقمار الصناعية في المدارات المنخفضة.
وهنا تبرز معضلة أخرى في الفضاء القريب من الأرض تُعرف باسم «مأساة المشاع» أو «Tragedy of the Commons»، وهو مصطلح سائد في العلوم الاقتصادية، ويشير إلى ما يحدث عندما تكون هناك موارد مشتركة بين الجميع لا يتمتع أحد بملكيته دون الآخر، فيقوم مجموعة من الأفراد أو الشركات باستغلالها لتحقيق مصلحة خاصة، إلى درجة تؤدي في النهاية إلى الإضرار بهذه الموارد أو استنزافها.
وهذا ما كشفته دراسة بعنوان «الكوكبات الضخمة للأقمار الصناعية ومخاطرها على المدار الأرضي المنخفض والغلاف الجوي للأرض»، أجراها الباحثان أرون بولي ومايكل بايرز، ونُشرت في مجلة Scientific Reports التابعة لمجموعة Nature البحثية في مايو 2021، حذّر فيها الباحثان من أن التوسع المتسارع في إطلاق شبكات الأقمار الصناعية يمكن أن يكون كارثيًا في ظل غياب التنظيم الدولي القادر على إدارة والتحكم بالآثار العلمية والبيئية لهذه المجموعات من الأقمار الصناعية.
كما تشير الدراسة إلى أن الاعتماد على التراخيص الوطنية قد يشكل خطرًا على المدى المتوسط والبعيد، ويمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من السطوع البصري الذي تحاول بعض الأقمار التقليل منه، بل يمتد إلى التداخلات الراديوية، وهو تحدٍّ أكثر تعقيدًا، حيث يرتبط برصد انفجارات المستعرات العظمى والأجرام في الكون العميق ورصد الثقوب السوداء، وهو ما سيشكل ضررًا بالغًا بالبيانات التي يستند إليها العلماء في دراسة مثل هذه الظواهر والأجرام.
كما أن الحطام الفضائي، وحسب الدراسة، ينذر بتحول الفضاء إلى سلسلة من التصادمات المدارية تُعرف باسم «متلازمة كيسلر»، وتشير إلى تصادمات كارثية اقترحها الفلكي دونالد كيسلر عام 1978، وتبدأ بتصادم واحد يمتد إلى تصادمات متسلسلة تهدد الأقمار الصناعية في المدارات المنخفضة، بما قد يهدد استدامة استخدام المدار الأرضي المنخفض على المدى الطويل.
وفي هذا السياق يطرح سؤال أوسع حول كيفية الموازنة بين الابتكار والتنافس العلمي من جهة وحق البشرية في فضاء مستدام يدعم البحث العلمي ويخدم المصلحة العامة باستدامة تحفظ حق الأجيال القادمة في استخدام الموارد الفضائية والعلمية المتاحة دون الأضرار بهذه الموارد من أجل منفعة تشمل فئة قليلة من الشركات والأفراد.
إن التحول الذي يشهده قطاع الفضاء ينذر بإعادة تشكيل واسعة لفلسفة الاستكشاف وهوية المعرفة العلمية، حيث يتحول الفضاء من مصدرٍ للبشرية، محميّ باتفاقيات دولية تنظّم عمل الحكومات والشركات في هذا القطاع، إلى ساحة تتداخل فيها الاستثمارات ورأس المال بالأبحاث والاكتشافات، ويحكمها قانون «من يسبق يستحوذ»، حيث تكون الأرباح ومضاعفة رأس المال مقدمة على المصلحة العامة للبشرية من قِبل شركات تحتكر هذا القطاع.
ان التطور التقني الذي شهده قطاع الفضاء ودخول شركات ساهمت في تسارع الأبحاث العلمية وخفض تكلفة الاطلاق أسهم بشكل كبير في ازدهار قطاع الفضاء الا أنه فرض أسئلة حول أولويات البحث العلمي وإدارة الموارد الفضائية ومن ينظم هذا العمل في ضوء غياب تشريعات، ومن يتحمل كلفة التلوث الضوئي والحطام الفضائي وتراجع جودة الرصد الفلكي.
إن الواقع الذي يعيش فيه قطاع الفضاء، من تنافس قد يكون غير عادل في العديد من جوانبه، يحتم على دولنا العربية الخروج من التبعية التكنولوجية وتعزيز البحث والاكتشاف في هذا المجال، بما يعزز كوادر الموارد الوطنية للمنافسة في مجال أصبح الدخول فيه أمرًا حتميًا لتعزيز الجوانب التكنولوجية والعلمية لهذه البلدان، مع السعي لبناء منظومة علمية قادرة على إنتاج المعرفة والمشاركة في صياغة السياسات الفضائية العالمية، والمساهمة فيها بشكل يسهم في الحفاظ على مصالح دولنا العربية في الموارد الفضائية.
د. إسحاق بن يحيى الشعيلي رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للفلك والفضاء