عمان العلمي

كيف يُستغل البحث العلمي في ممارسة الاستعمار الرقمي؟

 

د. معمر بن علي التوبي 

يطلعنا تقريرٌ صادر عن وزارة التجارة الأمريكية في يناير 2025 بعنوان «إطار انتشار الذكاء الاصطناعي»، والذي بموجبه قُسِّم العالم إلى ثلاث طبقات.

تضم الطبقة الأولى ما عُرف بالحلفاء الوثيقين مثل كندا والمملكة المتحدة واليابان، وأُعطيت هذه الدول الحرية الكاملة فيما يتعلق بانتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي إليها. أما الطبقة الثانية، فتشمل معظم دول العالم بما فيها دول الخليج، وكان إطار انتشار الذكاء الاصطناعي لديها قائما على حصص وتراخيص محدودة. في حين ضمّت الطبقة الثالثة الصين وروسيا وكوريا الشمالية مع فرض حظر شامل عليها.

عبر السياسة الأمريكية -وفق إشارتنا إلى البيان الأمريكي- وتقسيمها العالم إلى طبقات فيما يتعلق بأطر انتشار الذكاء الاصطناعي؛ تبيّن فيه موضعنا 

أنه ضمن دول الطبقة الثانية بالرغم ما نراه من تعاون واسع مع شركات كبيرة جدا في مجال التقنية، وتمتد هذه الشراكات إلى المؤسسات التعليمية مثل الجامعات، ومراكز البحوث، والشركات المحلية التي ترتبط بعقود -بعضها بحثية وبعضها خدمية- مع هذه الشركات الكبرى المرتبطة بالبيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي.

ونحن بجانب تصنيفنا الثاني الذي يحد من ولوجنا إلى عالم الذكاء الاصطناعي؛ فإننا مع مشكلة تتعلق عدم القدرة على امتلاك الخوارزميات بكامل أسرارها، أو الاعتماد عليها بصورة سيادية ومستقلة، وفي غالب الأحيان، تشير المؤشرات والدراسات والأخبار إلى أننا نَمنح هذه الشركات كثيرا من كنوزنا المعلوماتية -البيانات الكبيرة- لتقوم باستغلالها في تشغيل خوارزمياتها، في حين أننا لا نملك خيار الاستقلالية والسيادة المطلقة في هذا الأمر.

كذلك من المهم أن نعرف أن معظم -إن لم يكن كل- نماذج الذكاء الاصطناعي التي نظن بأنها أُنشئت عربيا بصورة كاملة، هي في الأساس تنتمي إلى حواضن وبُنى غربية، ومرتبطة بشكل كلي أو جزئي بها، وإن كانت تعتمد جزئيا على بيانات محلية، ولهذا، فإن بعض الدول العربية حاولت بناء نماذجها الخاصة، ولكننا نجد في النهاية أن هذه النماذج ما تزال مرتبطة أو مستعينة بشركات تقنية كبرى تمتلك نماذج عالمية معروفة.

بالتالي، نلحظ هنا تناقضا يؤكد لنا أننا في الدول العربية لا نمتلك الاستقلال الكامل عن التقنية الغربية، وبجانب أننا نملك بيانات مهمة، ولكنها في الأساس تُستغل بصورة كبيرة من قبل هذه الشركات -إما باسم البحث العلمي المباشر أو عبر الشراكات التجارية- في حين أن الفائدة التي تعود إلينا تكون أقل بكثير. يُضاف إلى ذلك أن هذه البيانات -إلى جانب فوائدها التجارية- تنطوي أيضا على مخاطر أمنية وإستراتيجية لهذه الدول. ويشبه هذا الأمر إلى حد كبير مجالات أخرى جرى استغلالها علميا وبحثيا من قبل ما يضارع حجم هذه الشركات الكبرى سواء فيما يتعلق بالأمراض أو بجمع البيانات الوراثية والجينية التي تستفيد منها هذه الشركات العالمية الكبرى وحكومات دولها، في حين أن الشركات المحلية في الدول الأخرى -التي اعتبرت خارج تصنيف الطبقة الأولى- تكون أبعد ما تكون عن تحقيق استفادة حقيقية وكبيرة، وهذا ما تؤكده شواهد أبحاث الدواء وصناعته التي تتصف بالأنانية العلمية في التعامل البحثي لبعض الأوبئة المنتشرة في الدول الفقيرة دون غيرها؛ فتكون بعيدة كل البعد عن الاهتمام العلمي في البحث عن سبل علاجية لها حال انتفاء المصالح التجارية.

يذكّرنا ذلك بأنماط الاستغلال -بصور أخرى مضارعة لمنهج الاستعمار الرقمي- التي كانت تقوم بها بعض الشركات -وما يزال بعضها مستمرا- في دول أفريقية ودول أمريكا اللاتينية وبعض الدول الآسيوية عبر استغلال فقر شعوب هذه الدول؛ فعلى سبيل المثال، تشير إحدى المعلومات التي اطّلعنا عليها إلى أن إحدى الشركات كانت تستغل عمالا كينيين يعملون في مجال تصنيف البيانات، وكانوا يتقاضون أجرا يقل عن دولارين في الساعة، في حين أن العامل كان يُرهق نفسه لفترات عمل طويلة ويُعرّضها لمشاهدة محتوى رقمي غير صحي وغير أخلاقي من أجل تدريب نماذج للذكاء الاصطناعي التوليدي مقابل أجر ضئيل جدا ومن دون أي ضمان وظيفي أو تأمين أو حقوق مهنية واضحة، وبجانب الأضرار التي تلحق بالبيئة.

لهذا انتشرت رسالة كتبها نحو مئة عامل بيانات أفريقي إلى الرئيس الأمريكي السابق «جو بايدن»، قالوا فيها بوضوح إن «شركات التقنية الكبرى الأمريكية استغلت العمال الأفارقة بصورة منهجية، وإن ظروف العمل ترقى إلى العبودية الحديثة». هذا ما نجده أيضا في دول أخرى، مثل فنزويلا؛ حيث أظهرت بعض البيانات أن عمّال تصنيف البيانات هناك كانوا يتقاضون ما بين تسعين سنتا ودولارين في الساعة لتصنيف صور السيارات ذاتية القيادة، وفي الفلبين، نجد أن بعض عمّال المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي يحصلون على أجور تقل عن الحد الأدنى الرسمي للأجور في بلادهم، وكذلك الحال -بدرجات متفاوتة- في دول أخرى مثل الهند وبنجلاديش وبلغاريا؛ إذ تتكرر السيناريوهات ذاتها التي أشرنا إليها آنفا.

عبر هذه الأمثلة يتأكد لنا أن هناك استعمارا رقميا تمارسه شركات التقنية الكبيرة يحمل صبغة استعبادية للبشر -طاقاتهم ومعلوماتهم- ويأتي في صورة متجددة لمعنى الاستعمار والاستعباد الذي مارسه الغرب قديما على بعض دول العالم؛ بمعنى أن هذه الشركات الكبرى تمتلك البنية المعرفية الصلبة والعميقة، في حين أن البيانات والتشغيل والعمالة الرقمية تتمركز غالبا في دول تُصنَّف ضمن الدول النامية أو دول العالم الثالث، وهنا تكمن مشكلة الاستغلال، ومشكلة عدم امتلاك السيادة الرقمية، وبالتالي تصبح الارتباطات البحثية ومخرجاتها في غالب الأحيان مائلة لمصلحة هذه الشركات الكبرى والدول التي تنتمي إليها. لهذا نجد أن الخوارزميات -خصوصا خوارزميات الذكاء الاصطناعي- ليست محايدة بصورة كاملة، وتشمل الخوارزميات التي يُعمل على تطويرها داخل مختبرات في دول أخرى -بما فيها بعض مختبرات الشرق الأوسط-؛ فتحمل في بنيتها قيما ومنطلقات معرفية وتحيزات ثقافية مرتبطة بالأسس الغربية سواء على مستوى البيانات التدريبية أو حتى في تصميم أنظمة المكافآت والعقوبات داخل الخوارزمية. بالتالي، فإن نماذج اللغات الكبيرة الغربية التي تعمل عليها بعض الجامعات العربية في منطلقاتها البحثية تكون قائمة أساسا على بيانات غربية من حيث النشأة الأولى للخوارزمية المستعملة، وحتى مع محاولات تحسينها عبر اللغة العربية وبياناتها؛ فإن هذا التحسين يحدث غالبا عبر أدوات ومعايير تقويم تضعها وتتحكم بها الشركات الغربية نفسها عبر التوجهات الخوارزمية المعقّدة.

لهذا يحق أن نتساءل: كيف يمكننا أن نحل أزمات كبرى في الوطن العربي مثل أزمات المياه والأوبئة والكوارث الطبيعية عبر خوارزميات مستوردة من بيئات لا تتصل بالعالم العربي أو الشرق الأوسط إلا عن طريق بيانات نظنها في دائرة تحكمنا المطلق في حين أن الخوارزمية كليا أو جزئيا من صنع غيرنا؛ فنظنها كافية وكفيلة بأن تخدم مصالحنا؟ فتصبح المعرفة الناتجة هنا ناقصة، وخاضعة للمعايير الغربية ولمصالح الشركات الكبرى، وبالتالي فإننا لا نمتلك القدرة الكاملة على استخراج الفوائد المرجوة، ولا على بناء استقلال معرفي وتقني حقيقي قادر على التعامل مع مشكلاتنا وفق خصوصياتنا الحضارية والاجتماعية والبيئية.

لتوضيح ذلك، يمكننا أن نحدد المشكلة في عدة تحديات رئيسية. أولا، إن معظم مراكز البحث العربية والمشروعات البحثية العربية لا تمتلك قاعدة تمويل محلية كافية ومستدامة وخصوصا من القطاع الخاص، وحينها يُملأ هذا الفراغ غالبا عبر التمويل الغربي الذي يأتي مصحوبا بشروطه وأولوياته ومعاييره الخاصة به. لا يعني هذا بالضرورة أننا نتحدث عن جهة بعينها، أو عن مؤامرة مباشرة بقدر ما نتحدث عن طبيعة النفوذ الذي يصاحب القوة الاقتصادية والمعرفية؛ فيمتلك المموِّل -في كثير من الأحيان- القدرة على التأثير في اتجاهات البحث، وفي القضايا التي تُمنح الأولوية، وكذلك في المعايير التي يُقاس بها نجاح المشروع البحثي وأهميته.

في زاوية أخرى، تخضع معايير النشر العلمي بدرجة كبيرة للهيمنة الغربية؛ فنجد أن معظم المجلات العلمية المحكّمة الكبرى، مثل «Nature» و»Elsevier» التي تندرج تحتها منصات وقواعد نشر علمي متعددة تعتبر مؤسسات غربية من حيث المنشأ والقيادة والتأثير المعرفي، ولا تعني إشارتنا هنا أننا نطالب بالانفصال عن مؤسسات النشر الغربية الرصينة. لكن ما يزعجنا وضع الباحث العربي الذي يريد أن يُحسب ضمن دائرة «العلم الجاد» أو البحث المعترف به عالميا؛ فيكون مضطرا للنشر في هذه المجلات والمنصات، وبذلك يخضع -بصورة مباشرة أو غير مباشرة- للمعايير التابعة للمؤسسات الغربية بما فيها التوجهات البحثية، وأولويات النشر، وكذلك التأثيرات المرتبطة بالشركات الكبرى أو الجهات الممولة لهذه المجلات العلمية المحكمة.

أما المشكلة الأخرى، فتتمثل في غياب البيانات المحلية الكبيرة؛ فيحتاج تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي إلى بيانات هائلة ومتنوعة ومتراكمة عبر سنوات طويلة، وقد راكمت الشركات الغربية -على مدى عقود- كمًّا هائلا من البيانات المستمدة من مليارات المستخدمين في العالم، في حين أن الجامعات العربية بالإضافة إلى كثير من المؤسسات البحثية العربية لا تدرك قيمة البيانات بشكل واضح؛ فتبدأ عمليا من الصفر أو من قواعد بيانات محدودة للغاية، وتأتي في مراحل متأخرة لا يمكن أن تفي بمهمة تدريب الخوارزمية المعدّة مسبقا من قبل صانعها الأول. وفي ظل غياب استثمار محلي مركّز لبناء مخازن بيانات عربية كبرى، تبقى البنية التحتية الإحصائية والمعرفية للذكاء الاصطناعي في الدول العربية في أيدي الآخرين، وتظل رهينة القيود والشروط والبنية المعرفية الغربية.

وكما أشرنا سابقا، فإن أحد أبرز التحديات يتمثل في أننا نزعم أحيانا امتلاك «ذكاء اصطناعي سيادي»، ولكن هذه النماذج تكون في كثير من الأحيان مجرد واجهات محلية في حين أن منظومتها الخوارزمية مبنية على نماذج غربية، وتعتمد على رقاقات أمريكية -وهذا ما جعل دولا مثل الصين تبحث بواسطته عن سبيل للتحرر من التبعية الرقمية الغربية؛ فتنجو من رتق العبودية والاستعمار الرقمي غير العادل-، وبنية تحتية سحابية وتقنية غربية، وهذا ما يجعل مفهوم السيادة التقنية هنا مفهوما ناقصا ومحدودا إلى حد بعيد.

بكل تأكيد، نحن بحاجة إلى حلول لتجاوز ما يمكن تسميته بـ»أزمة الاستعمار الرقمي»، ولا أجد لهذه الأزمة من حل حقيقي إلا أن نبدأ أولا بتشخيص المشكلة، وفهم جذورها، ومعرفة أدواتها وآلياتها الخفية والناقصة، ولعل أولى خطوات البحث عن الحلول تبدأ من فكرة الوحدة العربية العلمية، وخصوصا في مجال البحث العلمي، بحيث تستند إلى تمويل داخلي من قبل شركات عربية محلية ومستقلة.

أقول ذلك لأننا لا يمكن أن نكتفي بالشركات المحلية لكل دولة عربية على حدة؛ إذ إننا، في هذه الحالة، لن نستطيع امتلاك الأدوات المالية والعلمية والبيانات الكافية لمنافسة الشركات العالمية الكبرى التي تحتكر السوق الرقمي، وتحتكر كذلك جزءا كبيرا من مخرجات الأبحاث، خصوصا تلك المرتبطة بالتقنيات المتقدمة والبيانات، والتي يمكن أن تستفيد منها هذه الشركات لأغراض أخرى، من بينها الأغراض العسكرية والطبية والاستراتيجية، وأثبتت الحروب التي شُنّت على غزة ولبنان وإيران ذلك.

لهذا، فنحن بحاجة إلى شركات ذات طابع عربي موحّد، تمتلك القدرة على الاستفادة من الكفاءات العربية الموجودة بالفعل وبقوة في أنحاء العالم. ومن المهم أن نؤكد هنا أن هذه الخبرات العربية تُستغل أيضا بصورة كبيرة داخل الشركات التقنية العالمية الكبرى؛ فينبغي لهذه العقول العربية أن تُستجلب إلى مشروعات رقمية عربية موحدة.

يقودنا ذلك لننطلق إلى تفاصيل أخرى تتعلق ببعض الحلول الممكنة الضامنة لمشروعات الاستقلال الرقمي واستدامته؛ فعلى المستوى السياسي، نحن بحاجة إلى بناء إطار وطني وعربي موحّد للسيادة الرقمية يحدد بوضوح شروط الشراكة مع الشركات الأجنبية؛ فنحن لا نقول إنه ينبغي أن نعزل أنفسنا عن هذه الشركات أو نتحرر منها بالكامل؛ إذ ما نزال نريد الاستفادة من هذه الشراكات والتقنيات المتقدمة، ولكن وفق شروط عادلة ومتوازنة، وهذه الشروط ينبغي أن تشمل أحكام الملكية الفكرية، ونسبة مشاركة الباحثين المحليين، وحقوق البيانات، وآليات الاستفادة من مخرجاتها.

كذلك نحتاج إلى تأسيس صناديق سيادية للبحث التقني، بتمويل محلي مستقل عن الاستثمارات الأجنبية؛ ليتيح للباحثين العرب متابعة أجندات بحثية طويلة الأمد دون ضغوط التمويل الخارجي أو توجيهاته، ونحتاج إلى تشريعات واضحة لحماية البيانات الشخصية والعامة وتأمين خصوصيتها، وعندما نتحدث عن مشروع عربي، فإننا نتحدث عن قضية تخصنا نحن في العالم العربي، وإن كانت هذه القضية -في صميمها- قضية إنسانية عالمية، ينبغي أن يمتلك فيها الإنسان -في جميع الشعوب والأمم- الحق في التحرر من التبعية الرقمية، والقدرة على تحقيق نوع من الريادة والسيادة الرقمية بعيدا عن أشكال الاستغلال غير المنصف التي أشرنا إليها في الأمثلة السابقة.

أما على المستوى الأكاديمي، فنحن بحاجة إلى بناء معيار حقيقي للشفافية في الشراكات البحثية عن طريق نشر بنود ملكية الأبحاث المشتركة بصورة كاملة ومتاحة للعموم؛ ليكون المجتمع العلمي على دراية بطبيعة هذه الشراكات وحدودها. نحتاج أيضا إلى بناء مخازن بيانات عربية مشتركة بين الجامعات والمؤسسات البحثية لا تخضع للرقابة أو الاستغلال التجاري من أي طرف خارجي؛ فيسمح بتطوير نماذج أكثر ارتباطا بالواقع العربي واحتياجاته الفعلية.

كذلك يتطلب طموحنا العلمي إلى إعادة تقويم معايير النشر العلمي عبر دعم منصات نشر علمي عربية بديلة ومفتوحة تعكس رؤى بحثية متنوعة ثقافيا، وتمنح الباحث العربي مساحة أكبر للاستقلال المعرفي بدل أن يبقى أسيرا لمنظومات تقييم ومعايير تضعها مؤسسات خارج بيئته الحضارية والاجتماعية.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني