أفكار وآراء

جيل الذكاء الاصطناعي وأزمة المعرفة

دفعتني مجموعةٌ من المشاهد إلى كتابة هذا المقال والحديث عما يمكن أن أطلق عليه «جيل الذكاء الاصطناعي وأزمة المعرفة» على غرار ما سبق أن كتبت عنه سابقا فيما يخص «المجتمع الرقمي» الذي كان مصطلحا أردت به توصيف المجتمع البشري الرقمي؛ إذ بات من الصعب أن نجد جانبا من جوانب الحياة لم تمسه الرقمنة بشكل أو بآخر. أما المشاهد التي دفعتني إلى الحديث عن جيل الذكاء الاصطناعي وكتابة هذا المقال، فألخصها في مشهدين.

يتمثل المشهد الأول في طالب جامعي جاءني لغرض أكاديمي؛ فوجهته إلى كتابة طلب وإرساله عبر البريد الإلكتروني، وقلت له: اذهب وصغ الرسالة وأرسلها عبر البريد الإلكتروني؛ فأجابني بأن الأمر سيكون جاهزا في غضون دقائق. استحسنت ذلك، وغادر مكتبي، وبعد دقائق خرجت من المكتب، فوجدته يتحدث عبر الهاتف، ويوجه أوامر إلى أحد نماذج الذكاء الاصطناعي طالبا منه صياغة رسالة محددا مضمونها وفكرتها وبعض التفاصيل الأخرى. لم يكن الأمر مفاجئا بالنسبة لي؛ فأنا على دراية بأن مثل هذه الممارسات أصبحت شائعة، ولكنه كان مشهدا أطلت التأمل فيه.

أما المشهد الثاني فكان أثناء مراجعة درجات الطلاب في أحد المقررات الدراسية؛ فلحظنا أن أحد الطلاب حصل على درجة متدنية في اختبار المقرر، وفي حين حصل على درجة تكاد تكون كاملة في بحث طُلب منه تنفيذه تضمَّن عمليات حسابية وتحليلات فنية معقدة ليست بالبساطة التي تسمح بتفسير هذا التفاوت الكبير في الأداء، فتساءلت: كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ إذا كان الطالب يمتلك هذا المستوى من الفهم والقدرة الذي تعكسه نتيجة البحث فلماذا يظهر بمستوى مختلف تماما في الاختبار؟ وهل اختُبر شفهيا للتأكد من أن العمل المقدم يعكس قدراته الحقيقية؟ وحتى لو افترضنا أنه بذل وقتا وجهدا كبيرين في إعداد البحث؛ فإن الفجوة الكبيرة بين النتيجتين تظل مثيرة للتساؤل. أصبحت مثل هذه المشاهد جزءا من الممارسات اليومية لكثير من الناس، وكشفت أن كثيرا من الجيل الحالي يعتمد في بناء معرفته اعتمادا كبيرا على أنظمة الذكاء الاصطناعي، وهذا ما دفع أن أطلق عليه «جيل الذكاء الاصطناعي». وسبق أن عرفنا أن الذكاء الاصطناعي اعتمد في نشأته على الإنسان وبياناته التي أنتجها وأودعها في الكتب والمجلات والأبحاث والملفات الرقمية؛ ليغدو -الذكاء الاصطناعي- أشبه بـ «المارد المعرفي»، ولكن ماذا سيحدث عندما يأتي جيل يعتمد اعتمادا شبه كامل على هذا المارد الرقمي، ويبدأ تدريجيا في فقدان بعض مهاراته العقلية والذهنية نتيجة الركون المفرط إلى الأدوات الرقمية؟ ولعلنا بذلك نكون مع معادلة جديدة للمعرفة لم تتضح ملامحها بعد، وقد لا ندرك آثارها الحقيقية إلا بعد عقود من الزمن. ومع هذا التحول التدريجي من توظيف الذكاء الاصطناعي أداةً مساعدة إلى الاعتماد عليه ليكون بديلا عن إعمال العقل في عمليات التفكير والتحليل والبحث والاستنتاج؛ فإن ذلك يؤسس لأزمة معرفية عميقة تستدعي إعادة النظر في سلوكيات الجيل الجديد، وفي طبيعة علاقته بالمعرفة نفسها وقدرته المحضة على توليدها.

لا أريدُ أن يُفهم من كلامي أنني أضحيت عدوا للتقنية؛ فلستُ ضد التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي من حيث المبدأ؛ فنحن بحاجة إلى الذكاء الاصطناعي في الصناعة، وفي تشغيل الآلات وإدارة خطوط الإنتاج؛ فهذه مجالات أثبت فيها قدرته على رفع الكفاءة وتحسين الأداء. كذلك أننا بحاجة إليه في المجال الطبي لتسريع وتيرة التشخيص والعلاج ومتابعة الحالات الصحية. وقد أثبتت الدراسات والتجارب العملية أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولا كبيرا في الطب والرعاية الصحية وغيرها من مرافق الحياة ومتطلباتها. لكنني -في المقابل- لا أؤيد أن يمتد دور الذكاء الاصطناعي إلى فضاءات الإبداع البشري ومصنع أفكاره -أي العقل-، ولا أرى أن المجتمع الرقمي ينبغي أن يتحول إلى مجتمع آلي مؤتمت بالكامل خصوصا في المجال المعرفي والعقلي للإنسان. لهذا أعتقد أن اقتحام الذكاء الاصطناعي للحقل المعرفي، وتحوله تدريجيا من أداة مساعدة إلى بديل عن التفكير البشري، يشكل غزوا خطيرا يهدد مدارك الإنسان وعقله ومعارفه. مع ذلك، لا يكمن الخطر في وجود الذكاء الاصطناعي ذاته، وإنما في الاعتماد المفرط عليه؛ فحين يصبح الذكاء الاصطناعي المصدر الرئيس للمعرفة وتوليد الأفكار؛ فإن الإنسان قد يفقد تدريجيا جزءا من استقلاله الفكري، وتصبح المعرفة نفسها محتكرة داخل أنظمة رقمية يعتمد عليها الجميع دون تمحيص أو مراجعة، ولا يعود الإنسان بعدها فاعلا في إنتاج المعرفة قدر ما يكون متلقيا لها وحسب، ويكون أقرب وصفا بأنه «إمعة معرفية» تستقبل ما يُقدَّم لها دون أن تمارس دورها الطبيعي في التفكير والاجتهاد والنقد.

ما يثير القلق أن ظاهرة الاعتماد شبه المطلق على الذكاء الاصطناعي ليست «موضة» مؤقتة؛ إذ نشهد تصاعدها عاما بعد عام، ومن المعقول أن تتفاقم بصورة أكبر في غضون السنوات القادمة مع طفرات الذكاء الاصطناعي السريعة، وإذا استمر هذا المسار دون وعي أو ضوابط فسوف تقف الإنسانية أمام منعطف خطير تهيمن فيه الأنظمة الرقمية على مساحات واسعة من الحياة البشرية وأدواته المعرفية وأهمها العقل -من حيث الشمولية- والدماغ -النظام البيولوجي المعني بالتفكير-. وهذا هو صميم ما أعنيه في هذا المقال؛ فالجيل الذي يتشكّل اليوم، والذي أطلقت عليه اسم «جيل الذكاء الاصطناعي»، أراه يواجه أزمة معرفية عميقة نتيجة هذا الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية، ولا ترتبط هذه الأزمة في نقص المعلومات، ولكنها تتمثل في تلاشي وجود الإنسان المفكّر القادر على إنتاج المعرفة وفهمها وتحليلها، وعندها سنكون أمام حالة من الاستعباد المعرفي غير المسبوق. هذا ما يدعونا إلى القول إننا إلى حاجة ماسة لإعادة فهمنا للذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، وأن نبدأ أولا بتشخيص المشكلة تشخيصا واعيا، وكما أسلفت، فإنني لست في خصومة مع التقنية وأنظمتها المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي؛ إذ إنها لصيقة بتخصصي ومهنتي وبحثي، ولكن مشكلتنا الحقيقية تتمحور في أن هذه التقنية بدأت تتجاوز حدود استعمالاتها المأمولة والمنوطة بها مثل التي أشرنا إليها آنفا.

لهذا أرى أن إعادة الاعتبار للعقل البشري يجب أن تكون أولوية في هذه المرحلة، ولا يتحقق ذلك إلا عن طريق صياغتنا لما يمكن أن نسميه «الفلسفة الرقمية» التي ينبغي أن تنبثق منها أخلاقيات التعامل مع الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات اكتساب المعرفة في العصر الرقمي؛ فنجدد بواسطتها نظرية المعرفة.

وليس المطلوب منا رفض الذكاء الاصطناعي، وإنما تحقيق التوازن في التعامل معه، ونحتاج لهذا التوازن أن يبدأ من مقاعد الدراسة، من المدارس ومناهجها، ويمتد إلى الجامعات والكليات والمؤسسات التعليمية المختلفة؛ حيث إن التعليم هو الميدان الأول الذي تتشكل فيه علاقة الإنسان بالمعرفة، والمكان الذي ينبغي أن نحافظ فيه على استقلالية العقل وقدرته على التفكير والإبداع.

ويتطلب ذلك وجود قدر من الإلزام التربوي والتعليمي الذي يعيد للطالب علاقته المباشرة بالقلم والورقة، وأقصد بذلك أن يظل الطالب قادرا على التعبير والكتابة والتحليل بنفسه، وعلى مرأى من معلمه أو أستاذه؛ فيكون قادرا على قراءة النصوص وفهمها ومناقشتها واختباره فيها بصورة مباشرة؛ فيُتحقق من قدراته الحقيقية بعيدا عن الوسائط التقنية التي قد توفر له إجابات جاهزة دون أن تبذل منه جهدا فكريا حقيقيا، ويمكن تطبيق ذلك ولو لساعات يومية أو أسبوعية إلزامية، وأرى أن ذلك كفيلا أن يعيد للإنسان أدواته العقلية ويمكنه من ممارستها وإعمالها بشكل مستقل.

نحن -فعلا- بحاجة ماسة إلى إعادة بناء هذه الفلسفة المعرفية -المبنية على المستجدات الرقمية- وتضمينها في المناهج التعليمية وإستراتيجيات التعليم المستقبلية؛ إذ إننا مع استمرارنا في التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلا كاملا عن التفكير البشري فإننا من الممكن أن نجد أنفسنا أمام جيل رقمي محض يمتلك مصادر المعرفة وأدواتها الخارجية، ولكنه لا يمتلك القدرة على إعمال عقله، ولا على إنتاج المعرفة بنفسه، ولا على ممارسة دوره الإنساني الأصيل في التفكير والاجتهاد والإبداع، وهذا ما يقرّب خيالنا من مشهد حُذِّرت منه البشرية، وجاء هذا التحذير من بعض كبار رواد الذكاء الاصطناعي -أمثال «جيفري هنتون»- الذين نبّهوا إلى وجود مخاطر وجودية محتملة نتيجة الانزلاق الرقمي المتسارع، ولا أستبعد أن نكون مقبلين على واقعٍ يشبه بعض مجريات رواية «فرانكشتاين» التي كتبتها «ماري شيلي» عام 1818، والتي تناولت قصة عالِم يُدعى «فرانكشتاين» ينجح في خلق كائن بطريقة علمية، ثم يفقد السيطرة عليه، ولا أريد أن يتحول الكائن الرقمي -المتمثل في الذكاء الاصطناعي وطفراته المتسارعة- إلى تجسيد واقعي لخيال «ماري شيلي»؛ فنعوذ بالله من شرور تقنياتنا، ومن خمول عقولنا.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني