أفكار وآراء

خطة مسقط للمؤتلف الإنساني: رسالة عمان إلى العالم

يُعد المؤتلف الإنساني أحد أبرز المشروعات الذي تتبناها سلطنة عُمان، باعتباره إعلانا للسلام ودعوة للتعايش؛ إذ تم إعلان هذا المشروع في نوفمبر من العام 2019، تزامنا مع الاحتفاء باليوم العالمي للتسامح، وانطلاقا من قيمة فكر المؤتلف في دعم التسامح الديني بشكل خاص، لما له من أهمية في تعزيز التفاهم والتصالح والتعايش بين الأمم مهما اختلفت أديانها ومللها ومنطلقاتها الفكرية، فالمؤتلف هو الجامع المشترك للاختلاف بأنواعه وأشكاله المتعددة.

ولهذا فإن المشروع ينطلق من ثلاثية حضارية تتمثل في (العقل، والعدل، والأخلاق)، تهدف إلى تحقيق التعايش والتعارف، بُغية دعم الهدف الأمني الذي يعزز حق الحياة الكريمة والعيش الآمن للمجتمعات، ضمن منظومة أخلاقية يسودها الاحترام للآخر، وتغذيها رعاية القيم الإنسانية، ويحققها التوازن بين المادي والروحي، بما يوفر للمجتمعات من مجالات لبناء أوطانهم وتحسين سبل العيش الكريم.

إن أهمية مشروع المؤتلف الإنساني تتعاظم اليوم أكثر من أي وقت مضى، لما يشهده العالم من اضطرابات وحروب عسكرية واقتصادية وتقنية وثقافية عدة، أسهمت في توسيع الاختلافات والنزاعات والشقاقات، حتى بات مفهوم السلام باهتا لا يعبر سوى عن مقاصد نظرية بعيدة المنال؛ لذا فالمؤتلف بوصفه مشروعا يعبر عن قيمة إنسانية تقود العالم وتوجه الفكر نحو العدالة والسلام والإنصاف، يخاطب العقل لإحداث التغيير الإيجابي الذي يُحق الحق ويُعلي القيمة الإنسانية؛ فإنه يقوم على العدالة باعتبارها جوهر الاختلاف الذي يبني الأمم؛ أي (العدالة بوصفها إنصافا) – بتعبير الفيلسوف القانوني جون راولز –.

لقد تأسس هذا المشروع على مبادئ الحوار والتواصل الإيجابي الفاعل بين الأمم، ليمثل ممارسة تقوم على الحُرية والتوافق والاجتماع على حماية حقوق الإنسان وكرامته، ولهذا فإنه يوفر مساحة للإقناع والتصالح والوصول إلى تحقيق المصالح المشتركة بين الشعوب. إنه فكر ينطلق من الإنسان المدرك الواعي بأهمية السلام في حماية الإنسانية، وقيمة الحوار في تحقيق ذلك، فهو قيمة أخلاقية مستمدة من الفكر الديني الذي يجمع الناس ويدعو إلى التمسك بالأخلاق والقيم المشتركة.

ولهذا فإن (خطة مسقط للمؤتلف الإنساني)، التي تم الإعلان عنها في الثاني عشر من يونيو الحالي في مقر الأمانة العامة للأمم المتحدة، تمثل دعوة إنسانية عالمية، ومبادرة قدمتها عُمان واشترك في إعدادها مجموعة من الجهات والمؤسسات الأممية، منها تحالف الأمم المتحدة للحضارات (UNAOC)، ومكتب الأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية ومسؤولية الحماية (UNOSAPG)، وشبكة صانعي السلام الدينيين والتقليديين، وغيرها من المؤسسات الدولية المؤمنة بأهمية الحوار لدعم السلام والعدالة بين شعوب العالم. وتُعد هذه الخطة مشروعا إنسانيا تقوده عُمان، لدعم مبادرات السلام والتعايش بين الأمم، لتكون مقابل خطاب الكراهية والحروب والتحريض والعنف والتطرُف بأشكاله وأنواعه المختلفة. إنها خطة تتخذ من الأديان مرتكزا وقاعدة للدعوة إلى السلام، حتى لا يتخذ ضعيفو العقيدة منه وسيلة لنشر الحقد والتطرف والعنف بين الناس؛ فالأديان هي قوة مجتمعية داعية للمحبة والتعاون والتشارك، وفي مثل هذه الأوقات بشكل خاص فإن العالم يحتاج إلى القادة الدينيين الحكماء الذين يجعلون من الأديان مساحة للتفاهم والتعايش وحماية كرامة الإنسان.

إن خطة مسقط للمؤتلف الإنساني، إطار عمل لمواجهة التحديات العالمية المعاصرة؛ إذ تؤسس لبرنامج عملي ومبادرات دولية مستدامة، تتصدى لخطاب الكراهية والحد من انتشار العنف، الذي أصبح ظاهرة تقودها منصات التواصل الاجتماعي والبرامج التقنية المختلفة، ليكون الحوار الإيجابي والصدق والموضوعية، مقابل الكذب والتدليس والتنمر والعنف اللفظي. إنها خطة تُسهم في حماية المجتمعات من أولئك الذين يقودون نشر الكراهية ويقتاتون من الأخبار الكاذبة ويُتخذون أداة للحروب والعنف.

فالخطة في هذا الإعلان الأممي، لا تمثل مجالا للتصدي لمثل تلك الخطابات وحسب، بل مسارا وقائيا ضدها، عبر برامج عمل ومبادرات قابلة للتنفيذ، باعتبارها خططا لصناعة أجيال قادرة على التصدي لخطاب الكراهية، ومتمكنة من مهارات التواصل والحوار الإيجابي، وداعمة لمبادئ التعايش والسلام، ومؤمنة بالاختلاف باعتباره أساسا لبناء الأوطان، كما تؤمن بحقوق الآخرين وحريتهم وحقهم في العيش الكريم.

إضافة إلى ذلك فإن هذه الخطة تُسهم في تمكين القادة الدينيين والتقليديين، من خلال تعزيز دورهم القيادي لحماية مجتمعاتهم عبر الخطاب المتوازن الداعي إلى المحبة والسلام والاجتماع على الحق، إضافة إلى منع النزاعات بين أفراد مجتمعاتهم، وبناء مفاهيم التعايش وتحقيق الأمن مع المجتمعات الأخرى، وفقا لمبادئ الأديان التي تُعلي الخير والسلام والمحبة فوق كل اعتبار، بوصفها جوهر الإنسانية وقوة المجتمعات؛ لذا فإن الخطة (تعترف بدور القادة الدينيين والتقليديين والشعوب في تعزيز الحوار والوساطة والتماسك الاجتماعي ومنع النزاعات) -حسب موقع الأمم المتحدة- . ومن جهة أخرى فإن هذه الخطة ترسخ مكانة سلطنة عُمان بين الأمم باعتبارها شريكا دوليا موثوقا به في رعاية مبادرات التفاهم الإنساني ودعم مبادئ السلام والتعايش، في ظل الجهود التي تدعمها لتعزيز هذه المفاهيم منذ عقود بعيدة، فهي أهل لقيادة هذه المبادرة الأممية متعددة الأطراف، لذا فإن الخطة ستسهم في دعم الحضور العماني على مستوى العالم، وبناء شراكات داعمة للحوار والسلام والتعايش الدولي، ليكون النموذج العماني التاريخي الراسخ في الأذهان، قيمة إنسانية عالمية.

إن خطة مسقط للمؤتلف الإنساني، تقوم على أبعاد معرفية تعيد صياغة الوعي الإنساني وتجدد المفاهيم الحاكمة للعلاقات الدولية، من خلال شراكة حضارية تقود فكر السلام والتعايش، لتفرض أهمية تجديد الخطاب الإنساني المشترك، والاعتراف بشراكة الآخر في عمارة الأرض وبناء الحضارة وحقه في اتخاذ السبل التي تمكنه من ذلك بما لا يسيء إلى مجتمعه أو المجتمعات الأخرى، إضافة إلى تأصيل القيم الإنسانية المنطلقة من المسؤولية الأخلاقية.

فهذه المسؤولية هي المعوَّل عليها اليوم في ظل التطورات التقنية والعلمية والمعرفية، لتوجيهها جميعا إلى ما يخدم المجتمعات الإنسانية، ويُسهم في بنائها وتطوُرها وحمايتها، وليس إنتاج ما يدمرها أو يهيمن عليها وينهب خيراتها، أو يسيء إلى أفرادها ويبيدهم ويقضي عليهم. إنها مسؤولية أخلاقية تتخذ من السلام أساسا جوهريا للإنتاج والتصنيع، ليكون التنافس دافعا للعمل والابتكار بما يخدم المصالح الإنسانية المشتركة.

إن خطة مسقط تقدم للعالم مساحة واسعة للوعي والفهم للواقع الإنساني، وإمكانات دعمه ودعم تطلعات المجتمعات، لتكون عُمان نموذجا للوعي المعرفي القائم على حماية الهُويات الثقافية والدينية من ناحية، والانفتاح المتوازن من ناحية أخرى، وفرصة لبناء القدرات من خلال البرامج والمبادرات الخاصة بالشباب وتمكينهم من قيادة مبادرات السلام والتنمية المستدامة في مجتمعاتهم.

ولذلك فإن هذه الخطة ذات أثر بالغ الأهمية على المستوى الوطني والدولي، خاصة بما تمثله من تعزيز القوة الناعمة لعُمان باعتبارها مركزا عالميا لقيادة مفاهيم السلام والتعايش؛ حيث تؤدي أدوارا ثقافية واجتماعية وسياسية تُسهم في الحماية والوقاية والتمكين من خطر العنف والنزاعات والتطرف والحروب، وتقدم عُمان بوصفها نموذجا تاريخيا وعالميا لقيادة الوعي الإنساني الداعي لاحترام الآخر وحماية حقوقه، وهي دعوة تمثلها على المستوى المحلي وتقودها عالميا.

وعليه، فإن الدور الفاعل الذي تمثله المؤسسات المعنية في دعم هذه الخطة، يحتاج إلى ترسيخ وفهم ووعي على المستوى المحلي، من خلال ما نقدمه جميعا من ممارسات خاصة فيما ننشره بوسائل التواصل الاجتماعي، وما نمثل به عُمان من أعمال ومبادرات، الذي سيكون الداعم الفاعل لإنجاح هذه الخطة، وتحقيق أهدافها.

عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.