أعمدة

صديق الأسرة «صاحب الفزعات»

وصمني الرجل المُتمدن بـ«الرجعيّ»، غير القادر على فهم أن الحياة تتطور، واتهم البيئة التي أتيت منها بـ«المنغلقة»، التي لا تُفرخ إلا عقولًا «عُصّة ويابسة» كعقلي، لمجرد أنني أنكرت عليه قناعته بوجود شخص اسمه «صديق للأسرة»، تمنحه صفته تصريحًا مفتوحًا باقتحام الخصوصيات.

جاهدت لإقناعه بأنه لا يوجد شيء اسمه «صديق أسرة»، لا في الشرع ولا العُرف، إنما يوجد فقط صديق إن كان لرجل، وصديقة إن كانت لامرأة، يرتبطان بعلاقة إنسانية لها محدداتها.

أما علاقة تُجيز لرجل غريب الجلوس إلى امرأة صديقه وبناته بأريحية، وأن «يسرح ويمرح» داخل بيته دون حسيب أو رقيب، فهذه غير موجودة إلا في المجتمعات الغربية أو لمن تهوى نفسه «التغربُن».

حالًا ثار الرجل، وقفز من مكانه مُستفزًا، وقد بان عليه الغضب: «هل تريد أن تقول إنني ديوث لا أغار على أهلي؟ وأنني ضارب بديني وتربيتي عرض الحائط؟ اسمع.. أنا مُسلم تربيت مثلك على القيم نفسها، لكن الفرق بيننا أنك «مُعقد»، ما زلت تعيش في القرن التاسع عشر، وأفكارك متحجرة.

«صديق الأسرة» يا عزيزي «صاحب فزعات»، تجده سندًا وعونًا حين الأزمات، زوجتي مثلًا كأخته، وبناتي في مقام بناته، زِد على ذلك أنني أثق ثقة عمياء في سلوك أسرتي».

هنا أدركت أن ثمة هُوة عميقة تقف بيننا، فقلت له: «كأخته» لا تعني أنها أخته، و«في مقام بناته» أي أنهن لسن بناته، و«فزعاته» إنما هي في رأيي «عمل غير صالح» يجب أن تتوقف عن دعمه؛ لأنه يحفر فجوات قد يتسلل منها الشيطان.

ما زاد من حنقي أنهم، من باب الثقة التي يتحدث عنها، يستأجرون «الشاليهات» لقضاء الأمسيات المختلطة، وبسببها ينظمون السفر المشترك السنوي إلى الخارج، ويُقيمون العزومات في الأندية والاستراحات والمزارع، وبتحريض قوي منها، تتواصل الزوجات بأصدقاء الأزواج على مرأى ومسمع، دون أدنى تحفظ، ويجلسن أمامهم بملابس البيت بلا حياء!!

وسط ذلك النقاش المحموم، الذي لم نتفق فيه على أي جزئية، داهمني شعور غريب بالشفقة على الرجل «الصنديد» المنفتح على الحياة دون قيد، والمانح للثقة دون حدود، الذي يُعطي ظهره للدين والقيم بحجة الثقة المطلقة في أهله.

أشفقت عليه لا لقناعاته المعوجة فقط، إنما لكمية السذاجة والسطحية في فهمه وتحليله لما يجري حوله، واستبعاده لإمكانية حدوث انفجار بسبب قرب النار من الوقود. النقطة الأخيرة..

يقول عالم الاجتماع الدكتور عبدالوهاب المسيري: «تفكيك الأسرة يبدأ بنقل النماذج الغربية للعلاقات الاجتماعية دون مراعاة لخصوصية المجتمع المسلم؛ حيث تذوب الحدود الفاصلة بين العام والخاص».

عُمر العبري كاتب عُماني