ثقافة

زيارة متأخرة لدار الخليل بن أحمد الفراهيدي بمسقط

 

محمد بن سليمان الحضرمي 

لا أتذكر أني زرت يومًا «دار الخليل بن أحمد الفراهيدي لصقل موهبة الشعر والكتابة»، التي أسسها وأنشأها الأديب والشاعر عبدالله بن أحمد الحارثي في مسقط، رغم أني على معرفة بها منذ تأسيسها، وإشهارها بتاريخ (17 أكتوبر 2005م)، ومعرفتي بمؤسسها وعلاقتي الوثيقة به، فهو من أوائل من تعرَّفت عليهم مع بدايات عملي الصَّحفي بجريدة عُمان أواخر عام 1988م.
أكتب هذا بأسف شديد، أني لم أحضر أيًا من تلك الفعاليات الأدبية، والأمسيات الشعرية والأنشطة الثقافية، التي نظمتها دار الخليل بن أحمد مدة نشاطها، ولم أشارك في برامجها المُتعددة والمُتنوعة، لكني كنت على إلمام بأخبار الدَّار، فهي تُنْشَر في الصَّفحات الثقافية بالصُّحف المحلية، وحينها كان برنامجها ثريًا، قدمت فيه دورات تخصصية، في تعليم بحور الشعر العربي، وفن الكتابة الأدبية، والخط العربي، إلى جانب فن الالقاء ومواجهة الجمهور، لكسب متحدث وخطيب فصيح، ودورات أخرى خاصة بالطلاب أقيمت خلال الفترة الصيفية.
غير أنَّ عنوان الدار الموسوم بجملة: «لصَقل موهبة الشِّعر والكتابة الأدبية»، بدا لي في ذلك الوقت إشكالي وطريف، لقناعتي حينها أنَّ الشِّعر لا يُتعِلَّم، بل هو موهبة واستعداد شخصي ونبوغ، يعضُده في ذلك حصيلة الشاعر اللغوية، واطلاعه على التجارب الشِّعرية، وقراءاته لدواوين الشعر، ثم كيف يمكن صقل موهبة الشعر والكتابة من خلال دورات تدريبة، وهل يمكنها أن تصنع شُعَراء؟
سؤال خالج ذهني ولم أجد له إجابة، وبالأحرى لم أبحث له عن إجابة بزيارة لهذه الدار، لأني لو أردت البحث حينها، فلا أقل من أزور دار الخليل، وأتعرَّف على برنامجها الثقافي، أو أشارك بالحضور في تلك الدورات، حتى هذا لم أقم به، فسوَّفت رغبة زيارتي للدار إلى يوم ما، لكن هذا اليوم لم يأتِ، فقد توقفت الدار عن نشاطها، بعد أربع سنوات من بداية تدشينها، وانتهى مشروع الدار الثقافي مع نهاية عام 2009م.
لذلك أنا نادم جدا يا أبا اليقظان الحارثي، لأني لم أزر دارك دار الخليل، ولم ألتق بأحفاد الفراهيدي النجباء، في دار معلمهم الأول، ولم أسلِّم على تلك الدار التي أسستها ووضعت لها أهدافًا، فقد كانت مدة بقائها قصيرة، ولو أنها بقيت إلى اليوم، لكان للدار فضل كبير على الساحة الثقافية والأدبية في عُمان.
كان حلمًا، تحقق لفترة قصيرة، وأجمل الأحلام حياتها قصيرة، كحياة الطيور، أجمل الأحلام ما تراهُ في عيون الآخرين، وما تبوح به كتاباتهم، وتعبِّر عنه بوح أقلامهم، أجمل الأحلام تلك التي تتحقق ثم تنتهي، كسَحابة صَيفٍ وَطْفَاء، ما إن تحبل بالمَطر، وتسكبه في الهضاب حتى تتبدَّد.
كانت هذه الدار حلم مؤسسها عبدالله الحارثي، الذي عَرِفَتْه الساحة الثقافية في عُمان، شخصية صحفية في مطلع الثمانينيات، فقد عمل مُحرِّرًا في مجلة «الغَدير» الثقافية الشهرية، كانت تصدر عن نادي «المُضيرب» منذ نوفمبر 1977م بمحافظة شمال الشرقية، حتى أن توقفت بعد صدور العدد رقم 77 في يونيو 1984م، وعَرِفتُه بمبادراته في جمع القصائد التي قيلت في حبِّ عُمان، في أكثر من مناسبة وطنية، صدرت بعنوان «صِدْقِ المَشاعِر في رسالة الشَّاعر»، صدر عام 1990م، وجمعه للقصائد التي قيلت في مسقط، في كتاب بعنوان «تحيَّة لمسقط عاصمة للثقافة العربية»، صدر عام 2006م، ثم كتاب «القلائد الذهبية في عُقود النهضة العُمانية» صدر عام 2010م، تضمَّن مختارات من الشعر الوطني، ثم كتاب «الوسام الأدبي وفاءً لعهد السلطان قابوس الذَّهبي» صدر عام 2020م، مختارات من الشعر الوطني، وكذلك جَمْعِه لقصائد قيلت في الطفل الشهيد «محمد الدرَّة»، صدر عام 2001م، وأخيرًا صدر له كتاب «مَشَّاءٌ.. في أروقة الثقافة»، المتضمن سيرة إنسانية وزمانية ومكانية، ضمن إصدارات عام 2025م.
بعد نشاط ثقافي ملموس، نشرته الصُّحف المحلية في حينها، أٌغلقت الدار بسبب إشكالات مع مالك المنزل، الذي رفع سقف الأجْرَة الشَّهرية، إلى مبلغ ليس في وسع مؤسسها أن يدفعه، فلم يكن من بُدٍ سوى إغلاق باب الدار وإطفاء قناديلها، التي أنارت لما يقرب من خمس سنوات.
لقد أضافت الدار بهجة ثقافية، والحديث عنها يثلج الصدر، وأنشطتها تتحدَّث عن ألسنة المثقفين، وأقلام الكتاب، ويباركه الحضور الثقافي، والزيارات المُتكررة للدار، رافعة اسم أشهر لغوي خدم العربية، بمعجمه الرائد والفريد «مُعجَم العَيْن»، واكتشافه لبحور الشعر العربي، بعد أن مخر عبابها كبار الشعراء، منذ العصر الجاهلي، وبدايات الكتابة في فجر التدوين الثقافي، وحتى يومنا هذا، يظل الخليل العلم الأشْهَر في اللغة العربية.
غير أنَّ زيارة هذه الدار، تحققت بصورة أخرى، سُعدت بها كثيرًا، حين قرأت مع وثقه الشاعر جمال الرَّواحي، في كتاب يسرد حكاية الدار، منذ أن كانت فكرة وحلمًا حتى أصبحت حقيقة، ثم تحولت إلى خيال حزين، وقد أهداني الشاعر عبدالله الحارثي صاحب الدار، نسخة من هذا الكتاب بعنوان: «دار الخليل بن أحمد الفراهيدي لصقل موهبة الشعر والكتابة، مشروع رائد لم يكتب له الاستمرار»، ضمَّنه قصة هذه الدار منذ الانطلاق، وحتى الاغلاق، بالتواريخ والصور والوثائق.
فرحت كثيرًا بهذا الكتاب، فهي فرصة لي أن أزور الدار، وإن كانت مُتأخِّرَة، وزيارة عبر موج الوَرَق الذي يَتقصَّف، كاشِفًا عن فصول كثيرة، تناثرَت منه الفعاليات والأنشطة، التي هي سرُّ حِكاية الدار، الحِكاية الشيِّقة التي بدأت مع بدايات الاحتفالات البهيجة، بمسقط عاصمة للثقافة العَربيَّة، حيث استقبلت دار الخليل أول دفعة لها، في الشهر الأول من عام 2006م، لتتواصل الدورات بعد ذلك، مدة بقاء الدار مفتوحًا، حتى تخرَّج منها أكثر من 400 مشارك.
ورحت أتابع قراءة خمسة فصول، تضمَّنها الكتاب في 220 صفحة من الحجم المتوسط، وكان كل فصل يعرفني بأسماء المشاركين، من محاضِرين وحاضِرين مستفِيدين، وأتابع صورهم الضوئية، والتقاطات العَدَسات، التي وثَّقت بعضًا من ذلك الحِراك الذي شهدته الدار.
وجدتني أزور الدار كما لم أزُرْها من قبل، وأشارك في حفل افتتاحها، الذي رعاه معالي السيِّد المَرحُوم عبدالله بن حمد البوسعيدي (توفي: الأثنين 24 يونيو 2024م)، وقد أشاد صاحب الدار، بدعمه السَّخِي وتشجيعِه ومساندته، وكان لمشاركة الأستاذ أحمد بن عبدالله الفلاحي في حفل الافتتاح، بمثابة حضور الأب الرُّوحي للدار، فالأستاذ الفلاحي عرفناه دائمًا في مثل هذه الرَّوضات الظليلة، لا يَفتُر ولا يَكِل، من حضور الفعاليات الثقافية، في مسقط وخارجها.
لقد تأخَّرْتُ عن زيارة دار الخليل بن أحمد الفراهيدي، ولكني زرتها قِرائِيًا في الكتاب التوثيقي الذي صدر عام 2016م، وعشت مع فعالياتها الثقافية المهمة، التي قدمتها خلال فترة نشاطها، من بينها الأمسية التأبينيَّة بالشاعر الراحل ناصر بن علي البلال، أقيمت في الدار بتاريخ 29/4/ 2007م، بعد ستة أشهر من وفاته، وعشت مع المشاركين في تلك الندوة، وكأني أرَى دمعات الرِّثاء تسيل من عيون أحبته، كما سالت الأقلام في رثاءه، وقبل ذلك سالتْ حُزنًا في يوم رحيله المُفجع بحادث سير (الخميس، 9/11/2006م) في مدينة صُور.
وبحسٍ أدبي ممتع، صِيغَ الكتاب أشبه بقلادة، انتظمت فيها فصول الكتاب، والمتتبع لفصوله، سوف يعيش جمال تلك اللحظات الثقافية، والأمسيات الأدبية التي شهدتها الدار، ويتعرَّف على المشاركين، وقد أصبحوا اليوم من الشعراء المعروفين، والكتاب المجيدين، رافقت الصور الضوئية تفاصيل الكتاب، ولوَّنت فصوله، وأضْفَتْ عليه لمسة حَياة، تتجدد في عين القارئ، ويتخيل الحدث وهو يقرأ بوجدانه ما رأته عُيُونه، وما التقطته عيون آلات التصوير الضَّوئية.
وعشت مع قصائد الكتاب، التي بكى فيها الشعراء في فناء الدار وساحاته، وألهبت المشاعر ما رسمته أقلام الشُّعراء، صور شِعريَّة بديعة انتظمت في سُمُوط القصائد، وتناثرت رياحينها في صَفحَات الكِتاب، فالشِّعر يُضفي إشراقة بيانيَّة على الكتاب، كالنجُوم على صفحة السَّماء، تشِعُّ ألقًا وتومِضُ سُطوعًا، تُرى هل من عودة لافتتاح الدار من جديد؟، أم كانت حُلمًا أشبه بفيلم قصير لا تُمُلُّ حِكايتُه؟!