الجابري من "البيداغوجيا" إلى "نقد العقل"
السبت / 26 / ذو الحجة / 1447 هـ - 19:08 - السبت 13 يونيو 2026 19:08
إيهاب الملاح
(1)
ستة عشر عاما على رحيل المفكر والمنظر وناقد الفكر والنظم المعرفية الدكتور محمد عابد الجابري؛ وما زال حتى اللحظة يشغل مساحات كبيرة وواسعة من الفكر العربي بأطروحاته ومشروعاته الضخمة الطموحة التي جددت الفكر وحركت المياه الراكدة وخلقت مسارات للنقاش الخصب اتفاقا أو اختلافا حول أطروحاته وأفكاره، وإن لم يختلف أحد (إلا قليلا) على قيمة الجهد الذي قدمه طوال ما يزيد على نصف القرن.
الجابري الذي كانت كتبه ومقالاته هي أنيسي ورفيقي طوال سنوات الطلب (في الجامعة وبعد التخرج) خلال الفترة من منتصف تسعينيات القرن الماضي وحتى نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة. كان الجابري في ذلك الوقت (بالإضافة إلى جابر عصفور وعبد الله العروي) أكثر من تعلقت بكتاباته وتأثرت بأفكاره من بين كل الأسماء التي كنت أتعرف عليها -آنذاك- مصريا وعربيا في بحث موضوع أو إشكال التراث ونقده، وثنائية الفكر الديني والحداثة عمومًا.
وأذكر جيدا كيف كان يحدثنا عنه المرحوم جابر عصفور بكثير من الإجلال والاحترام، ويشير بإصبع التقدير لأعماله وكتبه التي اعتبرها مغايرة للسائد، وفاتحة لمسار أكاديمي وتحليلي رصين يعيد النظر في تراثنا كله، ويحفر عميقا في مساربه البعيدة وصولا إلى أبعد نقطة ممكنة تلامس الجذور والبذور ليصل إلى كنه وماهية 'الفكر العربي' أو 'العقل العربي'.
ومن ثم، فقد أحالنا المرحوم جابر عصفور -ونحن طلبة ما زلنا نتحسس طريقنا لدرس النقد العربي القديم والبلاغة العربية الكلاسيكية- أحالنا إلى ما كتبه تحت عنوان 'البيان' في الجزء الأول من رباعيته الأشهر مشروع نقد العقل العربي، الذي صدر جزؤه الأول في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي تحت عنوان «تكوين الفكر العربي».
وأذكر جيدا انبهاري وافتتاني بقدرة الجابري المذهلة على الاستقصاء والإحاطة بهذه المادة التراثية الهائلة التي أعاد تنظيمها وسيطر عليها ببراعة ليصل إلى تحليله الفذ والمدهش لمسارات التفكير عند العرب، وإنشاء ما يسميه الجابري بالأنظمة المعرفية والأنساق المفاهيمية التي شكلت وحددت إلى حد بعيد طرائق التفكير وتقنين القواعد وتأصيل الأصول منذ القرن الأول الهجري وحتى نهايات القرن العاشر.
(2)
محمد عابد الجابري (1936-2010)؛ أحد أهم المفكرين العرب المعاصرين، وصاحب المشروع الفكري النقدي الكبير «نقد العقل العربي»؛ ضمن مجموعة أخرى من المشروعات المعرفية الكبرى في تجديد الفكر واكتشاف النظم المعرفية والأنساق الثقافية للحاق بركب الحضارة الحديثة، وتجاوز إشكالات التخلف والتراجع الحضاري التي يعاني منها عالمنا العربي والإسلامي منذ قرون.
كان الجابري أحد الأصوات الفكرية والفلسفية التي تميزت وتفردت بمسارٍ فكري ومعرفي ذي خصوصية فريدة، وسط كوكبة من الكتّاب والمفكرين العرب عمومًا كانت رغبتهم محمومة في النقد والمراجعة والسؤال؛ عبر توظيف جملة من المفاهيم والتصورات التي أنتجتها الثقافة الغربية؛ وسعى كل منهم بطريقته، وخياره المنهجي والفكري، تكييف هذه المفاهيم والتصورات لتناسب درس الفكر العربي والإسلامي، وإشكالاته المزمنة.
ولمعت مشاريع كبرى لأسماء؛ مثل: حسن حنفي (مصر)، وطيب تيزيني (سوريا)، ومحمد جابر الأنصاري (البحرين)، في المشرق العربي، وفي المقابل تألقت كوكبة باهرة من المفكرين المغاربيين (ينتمون إلى المغرب العربي؛ بمعناه الجغرافي الكبير الذي يضم ليبيا وتونس والجزائر والمغرب) الذين لفتوا الأنظار بشدة في النصف الثاني من القرن العشرين، بمشروعاتهم الفكرية الرصينة، وجدة أطروحاتهم وصرامة مناهجهم العلمية في البحث والتحليل، كوكبة شهدت أسماء عبد الكبير الخطيبي، وعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري. ومن الجزائر محمد أركون، والتونسي هشام جعيط، والليبي عبد الله النعيم، وصادق النيهوم، وغيرهم..
يلخص الجابري هذه النزعة النقدية المحمومة، في ذلك الوقت؛ بقوله:
«الفكر العربي المعاصر مطالب بنقد المجتمع، ونقد الاقتصاد، ونقد العقل... العقل المجرد، والعقل السياسي. إنه بدون ممارسة هذه الأنواع من النقد بروح علمية سيبقي كلُّ حديث عن النهضة والتقدم والوحدة الوطنية، حديث أماني وأحلام».. (راجع كتابه «العقل السياسي العربي»)
ومن بين كل الإسهامات التي طرحت لمعالجة إشكاليات الفكر العربي، في الراهن وفي التراث، وعلى رأسها إشكال التجديد، وتجاوز المأزق التاريخي والراهن، والخروج من نفق ثنائية التراث والحداثة، برز مشروع الجابري مترامي الأطراف، وباتساعه المحكم وتخطيطه الصارم ليغطي؛ أفقيا ورأسيا، معظم إن لم يكن كل الإشكاليات والقضايا والموضوعات المتصلة بالعنوان الرئيس 'معرفة التراث وتفكيكه ونقده.. تحليل الفكر وتجديده.. الانطلاق نحو المستقبل'.
(3)
أبرز ما كان يميز الجابري وكتاباته هي نزعته التحليلية الشارحة؛ فقد كان مدرسًا بالفطرة، لديه قدرة أصيلة ومكينة على تبسيط وتذليل أصعب الأفكار، وإن بدا أنه يستخدم أو يصك مصطلحات معقدة أو تطرق السمع للمرة الأولى أو أنه ينتقل من بيئات ومجالات علمية متشابكة ومتداخلة؛ لكنه كان بارعًا كل البراعة وهو يخوض أدغال الاصطلاح والمفاهيم التراثية، وهو يترجم المصطلحات والمفاهيم الغربية الحديثة التي يستعين بها في التحليل.
وقد تحدد مساره العلمي والفكري والمهني بين نقطتين أساسيتين أو محطتين رئيسيتين: فقد بدأ معلما شارحا منغمسا في البيداغوجيا (حقل الدراسات التربوية والتعليمية وما يتصل منها بالتأسيس والتجهيز وربما حتى نهاية المرحلة الجامعية) وانتهى مفكرا ومنظرا ومحللا للنظم المعرفية وكاشفا للأنساق الثقافية متوجا ذلك كله بمشروعه 'نقد العقل العربي'، وقد كان -رحمه الله- يطمح إلى إنجاز مشروع آخر تكون غايته نقد العقل الغربي، لكنه توفي قبل إتمامه.
أذكر جيدًا أن بابا الفاتيكان السابق البابا بينيدكتوس قد ألقى خطابا في مناسبة ما وضمنه عبارات مست مشاعر المسلمين الدينية، وانقلبت الدنيا، وأثار الرجل موجة من الحدة والغضب، وأشعل روح المواجهة الصراعية بين أتباع الديانات بصورة مقيتة وغير مسبوقة.
من بين كل من تصدوا (لا أقول للرد، وإنما لتفكيك وتحليل الخطاب، ورده إلى جذوره المعرفية والفلسفية) كان محمد عابد الجابري النجم المتألق الأبرز في إنشاء هذا الخطاب التحليلي التفكيكي؛ وعلى مدار أحد عشر أسبوعًا قدم الجابري قراءته وتحليله لخطاب البابا، وكشف عن مشكلاته وتناقضاته الكامنة، وعواره المعرفي والتاريخي والفلسفي.
أذكر أنني قرأت ما لا يقل عن عشرة ردود كاملة؛ بما فيها رد شيخ الأزهر آنذاك المرحوم محمد سيد الطنطاوي، والذي لم يفارق أدبيات الرد التقليدي بالالتجاء إلى آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية والتاريخ الإسلامي، وكأنه يخاطب مسلما مؤمنا نشأ في رحاب الإسلام وتربى في ربوع ثقافته، وليس يخاطب بابا الفاتيكان رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم أجمع!
(4)
بهرني الخطاب الجابري بمعقوليته وتماسكه ومنهجيته المحكمة؛ وسياحاته العميقة في علوم الفلسفة ونظرية المعرفة والتاريخ وفلسفته وعلم الأديان المقارن وعلوم الاجتماع والأنثروبولوجيا. كان ماهرا وقديرا وموسوعيا.
من بين كتبه الغزيرة والمتنوعة والمثيرة للشهية والفكر والتفكير والنظر، كان مشروعه الأهم «نقد العقل العربي» الذي يتكون من أربعة أجزاء: «تكوين الفكر العربي»، «بنية العقل العربي»، «العقل السياسي العربي»، «العقل الأخلاقي العربي» هو واسطة العقد في إنتاجه كله. قراءة هذا المشروع لا تجعلك كما كنت أبدًا، لا يهم أن تتبنى مقولاته ولا فروضه ولا تحليلاته، لكن بالتأكيد ستتوقف أمام القدرة الفذة على البحث والتقصي وقراءة النصوص وتحليلها والمقارنة بينها وبين نظائرها في ثقافات أخرى، القدرة على توظيف مكتسبات ومنهجيات المعرفة الحديثة إجرائيا وتحليليا في درس مادة هائلة وشاسعة ومترامية الأطراف كالتراث العربي، والقدرة على استخلاص تصور منطقي وعقلاني لمكونات هذا التراث وأسسه وأعمدته وعوامل تكوينه وعناصر تشكله.