الرياضية

بطل سابق تحت الضغط.. ومبتدئ يصنع التاريخ

 

نيويورك «أ.ب»: تبدو المجموعة الخامسة في كأس العالم 2026 واحدة من أكثر المجموعات التي تحمل تباينا واضحا في الخلفيات الكروية والخبرات الدولية، بعدما جمعت القرعة بين ألمانيا، صاحبة التاريخ العريق والألقاب الأربعة، وكوراساو التي تسجل أول ظهور لها في البطولة، إلى جانب كوت ديفوار العائدة بعد غياب طويل، والإكوادور الباحثة عن تجاوز حدود دور المجموعات للمرة الثانية فقط في تاريخها.
وسيكون المنتخب الألماني تحت ضغط هائل منذ اللحظة الأولى، ليس فقط بسبب تاريخه الكبير، بل بسبب المخاوف المستمرة من تكرار سيناريو الخروج المبكر الذي لازم الفريق في النسختين الماضيتين، بعدما ودع من دور المجموعات في مونديالي 2018 و2022، رغم تتويجه باللقب في نسخة 2014 بالبرازيل.
وتدخل ألمانيا البطولة وسط حالة من إعادة البناء تحت قيادة المدرب يوليان ناجلسمان، الذي يحاول إعادة تشكيل هوية المنتخب الألماني اعتمادا على جيل جديد من اللاعبين الشباب، يتقدمهم صانع ألعاب ليفربول فلوريان فيرتز، الذي تحول إلى المحور الأهم في الأداء الهجومي للفريق، بفضل قدرته على صناعة اللعب والتحرك بين الخطوط، كما يراهن المنتخب الألماني على المهاجم نيك فولتيماده، الذي يبلغ طوله 98ر1 متر، ما يجعله سلاحا بدنيا صعب الإيقاف أمام المدافعين، ورغم امتلاك ألمانيا مجموعة واعدة من المواهب، فإن الشكوك الدفاعية لا تزال تفرض نفسها بقوة على الفريق، خاصة بعد الفوز الودي المثير على سويسرا بنتيجة 4 / 3 في مارس وهي المباراة التي أعادت المخاوف المتعلقة بصلابة الخط الخلفي، كما زادت التساؤلات حول إصرار ناجلسمان على إبقاء مدافع ريال مدريد أنطونيو روديجر ضمن خيارات البدلاء في بعض الفترات. ولكن بعدها استطاع المنتخب الألماني الفوز برباعية نظيفة على فنلندا، وحافظ على نظافة شباكه إلا أن المخاوف الدفاعية عادت مرة أخرى بعد الفوز 2 / 1 على الولايات المتحدة. ويبرز داخل قائمة ألمانيا اسم المدافع ناثانييل براون، الذي يحمل رابطا أمريكيا، بعدما كان مؤهلا لتمثيل الولايات المتحدة، لكنه اختار اللعب لمنتخب ألمانيا، بلد ميلاده.
وفي الجهة المقابلة، تدخل كوراساو البطولة باعتبارها إحدى أكبر القصص الاستثنائية في تاريخ كأس العالم الحديث، بعدما أصبحت أصغر دولة من حيث عدد السكان تتأهل إلى المونديال، إذ يبلغ عدد سكانها نحو 156 ألف نسمة فقط. وسيكون افتتاح مشوارها أمام ألمانيا بمثابة اختبار بالغ الصعوبة لمنتخب يخوض أول تجربة له على الإطلاق في أكبر مسرح كروي عالمي، ولم تسر تحضيرات كوراساو بالشكل المثالي، بعدما استقال المدرب الهولندي المخضرم ديك أدفوكات في فبراير بسبب ظروف صحية تتعلق بابنته، قبل أن يتولى فريد روتن المهمة الفنية، وهو المدرب الذي سبق له العمل مع أندية تفينتي وآيندهوفن وفينورد الهولندية، إضافة إلى شالكه الألماني، لكن تم الإعلان بشكل مفاجئ عن رحيل روتن وعودة أدفوكات. ويعتمد منتخب كوراساو بصورة كبيرة على لاعبين ولدوا ونشأوا في هولندا، في انعكاس مباشر للعلاقة التاريخية الطويلة بين الجزيرة الكاريبية وهولندا، بعدما ظلت لقرون تحت الحكم الاستعماري الهولندي.
أما منتخب كوت ديفوار، فيعود إلى كأس العالم للمرة الأولى منذ نسخة 2014، لكن هذه العودة تأتي في زمن مختلف تماما عن حقبة الجيل الذهبي الذي قاده ديدييه دروجبا ويايا توريه. وعانى المنتخب الإيفواري لسنوات طويلة بعد اعتزال نجومه التاريخيين، قبل أن يظهر جيل جديد نجح في إعادة الفريق إلى الواجهة القارية، بعدما توج بكأس أمم أفريقيا 2024، ثم تصدر مجموعته في التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم، ورغم امتلاك كوت ديفوار ثلاثة مشاركات سابقة في المونديال، فإن منتخب الأفيال لم ينجح مطلقا في تجاوز دور المجموعات، وهو ما يمنح هذه النسخة أهمية خاصة لجيل جديد يسعى لصناعة تاريخ مختلف.
وتولى المدرب إيمرس فاي قيادة المنتخب خلال كأس أمم أفريقيا 2024 بشكل مؤقت قبل أن يقود الفريق إلى اللقب، ليفرض نفسه لاحقا كمدرب دائم للمنتخب. ويبرز أماد ديالو، مهاجم مانشستر يونايتد، كأحد أهم نجوم الجيل الجديد، بفضل سرعته وقدرته على صناعة الفارق في المساحات الضيقة، إلى جانب مجموعة أخرى من اللاعبين الذين يمثلون عودة القوة البدنية والمهارية للكرة الإيفوارية.
أما الإكوادور، فتدخل البطولة وهي تحمل طموحات كبيرة في تجاوز دور المجموعات للمرة الأولى منذ 20 عاما، وللمرة الثانية فقط في تاريخها. ويعد لاعب الوسط مويسيس كايسيدو أبرز نجوم المنتخب، بعدما أصبح أغلى لاعب في تاريخ الكرة البريطانية عند انتقاله من برايتون إلى تشيلسي مقابل 146 مليون دولار عام 2023، ويمثل كايسيدو حجر الأساس في مشروع الإكوادور الحالي، بفضل قدراته البدنية الكبيرة ودوره المحوري في الربط بين الدفاع والهجوم. ونجحت الإكوادور في التأهل إلى كأس العالم بعدما أنهت التصفيات في المركز الثاني خلف الأرجنتين حاملة اللقب، رغم تعرضها لعقوبة خصم ثلاث نقاط بسبب استخدام وثائق غير صحيحة لاستخراج جواز سفر لأحد اللاعبين خلال تصفيات مونديال 2022. ويقود المهاجم المخضرم إينر فالنسيا الخط الأمامي للإكوادور، بعدما سجل ستة من أصل 14 هدفا أحرزها المنتخب خلال التصفيات، ليواصل تأكيد أهميته كأحد أبرز الأسماء في تاريخ الكرة الإكوادورية. وتبدو المجموعة الخامسة مرشحة لصراع معقد يتجاوز الفوارق التاريخية التقليدية، إذ تدخل ألمانيا البطولة وهي مطالبة باستعادة هيبتها العالمية، بينما تبحث كوت ديفوار عن تجاوز عقدة دور المجموعات، وتحاول الإكوادور تأكيد تطورها القاري، في حين تلعب كوراساو دون ضغوط تقريبا، مستفيدة من كونها حققت بالفعل إنجازا تاريخيا بمجرد الوصول إلى النهائيات.
ورغم أن ألمانيا تبدو المرشح الأبرز نظريا لصدارة المجموعة، فإن تجارب النسختين الماضيتين أثبتت أن الاسم وحده لم يعد كافيا في كأس العالم الحديثة، خصوصا مع التقارب المتزايد في المستويات، وارتفاع القدرة التكتيكية والبدنية للمنتخبات القادمة من خارج القوى التقليدية. ولهذا تبدو المجموعة الخامسة واحدة من المجموعات القادرة على إنتاج مفاجآت مبكرة، خاصة إذا استمرت معاناة ألمانيا الدفاعية، أو نجحت كوت ديفوار والإكوادور في فرض إيقاعهما البدني السريع، بينما يبقى الظهور الأول لكوراساو أحد أكثر القصص الإنسانية والرمزية إثارة في البطولة بأكملها.