بريد القراء

جدلية المال لا يصنع السعادة!

سلطان بن عبدالله السريحي

 

حاولت على مدى سنين طويلة إقناع نفسي بأن 'المال لا يصنع السعادة'، وأن النجاح هو من يولّدها في الذات وتستعر به الروح لوحدها دونا عن أي مؤثرات أخرى خارجية، طالما أن السعادة هي حالة شعورية داخلية تتحقق من خلال توازن الإنسان مع ذاته.


ولكن مع الوقت فشل في اليقين بما قلته سابقا 'فشلا ذريعا' ولم أستطع إثبات ذلك المعتقد الشخصي، فكلما وددت أن أبحث عن منبع السعادة أجد أن المال هو المعين على الوصول إليها، لذا لم أجد مفرا أو طريقا آخر مختصرا يبعدني عن 'مادية الأشياء' التي تحيط بنا من كل جانب.


بعد تجارب طويلة في خضم الحياة، واستنزاف قدر عال من الطاقة من أجل الوصول إلى القناعة النهائية بين المادة والسعادة، ها أنا جالس على كرسي الاعتراف لأقولها صراحة بأن المال هو أساس كل شيء نحتاجه.
قد يثور البعض منا دفاعا عن رأيه، معلنا بأن المادة هي وسيلة وليست غاية، وأن السعادة تأتي من الأشياء البسيطة دون الحاجة إلى عمق أكثر أو متطلبات جمة، ولكن في النهاية هي قناعة ذاتية وشخصية، فنحن في زمن لا مجال للنقاشات الزائفة أمام الحقائق الراسخة والشواهد الحية.


وهذا ما تؤكده عالمة النفس إليزابيث دان بقولها: 'إن لم تستطع شراء السعادة بالمال، فأنت لا تعرف إنفاقه'.
أما أصحاب النظريات القديمة الذين يرون بأن المال لا يصنع السعادة، فإن الواجب عليهم أن يرتدوا نظاراتهم ليبصروا الأشياء على حقيقتها دون تزييف أو محاباة أو ادعاء لفرضيات لا أساس لها من الصحة.


عندها سيعلمون يقينا بأن 'المال هو الذي يصنع جزاء كبيرا من السعادة إن لم يكن الكل'.
أعتقد بأن زمن المثاليات والتصوف والتزهد لم يعد له مكان في هذا الوقت؛ فالعالم اليوم ليس كما كان، كل الأشياء من حولك تحتاج إلى المال حتى تستطيع تنفيذ ما تريد، دقق في المحيط الذي تقف في دائرته، ستجد بأن الماء والطعام والمستلزمات وغيرها تحتاج إلى المال وإذا لم يكن لديك المال فلن تحصل على ما تريد.


الشيء الوحيد الذي لا تدفع ضريبته هو 'الهواء'، وإن كنت تحتاج إلى هواء نقي فإنك مجبر على استحضار المال، إذن المال هو المحرك للأشياء من مكانها والمشاعر في كثير من الأحيان، فالمال قطعيا مهم في الحياة.


لا تعش الوهم وتنكر بأن المال لن يصنع لك السعادة، لأن من دون المال ستجد نفسك تسبح في يم التعاسة والحرمان. بالمال تأكل وتشرب وتعالج وتقضي كافة احتياجاتك من خلاله، إذن المال أولا وقبل كل شيء.


نحن بهذا الحديث لا نهدم المعتقدات أو نلغي النظريات أو نمسح الأشياء الأخرى.. نعلم بأن هناك اتفاقا عاما يجمع بين الفلاسفة والأدباء المفكرين عبر الزمن على أن المال لا يصنع السعادة المطلقة بذاته، لكنه عبارة عن 'وسيلة' لتحقيق الراحة وتأمين الاحتياجات الأساسية.


نحن لم نبعد عن آرائهم ولم نرفض ما قالوه، لكن الزمن قد تغير كثيرا، ونحن نقول الحقيقة كما قالها المخرج السينمائي روبرت دي نيرو 'مَن قال إن المال لا يشتري السعادة، لم يكن لديه ما يكفي مِن المال'.
لكن أحلام مستغانمي لها رأي آخر: 'المال لا يجلب السعادة لكن يسمح لنا أن نعيش تعاستنا برفاهية'.


إذن نحن في جدلية كبيرة ما بين مؤيد ومعارض، لكن الأمر الموثوق فيه هو: 'مَن قال إن المال لا يشتري السعادة، فهو لم يجرب الفقر والتعاسة'.
أعجبني رأي قرأته ذات مرة يقول صاحبه: 'صحيح أن بعض الأغنياء لا يشعرون بالسعادة، وصحيح أن بعض الفقراء لا يشعرون بالتعاسة، لكن حتما لو تمكن الفقير من الحصول على المال فسوف يعرف كيف يشتري السعادة'، وأنا أؤيد هذا القول جملة وتفصيلا.


وسواء اقتنع العامة أم لم يقتنعوا فإن المسألة برمتها تعود إلى قناعات شخصية، فكلما كنا صادقين مع أنفسنا فإننا بلا شك سوف نصل إلى الحقيقة الكاملة دون أن نزيف الواقع أو نحاول أن نقنع أنفسنا بأشياء لا أساس لها على أرض الواقع؛ فالمال أصبح ضرورة في الحياة، أما السعادة فهي الناصية التي نسعى للوصول إليها من خلال المال.