اختلالات التجارة العالمية تعكس مخاطر جديدة
الجمعة / 25 / ذو الحجة / 1447 هـ - 15:17 - الجمعة 12 يونيو 2026 15:17
ستتصدّر قضية اختلالات التجارة العالمية الأجندة عندما يجتمع قادة بلدان مجموعة السبع في 'إيفيان لي بان' بفرنسا يوم الأثنين. إنهم على حق في الشعور بالقلق. فتراكم الاختلالات كان أيضا سمة مميزة للسنوات التي سبقت الأزمة المالية العالمية في عام 2008. لكنها ليست تكرارا للقوى التي حرَّكت تلك الأزمة. فاختلالات اليوم أقل تعلقا بالإفراط في الاستهلاك القائم على الديون وأكثر ارتباطا بالجغرافيا السياسية والتنافس الصناعي وتغيُّر ميزان القوى الاقتصادية العالمية.
ماهي الاختلالات وما أهميتها
قد يبدو مفهوم 'الاختلالات العالمية' شيئا مجردا. لكن فكرته بسيطة نسبيا. فهي تحيل الى الفجوات المستمرة بين أوضاع الحساب الجاري للبلدان. إنه ذلك الجزء من ميزان المدفوعات الذي يغطي التجارة في السلع والخدمات ودخل الاستثمارات أيضا. ولأن مجموع الحسابات الجارية عالميا يجب أن تساوي صفرا تعكس الفوائض الكبيرة في بعض البلدان بالضرورة عجوزات كبيرة في بلدان أخرى.
الاختلالات ليست إشكالية في جوهرها. في الواقع بعض الاختلال طبيعي وكفء اقتصاديا. إذ ينبغي أن ينساب رأس المال إلى الاقتصادات التي بها العوائد الأعلى. ولأن حساب رأس المال والحساب الجاري بميزان المدفوعات يجب بالضرورة أن يتوازنا تسجل هذه البلدان عجوزات في الحساب الجاري (لوجود فائض لديها في حساب رأس المال). وعلى نحو مماثل، البلدان التي تصدِّر رأس المال تسجل فوائض في الحساب الجاري.
لكن المشاكل تنشأ عندما تصبح هذه الاختلالات كبيرة ومستمرة. هذا يصح خصوصا بالنسبة لاقتصادات العجز. فهي تعتمد على استمرار تدفقات رأس المال لتمويل الانفاق الذي يتجاوز قدرتها الإنتاجية. ومن الممكن أن يوجد التحول المعاكس لاتجاه هذه التدفقات مصاعب تتعلق بخدمة الالتزامات (الديون) الخارجية وفرضِ تكيُّفٍ مؤلم في الطلب الداخلي.
يقدم لنا التاريخ الكثير من التحذيرات. والمثال اللافت بقدر أكبر لذلك انهيار عام 2008. لكن الاختلالات الخارجية الكبيرة ساهمت في سلسلة من الأزمات في بلدان الاقتصادات الصاعدة في الثمانينيات والتسعينيات. كما بلغت الاختلالات في منطقة اليورو ذروتها إبان أزمة ديونها السيادية في أوائل العشرية الثانية.
هيكلة متغيرة
يختلف النموذج الحالي للاختلالات بطرائق مهمة عن نموذج أوائل العشرية الأولى. وقتها انعكست الفوائض الكبيرة للصين وألمانيا واليابان وكبرى البلدان المصدرة للنفط في عجوزات كبيرة في الولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا، خصوصا بريطانيا واسبانيا واليونان.
وفي حين تظل الولايات المتحدة بلد العجز الرئيسي في العالم إلا أن عجزها الخارجي تقلص بالنسبة الى الناتج المحلي الإجمالي العالمي. فعجز حسابها الجاري بلغ ذروته عند 1.6% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2006. لكنه كان 0.9% 'فقط' في العام الماضي. من بين أسباب ذلك تحول الولايات المتحدة الى منتج رئيسي للطاقة. وهذا ما خفض وارداتها من الطاقة وعزز صادراتها.
كما انكمش عجز القطاع الخاص الأمريكي أيضا عاكسا بذلك حقيقة أن العائلات الأمريكية خلافا للوضع الذي ساد أيام الفقاعة العقارية في منتصف العشرية الأولى لم تعد في مجموعها تعيش بما يفوق إمكانياتها المادية.
لكن في حين انخفض العجز الخارجي للولايات المتحدة عالميا زاد فائض الصين. وهو الآن يتجاوز ذروة ما قبل أزمة 2008 قياسا الى الإنتاج العالمي. وحسب مقياسٍ معدَّلٍ، بلغ فائض الحساب الجاري للصين 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في العام الماضي متجاوزا ذروة 0.7% التي سُجّلت عام 2008.
هذا يثير سؤالا واضحا وهو كيف يمكن لاقتصاد الفائض الأكبر في العالم (الصين) أن يحقق الآن فائضا أكبر قياسا الى الناتج المحلي الإجمالي في حين يسجل اقتصاد العجز الأكبر في العالم (الولايات المتحدة) عجزا أصغر الآن؟
الإجابة توجد فيما حدث في مكان آخر. فالفوائض وسط البلدان المصدرة للنفط وخصوصا السعودية أقل كثيرا عن مستواها في منتصف العشرية الأولى وذلك جزئيا بسبب التغير في توازن الطاقة بالولايات المتحدة. لكن الصين أيضا تحركت الى أعلى سلسلة القيمة واستحوذت على حصة سوقية من بلدان التصدير الأخرى وخصوصا ألمانيا وباقي بلدان منطقة اليورو بالإضافة إلى اليابان وكوريا الجنوبية. نتيجة لذلك انحسرت فوائضها قياسا الى منتصف العشرية الأولى.
لماذا الاختلالات مهمة؟
لذلك تغيرت المخاطر المرتبطة بالاختلالات منذ منتصف العشرية الأولى. بالنسبة لبلدان العجز تبدو مخاطر التوقف الفجائي للتدفقات الرأسمالية أقل حدة مقارنة بالماضي. فالعجوزات الخارجية أصغر عموما عما كانت عليه في منتصف العشرية الأولى. وهنالك مؤشرات أقل على الإفراط المالي للقطاع الخاص.
بدلا عن ذلك، تحول الاهتمام من الهشاشات المالية في بلدان العجز إلى الدلالة الاقتصادية لهيمنة الصين المتزايدة في مجال التصدير واستمرار فائضها الكبير.
هنا تبرز مسألتان. الأولى الضغوط المتزايدة على بلدان الفائض الأخرى من المنافسة المحتدمة مع الشركات الصينية. تتأثر أوروبا خصوصا بذلك والحصة التي فقدتها من الصادرات العالمية تشمل قطاعا واسعا من الصادرات بما في ذلك السيارات والآلات والمعادن. كما تتضح التحديات التي تواجه الصناعة الألمانية بقدر أكبر الآن.
المسألة الثانية تتعلق بالأبعاد الجيوسياسية للاختلالات. فالخلفية اليوم مختلفة جدا عن عهد العولمة الذي مَيَّز سنواتِ التسعينيات والعقد الأول من القرن العشرين. فتعددية الأطراف والتكامل تخلّيا عن الساحة للتنافس الجيوسياسي المتزايد بين الولايات المتحدة والصين.
تثير هيمنة الصين المتزايدة في قطاعات كالسيارات الكهربائية والبطاريات والصناعة التحويلية المتقدمة أسئلة تتجاوز الاقتصاد الى الأمن القومي والمرونة الصناعية. ومن الواجب الآن موازنة مكاسب الكفاءة المستفادة من التجارة مع المخاوف المتعلقة بأمن سلاسل التوريد والتبعية التقنيَّة.
آفاق التصحيح
تلعب تعديلات أسعار صرف العملات دورا في تقليص الاختلالات التجارية. فسعر الصرف الحقيقي للصين يبدو أقل من قيمته ربما بحوالي 10%. وأي محاولة ناجحة لخفض اختلالات التجارة العالمية ستتطلب في الغالب ارتفاعا في سعر الصرف الحقيقي للعملة الصينية. لكن من المستبعد أن تحقق تحركات قيمة العملة بمفردها إعادة التوازن للتجارة العالمية بدون تغييرات هيكلية أعمق. وفي حالة الصين سيتطلب ذلك تحولا عن المستويات المرتفعة للادخار والاستثمار نحو استهلاك عائلي أقوى.
لكن حتى الآن لا توجد أدلة تذكر على مثل هذا التحول. فأولويات سياسة الصين لا تزال مركَّزة على التوسع في القدرة على الإنتاج الصناعي وتحقيق الاكتفاء الذاتي التقني. وفي حين يتوقع صندوق النقد الدولي تقلص فائض الصين خلال السنوات القادمة أُرجِّح من جانبي ارتفاعه وليس انخفاضه.
لكن بلدان اقتصادات الفائض لا يمكنها تحمل عبء تصحيح عدم التوازن التجاري بمفردها. يجب على بلدان العجز أيضا تصحيح وضعها بمزيد من المواءمة بين إنفاقها وقدرتها الإنتاجية. بالنسبة للولايات المتحدة يعني ذلك في نهاية المطاف خفض عجز موازنة الحكومة الفيدرالية من خلال ضبط أوضاع المالية العامة (زيادة الإيرادات وخفض النفقات أو تحقيق التوازن المالي - المترجم).
هذا يؤشر الى اختلاف آخر مهم عن فترة منتصف العقد الأول. وقتها كان الإفراط في الإنفاق بالولايات المتحدة يعود أساسا الى القطاع الخاص. أما اليوم فمصدره أساسا القطاع العام. ويظل التصحيح المنسَّق، بتقليل الولايات المتحدة لعجزها المالي وتعزيز الصين لطلبها المحلي، ممكنا نظريا. لكنه عمليا يبدو مستبعدا جدا.
تحدٍّ جيوسياسي
اعتمدت التصحيحات الناجحة للاختلالات العالمية في الماضي على التعاون الاقتصادي وتنسيق السياسات. يظل أوضح مثال لها اتفاقية بلازا لعام 1985 والتي وافقت الولايات المتحدة بموجبها على إجراءات لخفض عجزها فيما عملت اليابان وألمانيا على الحد من فوائضهما. لكن حكومات هذه البلدان كانت كلها حليفات أساسا. أما اليوم فيخوض الطرفان الرئيسيان وهما الولايات المتحدة والصين تنافسا استراتيجيا.
حققت زيارة الرئيس دونالد ترامب الأخيرة الى بكين اتفاقا تعهدت الصين بموجبه بزيادة مشترياتها من السلع الأمريكية. يمكن أن يساعد هذا من حيث المبدأ في تقليص الاختلال التجاري بين البلدين. لكن تعهداته كانت محدودة نسبيا. وترجح التجارب السابقة الى حد بعيد عدم تحقيق الأهداف المرجوة في نهاية المطاف. في نفس الوقت يبدو ما يسمَّى 'مجلس التجارة' والذي من المقرر إنشاؤه لتعزيز التجارة في القطاعات غير الحساسة (أمنيا) محدودا بشكل لافت في نطاقه.
الشيء الأهم أن اتفاقيات الشراء الثنائية لا تفعل شيئا يذكر في مواجهة المحركات الهيكلية للاختلالات العالمية. وطالما استمرت الولايات المتحدة في تسجيل عجوزات مالية كبيرة وظلت الصين تتّبع نموذج نموِّ يُغلِّب المدخرات والاستثمار على الاستهلاك ستستمر التوترات الجذرية.
في الأثناء، ستجد أوروبا نفسها تحت ضغط متزايد. فانتقال الصين الى أعلى سلسلة القيمة سيستمر في الضغط على القاعدة الصناعية لأوروبا. ويضيف بذلك الى تحدِّيات النمو في القارة ويعزز الدعوات الى التوسع في استخدام أدوات حماية التجارة لتقليص الواردات من الصين.
ذلك هو السبب في أهمية المحادثات في قمة مجموعة السبع الوشيكة في فرنسا. فلم يعد السؤال المركزي الذي يواجه واضعي السياسات متعلقا بضخامة الاختلالات العالمية ببساطة. ولكن بما إذا كان في مقدور اقتصاد العالم علاجها دون أن ينزلق في حرب تجارية أشد وخامة ويتشظَّى.