بريد القراء

أصوات تزلزل الأرض وتصعد إلى السماء

سعيد بن عبدالله العامري

أنزل الله سبحانه وتعالى قرآنه المجيد وفيه كل ما من شأنه صلاح وفلاح للمسلمين، وأمرهم بتلاوته وتدبّر آياته بقوله تعالى في سورة الزمر 'أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا'، كما توجد آيات أخرى تؤكد على أهمية القراءة الصحيحة والتدبر، منها قوله تعالى: 'الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ' صدق الله العظيم.


هناك في عالمنا العربي والإسلامي حناجر ذهبية تثبت أقدامها على امتداد الزمن كواحدة من أهم قراء القرآن الكريم وذاع صيتها في كل بقاع العالم، وهناك كوكبة أخرى تعمل جاهدة في استمرارية تدفق مياه النهر الخالد في هذا الكتاب المنزل من عند الله تعالى، والذي حفظه المولى عز وجل منذ بداية نزوله من السماء إلى الأرض على سيد خير البشرية محمد صلى الله عليه وسلم ليهدي به الأمة، ويسعدها في دنياها وآخرتها.


خلال السنوات الماضية ظهرت العديد من الأصوات القرآنية التي التف حولها الناس من كل مكان، بالمقابل لا تزال أسماء خالدة نحفظها عن ظهر غيب رغم أنها أصبحت بعيدة عن عالمنا، وكتب الله عليها الفناء، فإن ما تركته من إرث مجيد ظل يغذي المكتبات الإذاعية والتلفزيونية حتى يومنا هذا كأصوات لا تموت ولا تُنسى.


هذه الأسماء وإن تفرقت في الدنيا فإنها باقية تسمو ويُسمع صدى صوتها في كل مكان على الرغم من أن بعضها قد فارق الحياة قبل أكثر من مائة عام تقريبا.


أقل ما يمكن وصفها بأنها أصوات تبعث الراحة والسكينة في النفس؛ فهي من أجمل الأصوات وأروعها، وبعض تلك الحناجر الذهبية تظل فريدة في نبرات صوتها، ومتفردة في معدنها الخالد، ليس كمثلها أي صوت آخر، قادرة على أن ترفعك إلى مستويات عليا من التدبر والتفكر في معاني آيات القرآن الكريم.


في مرحلة من مراحل تاريخنا العربي والإسلامي كانت الشعوب تلتف حول المذياع في المقاهي والمنازل والنوادي لسماع القرآن الكريم وهو يخرج من حناجر متمكنة من تجويد وقراءة كتاب الله تعالى، فالقراء باختلاف طبقات أصواتهم وعذوبة مخارج الكلمات كانوا يقدمون ما لديهم من إمكانيات صوتية وقراءات متزنة رصينة خاصة في الكثير من المناسبات الدينية، ويتخطون أقطارهم ويجوبون البلاد لِيُسمعوا الناسَ كلام الله في هيبة ووقار وسكينة.


والسؤال: ما سر خلود تلك الأصوات القرآنية رغم غيابها عن الحياة منذ عشرات السنين؟
الفضل في ذلك هو ما تركوه من إرث قرآني خالد، وقربهم من المستمع العربي والإسلامي الذي تغشاه السكينة وتطمئن نفسه بسماع القرآن الكريم وهو يُتلى، وإذا كان الموت قد غيب قائمة طويلة من القراء العظام إلا أن الإذاعات القرآنية بمختلف أقطارنا العربية والإسلامية تعيد لنا ذكراهم وتقدم لنا بعضا من قراءاتهم، وهو أمر أثرى المستمع العربي وجعله لا ينسى مثل تلك القامات العظيمة التي كان لها الفضل في تهافت الناس على سماع القرآن وحفظ آياته سواء في المساجد أو المنازل وفي كل مكان يستمعون فيه لكتاب الله يتلى عليهم.


كان أغلب قراء القرآن الكريم إن لم يكن جميعهم يتميزون ببصمة لا تتكرر ولا تتشابه مع غيرهم، لديهم أسلوب فريد ومميز في تلاوة القرآن الكريم، كانوا يتلون كتاب الله بتدبر وخشوع مما جعل الناس يعيشون معاني القرآن الكريم ومواقفه بكل جوارحهم، فكان القراء يوصلون رسالة القرآن ويؤثرن على مستمعي التلاوة.


في مراحل زمنية بعيدة ذاع صيت الكثير من أسماء قراء القرآن الكريم الذين كانوا يهتمون كثيرا بمخارج الحروف القرآنية ويعطون كل حرف حقه لكي يصل المعنى الحقيقي إلى صدور الناس وعقولهم، وكانوا -رحمة الله عليهم- ينتقلون من قراءة إلى أخرى ببراعة وإتقان وبغير تكلف، فزاد تعلق الناس بهم وحرصهم على سماعهم.


من المهم أن نعلم بأن قراء القرآن الكريم ممن أثروا في وجدان المسلمين كانوا يمتلكون القدرة على تراسل الحواس مع المستمعين، فيعلمون متى يؤثّرون في نفوسهم، ومتى تنزل دموعهم من خلال آيات الترغيب والترهيب في كتاب الله عز وجل.


الجيل الحالي بعضهم لا يعرفون أسماء القراء العظام، وربما اهتماماتهم تنحصر في بعض الأسماء اليسيرة التي لا تزال حاضرة الآن، لكن الواقع يرشدنا نحو قائمة أخرى طويلة وعظيمة بالأسماء والأفعال التي أثّرت على المستمع على مدار سنوات متتالية، وهنا نقتبس شيئا مما قاله الشيخ محمد متولي الشعراوي: 'إذا أردت أحكام التلاوة فعليك بالشيخ محمود الحصري، وإذا أردت حلاوة الصوت فعليك بالشيخ عبدالباسط عبدالصمد، وإذا أردت النفس الطويل فعليك بالشيخ مصطفى إسماعيل، وإذا أردتهم جميعًا فعليك بالشيخ محمد رفعت'.


بالطبع هناك أصوات قرآنية كثيرة لا يمكن أن نحصرها في مقال حتى لا تسقط من بين أيدينا قامة علمية إيمانية كانت وما زالت نبراسا لمن أحب سماع صوتها رغم أنها رحلت منذ عقود.