فتاوى :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
الخميس / 24 / ذو الحجة / 1447 هـ - 19:27 - الخميس 11 يونيو 2026 19:27
عندي سؤال عن الطلبة المبتعثين للدراسة في الخارج لمدة تصل إلى أربع سنوات، فهم يصلّون الصلوات قصرا من غير جمع، ولكن السؤال هنا: هل تسقط سنن الصلوات مع قصر الصلاة؟ وأيضا هل تُصلّى صلاة الوتر ركعة واحدة أم ثلاث ركعات؟
لا تسقط السنن والنوافل، إنما تسقط بالجمع، إلا الوتر فإنها تؤدّى، أما سائر السنن والنوافل، سواء كانت مؤكدة أو غير مؤكدة، فإنها لا تسقط إلا بالجمع، ولا تسقط عند الإفراد، وإن كان يصلي قصرا؛ لأنه مسافر، فإذا صلى الظهر، على سبيل المثال، ركعتين؛ لأنه كان إماما أو صلى منفردا، فيأتي بالسنن، وكذلك العصر، وإذا صلى المغرب ولم يجمع إليها العشاء، وهذا هو الأفضل في حقه ما دام ماكثا مقيما في مكان سفره غير جاد في الطريق، فالأولى في حقه الإفراد، أي أن يصلي كل صلاة في وقتها مع القصر دون جمع.
أما إن كان جادّا في السير أو احتاج للجمع بسبب ظروف الدراسة والاختبارات، فنعم يمكن له أن يجمع، لكن الأولى للماكث المقيم في المكان أن يصلي كل صلاة في وقتها كما ذكر السائل، بارك الله فيه، لكن في هذه الحالة يؤدي السنن، والله تعالى أعلم.
حديث التفريق بين الجنسين، هل هو حديث صحيح؟ ولماذا يفرق بينهم وهم محارم أصلا طالما هم إخوة وأخوات؟ وهل التساهل من جانب الأم في لباس البنت وترك العناية بها للأب والأخ كالأمر باستحمامها يعد تقصيرا من الأم في حماية ابنتها من خطر التحرش؟
الحديث الذي فيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع» حديث صحيح. وهذا الحديث مشهور يستند إليه ويستدل به الفقهاء وشُرّاح السنة النبوية والمتكلمون من أهل العلم في أسس التربية الإسلامية الصحيحة التي يجب أن ينشأ عليها الأولاد ذكورا وإناثا.
وهي الآن تسأل عن الجزء الأخير من هذا الحديث، وهو التفريق بين الأولاد في المضاجع، فإذا كانوا في سنٍّ ما يميزون فيه الفوارق بين الذكور والإناث، فإن هذا الحديث يرشد إلى لزوم التفريق بينهم في المضاجع، وتكاد كلمة الفقهاء تتفق على هذا الأمر؛ وذلك اتقاء لما يمكن أن ينشأ من الافتتان، وحينئذ تكون العواقب من الخطورة بحيث إنها فوق ما يتصور الإنسان داخل الأسرة الواحدة. فالتساهل في هذا الشأن يمكن أن يفضي إلى عواقب وخيمة يعضّ عليها الوالدان أصابع الندم، ولات ساعة مندم؛ فقد يركض الشيطان بين الجنسين بخيله ورجله مع شدة أوار العواطف عند مناهزة البلوغ، فيقع والعياذ بالله المحذور، وهذه كارثة.
ولذلك فإن هذا الهدي النبوي أرشد إلى لزوم التفريق بين الذكور والإناث في المضاجع، بل ذهب الفقهاء إلى أبعد من ذلك، إلى أنه يفرّق أيضا في المراقد بين الذكور أنفسهم والإناث، فإذا كان هناك فصل بين الذكور والإناث، ثم بعد ذلك يكون هناك أيضا فصل بين الذكور لا يلزم أن يكون في الحجرات، ولكن في المنامات، وهذا الملحظ لسنا بحاجة إلى إطالة القول فيه، فما من شك أن الكثير قد سمعوا عن فتن عظيمة وقعت من جراء التساهل في هذا الأمر، والحزم هو سبيل الخلاص، وهذا فيه تعويد للأطفال والأولاد على مراعاة خصوصياتهم، وعلى احترام الآخرين، وعلى الأحكام والآداب الشرعية اللازمة منهم نحو الآخرين من الذكور والإناث.
ولهذا فإن تساهل أحد الأبوين، والسائلة تشير إلى تساهل الأم، فيه مخالفة لهذا الهدي النبوي، وقد تحمل هذه الأم وزر هذه المخالفة إذا وقع المحظور، أو وقع التساهل في الاطلاع على العورات، أو فيما نعرفه نحن اليوم بالتحرش، قد يكون تحرشا لفظيا، وقد يكون تحرشا بالفعل، بالملامسة أو بغير ذلك مما هو لا ريب خطير العواقب، فتتحمل الأم أو يتحمل الأب إن كان هو المتساهل وزر هذا التساهل، وسيندمون أشد من غيرهم في حين أن الأخذ بهذه المبادئ والقيم والآداب ليس عسيرا، لا سيما في بيوت الناس اليوم إلا ما ندر، إلا ما كان.
ومع ذلك فإن المجتمع حريص على عون الأسر المتعففة للامتثال وتطبيق هذا الحكم الشرعي، فإذا وصلنا أيضا إلى ما يتعلق بالقيام بشأن البنات من الأولاد، فإن الأولى أن تقوم بذلك الأم، وأن تعود بناتها على أن يسمحن لأي رجل من الأسرة أو من خارج الأسرة بأن ينكشف عليها أو أن يمسها في عورتها وأماكن خصوصيتها، وإنما يُرخص في الضرورات إن لم يوجد أحد وكانت هناك ضرورة، أما أن تكون البنت مميزة، والأم موجودة، وهناك أخوات لها في البيت، ثم مع ذلك يتولى أو تسند الأم تولي أمر العناية بالبنات للأب، فهذا من التفريط والتقصير، وقد تكون العاقبة شديدة الخطورة.
فيجب أن تنتبه الأسر إلى مثل هذه المعاني، وألا تتساهل فيها، وأن تأخذ فيها بالحزم وبالآداب الإسلامية الرفيعة هذه وبالأحكام الشرعية، وأن يُنصح هذا الأب، وتُنصح الأم كذلك، أي بترك مثل هذا المسلك؛ لأنه يمكن أن يفضي إلى ما سيندمان عليه أكثر من غيرهما كما تقدم، وهذا أيضا سيجعل البنات معتادات على ملامسة الرجال لهن، وبهذا سيصعب عليهن بعد ذلك اتقاء التحرش، أو التمييز بين المتحرش وغير المتحرش، فيقعن أيضا في مصائب وكوارث.
فكل هذه المنظومة يجب أن يُلتفت إليها بحزم وعناية، لا سيما مغريات الفتن اليوم، ومع ما عليه كثير أو بعض ضعاف النفوس في المجتمعات المسلمة، وما صار يدخل البيوت عنوة من وسائل الترفيه ومن وسائل التواصل الاجتماعي، فإن لم يكن هناك حاجز تربوي تنشأ عليه البنات وينشأ عليه الأولاد جميعا من ذكور وإناث، فإنه سيسهل اقتحام هذه الأسوار والزج بهن في عواقب أليمة، والله تعالى المستعان.
في قوله تعالى: « وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ « ما معنى كلمة «مغاضبا»؟
هي اسم فاعل، وهي من المشتقات، اسم فاعل وفعلها غاضب، وهي نوع من المفاعلة، لكنها من طرف واحد، أي مضاعفة لمعنى الغضب الذي كان عليه يونس عليه السلام، فمغاضب أي غاضب، وقيل بأنه ساخط، فهو غضب مع تسخط، وقيل بأنه بان فيه أنفة، ويقصدون بالأنفة كراهية لما بدر من قومه، وهذه قضية، وإن لم تكن محل سؤال، لكن من يطالع كتب التفسير سيجد أمرا عجبا في توجيه معنى المغاضبة من يونس عليه السلام لمن كانت؟ يعني كان غضبان ممن؟
وللأسف الشديد فإن من الأقوال التي تُحكى كثيرا أنه كان غاضبا لربه، مغاضبا لربه، وأخذوا في تفسير هذا القول، والصحيح أنه لا يصح أن يُنسب إلى يونس عليه السلام أنه كان مغاضبا لربه إلا على سبيل أن تكون هذه اللام للتعليل، لكن منشأ غضبه هو كفران قومه وجحودهم، وإباؤهم لدعوته إياهم إلى الحق وقبول الهدى، فهذا هو اللائق في حقه، وهذا ما يشهد به السياق القرآني، فأما أن يقال بأنه كان غاضبا من ربه، أي لربه، أي من ربه؛ لأنه أخر عنهم العقوبة ورفعها، وكان أنبياء الله ورسله عليهم السلام يشتهون أن تنزل العقوبة بأقوامهم.
وحمل هؤلاء الذين قالوا بهذا القول أن ذلك كان بعد أن أنذرهم فتأخر عنهم العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب غضب يونس عليه السلام، ثم بدأوا في التأويل، قالوا: لأنه كان يُعهد من قومه أن من يخلف وعدا فإنهم يقتلونه، في محاولة لبيان سبب مغاضبته لربه؛ فهذا كما قلت مما لا يصح أن تُنسب إلى يونس عليه السلام، وإنما كان يونس عليه السلام قد غضب على إباء من قومه بسبب امتناعهم عن قبول دعوته، وتمنعهم عليه، وإصرارهم على الكفر، فغضب من ذلك وخرج، فهذا هو المعنى، وأيضا الذين يقولون بأنه كان مغاضبا لربه ولا يحملون اللام على التعليل يقولون: لأن الله عز وجل قال: « إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ»، وهذا لا يكون إلا من أبق من سيده، ولكن هذا المعنى غير صحيح كما قلت، لا يليق بيونس عليه السلام ولا بأحد من أنبياء الله ورسله أن ينسب إليه مثل هذا، كانت غضبته في الله ولله عز وجل؛ لما أظهر قومه من الكفر والإصرار على الكفر ورفض دعوته، فهذا هو اللائق، وهو الذي يؤكده السياق.
وقوله: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»، هذا في حق كونه خرج دون استئذان، خرج عن قومه دون استئذان، فظن هو أنه قد أدى رسالته وبلّغ رسالة ربه إلى قومه، وصدر منهم ما صدر من الإباء والكفر والإصرار على الكفر، فغضب عليهم من أجل ذلك، فخرج ولم يستأذن ربه في هذا الخروج، وكان يظن أنه مع خروجه ذلك أنه في سعة فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى،
ولهذا قال ربنا جل وعلا: «فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ»، أي لن نضيّق عليه، فكان ما كان من أمره مما حكاه لنا ربنا تبارك وتعالى، فابتلعه الحوت، فإذا هذا الذي كان على لسان يونس عليه السلام، وهو في بطن الحوت، نادى في الظلمات: «أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»، فيه توحيد وتمجيد لله تبارك وتعالى وتنزيه، وإقرار ندم، التوحيد: لا إله إلا أنت، والتنزيه والتمجيد: سبحانك، والإقرار بما يدل على الندم: إني كنت من الظالمين.
فهذا الذكر في غاية البلاغة، وذروة كمال معاني الافتقار إلى الله تبارك وتعالى حين تحيط بالإنسان الغموم، ولذلك قال ربنا تبارك وتعالى: «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ»؛ فهذا الذكر مما علمنا إياه يونس عليه السلام، مما علمه إياه ربه تبارك وتعالى، والسر في اختياره لهذه الكلمات هو هذا الذي تقدم، ولهذا ينبغي للمسلم أيضا أن يحرص عليه حين تحيط به الكروب والغموم، نسأل الله سبحانه وتعالى التفريج والتيسير، يعني: «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ»، أي فظن أن لن نقدر له ما يجعله يلتفت إلى هذه الخطوة، لا نقدر عليه أي نضيّق عليه، نضيّق عليه.
وهذا الاستعمال في الاستعمال القرآني: «أن نقدر» أي نضيّق، ويقابلها نوسّع، ففي القرآن الكريم: « وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ»، أي ومن ضُيّق عليه رزقه، فأيضا ما يذهب إليه بعض المفسرين من معانٍ لا تليق بالمقام لا تصح، لا لغة ولا سياقا.
ما حكم من اشترى بضاعة ودفع ضعف ثمنها أو أكثر بحكم أنه لا يمتلك صرفا أو خُردة كما ذكرت هي، والتاجر أيضا لا يملك الخُردة في ذلك الوقت ليرجع له أو ليرد له باقي المبلغ، فأخذ الزبون البضاعة وقال للتاجر: دع المبلغ عندك، وحين تتوفر عندك الخُردة أَرُدّ لي الباقي، أو أودعه معك وسأشتري به في مرات قادمة؟
فيما يظهر أنه من الصرف أيضا، لا سيما إذا كان المبلغ كبيرا والسلعة قيمتها يسيرة، فيدفع المشتري المبلغ؛ إذ لا يجد النثريات التي تقابل قيمة السلعة، ثم يقول له: لا، يعني ترد الباقي فيما بعد، أو ضع هذا المبلغ عندك لأشتري كما ذكرت في الصورة، فهذا يدخل في الصرف، والصرف يجب أن يكون التقابض في المجلس مثلا بمثل، تُطرح قيمة السلعة والباقي يُرد في ذلك المجلس.
ولا نريد أن نوسع ونقول: إن يجعل المشتري الباقي أمانة عند البائع؛ حتى لا يتخذ الناس هذه الوسيلة ذريعة، وهذه الذريعة قد لا يرتبون عليها آثارها بمعنى أنه لو حصل هذا فإن هذا المقدار من المال في يد البائع أمانة، يده يد أمين، لا ضمان عليه إلا بالتعدي أو التقصير، فإذا هجم عليه لص -على سبيل المثال- وسرق ما عنده فإنه لا يضمن، لا يأتي هذا ويقول: لا هذه نقودي ويجب أن تردها؛ لأنها كانت باقية من ثمن السلعة، هو تركها عنده على سبيل الوديعة، والمودع عنده أمين، يده يد أمانة، فلا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير، فلا تركب الكيفيات الشرعية على بعضها بما يناسب الأهواء، لا ترتب آثارها بناء على تكييفها الشرعي.
ولذلك قلت بأن هذه الذريعة يجب أن تُسد، فأما أن يمهله فيدفع لاحقا، وإما أن يترك البضاعة ويذهب هو ويأتي بالنقود الكافية للسلعة المناسبة للسلعة ويشتريها من عنده، ولهم في ذلك سبل شتى يمكن لهم أن يعالجوا مثل هذا الوضع، والله تعالى أعلم.