ترامب يكافح لإنهاء حرب مع إيران ما كان ينبغي له أن يبدأها أصلا
الأربعاء / 23 / ذو الحجة / 1447 هـ - 22:30 - الأربعاء 10 يونيو 2026 22:30
في 23 مايو، قال الرئيس دونالد ترامب: إن اتفاقا لإنهاء الحرب مع إيران بات شبه منجز، وسيُعلَن «قريبا». غير أنه بعد أكثر من أسبوعين لم يُكشف عن أي اتفاق، وما زالت القوات الأمريكية والإيرانية تتبادل إطلاق النار بانتظام. وفي الأسبوع الماضي، ألحق هجوم إيراني بطائرة مسيّرة أضرارا جسيمة بمطار الكويت الدولي. ويوم الأحد، أطلقت إيران صواريخ باليستية على إسرائيل، فردت إسرائيل بضربات مضادة. ولا يزال مضيق هرمز مغلقا أمام الملاحة، باستثناء قدر ضئيل من حركة العبور.
فماذا حدث؟ عندما تسرّبت بنود الاتفاق المقترح، التي تضمنت على ما يبدو الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، ثار صقور السياسة الأمريكية تجاه إيران بشدة. فقد شبّه مايك بومبيو، وزير الخارجية في الولاية الأولى لترامب، الاتفاق المقترح بالاتفاق النووي لعام 2015 الذي تفاوضت عليه إدارة أوباما، ثم انسحب منه ترامب في عام 2018. أما ستيفن تشيونغ، مدير الاتصالات في البيت الأبيض، فهاجم بومبيو على الإنترنت قائلا: «مايك بومبيو لا يعرف عمّا يتحدث بحق الجحيم. عليه أن يغلق فمه الغبي ويترك العمل الحقيقي للمحترفين».
وعلى الرغم من رد البيت الأبيض، بدا أن الانتقادات الصادرة من اليمين قد أخافت ترامب. فقد أفادت تقارير بأنه أرسل في نهاية مايو عرضا مضادا أكثر تشددا إلى طهران، لتتعثر المفاوضات منذ ذلك الحين. ويطالب الإيرانيون بالإفراج عن 12 مليار دولار من أصولهم المجمدة ضمن أي اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز، وبـ12 مليار دولار أخرى خلال ستين يوما من المفاوضات اللاحقة بشأن برنامجهم النووي.
إن الرضوخ لمطالبهم سيكون أمرا بالغ الإحراج لترامب، لو كان قادرا على الشعور بالإحراج أصلا. فقد سخر بلا هوادة من الرئيس باراك أوباما لأنه أرسل إلى إيران «منصات محملة بالنقود» بلغت قيمتها 1.7 مليار دولار بعد اتفاق 2015.
وأوباما ليس الرئيس الديمقراطي الوحيد الذي يريد ترامب تجنب التشبه به. فعندما سُئل يوم الخميس لماذا لم يرسل قوات أمريكية لانتزاع ما يسميه «الغبار النووي» ـ أي اليورانيوم المخصب ـ من إيران، أجاب ترامب: «لم أشأ أن أكون مثل جيمي كارتر»، في إشارة إلى المهمة الأمريكية الفاشلة عام 1980 لإنقاذ 53 رهينة أمريكيا في إيران.
ولأن ترامب لا يريد تصعيدا عسكريا، ولا يريد في الوقت نفسه تقديم تنازلات مكلفة، فإنه يتمسك بالوضع القائم في الوقت الراهن، بينما ينسحب أحيانا إلى عالم الخيال. فقد نشر ثلاث مرات على وسائل التواصل الاجتماعي المنشور نفسه الذي يتخيل فيه إيران وهي توقع «وثائق الاستسلام»، ومع ذلك لا يمنحه «الديمقراطيون الأغبياء والإعلام» أي تقدير على هذا «النصر البارع والعبقري».
هذا، بوضوح، تفكير قائم على التمني؛ فترامب يحاول ببساطة أن يتجنب الحقيقة القاتمة: لا مخرج سهلا من صراع ما كان ينبغي له أن يدخله من الأساس. كل الخيارات سيئة، ولا أحد يمكن لترامب أن يلومه سوى نفسه.
والخبر الجيد لترامب أن الاقتصاد الأمريكي، وخصوصا سوق الأسهم، تماسكا على نحو لافت رغم إغلاق ممر مائي يمر عبره، في الأحوال العادية، 20% من نفط العالم. ترامب سيئ جدا في إدارة الحرب، لكنه بارع جدا في رفع معنويات السوق بالكلام. غير أن مسؤولين تنفيذيين ومحللين في صناعة النفط يقولون إن الاحتياطيات النفطية العالمية آخذة في النفاد، وإن الحرب إذا لم تنته قريبا فقد ترتفع أسعار النفط إلى 150 دولارا للبرميل. وتحذر «أوكسفورد إيكونوميكس» من أن استمرار إغلاق المضيق في يوليو سيكون أمرا «يصعب تحمله طويلا».
ويبدو ترامب محبطا بوضوح لأنه لم يحقق نجاحا أكبر في إجبار إيران على قبول شروطه، رغم أن إسرائيل والولايات المتحدة تستطيعان قصف إيران متى شاءتا. لماذا لا تستطيع قوة عظمى أن تهزم خصما أضعف منها بكثير؟ هذه ليست معضلة جديدة. فترامب يتعلم الدروس المريرة نفسها التي تعلمها رؤساء سابقون في فيتنام والعراق وأفغانستان، والتي يتعلمها فلاديمير بوتين الآن في أوكرانيا.
الحرب ليست تمرينا على تحديد الأهداف، والطرف الذي يملك أكبر عدد من القنابل لا ينتصر بالضرورة. فالإرادة أهم من السلاح، والقدرة على امتصاص العقاب تصبح في النهاية أكثر أهمية من القدرة على إنزاله بالآخرين. بالنسبة إلى ترامب، هذا الصراع «نزهة قصيرة» دخلها من دون أي محاولة لحشد الرأي العام، لأنه افترض أنها ستنتهي بسرعة. أما بالنسبة إلى النظام الإيراني، فهي معركة وجودية. فمن تظنون أنه الطرف الأكثر استعدادا لإظهار الصبر حتى ينتصر؟ وكما كان مقاتلو طالبان يحبون القول: «أنتم تملكون الساعات، ونحن نملك الوقت».
لقد جعل ترامب الحرب شبه مستحيلة الانتصار حين طرح مطالب قصوى ـ ففي مرحلة ما كان يدعو إلى «استسلام إيران غير المشروط» ـ بينما استخدم وسائل محدودة. ومن المعروف أن القوة الجوية وحدها عاجزة، في الغالب، عن تحقيق تغيير الأنظمة، ومع ذلك فهذا بالضبط ما حاول ترامب، بحماقة، فعله في إيران، متجاهلا الخطر الواضح بأن ترد طهران بإغلاق المضيق.
وهكذا باتت إيران تمسك العالم فوق برميل نفط. لم يحقق ترامب أهدافه الحربية المفرطة في الطموح، ولن يحققها. لم يعد أحد يتحدث حتى عن إنهاء إيران برنامجها الصاروخي أو دعمها لوكلائها الإقليميين. أفضل ما يمكن أن يأمله ترامب هو أن تعيد إيران فتح المضيق من دون رسوم، وأن تقبل قيودا على برنامجها النووي مدعومة بعمليات تفتيش دولية. وهذا، في الجوهر، سيعيد إنتاج الظروف التي كانت قائمة بموجب الاتفاق النووي في عهد أوباما. وحتى تحقيق هذا القدر وحده سيتطلب على الأرجح دفع مقابل كبير للقادة الإيرانيين، على أن يتحدد السعر النهائي في مساومة على طريقة البازار.
ومن المرجح أن تكون هذه أغلى صفقة «تاكو» يشتريها الرئيس على الإطلاق؛ و«تاكو» هو الاختصار الذي بات مشهورا لعبارة: «ترامب يتراجع دائما في النهاية». فلنأمل فقط أن تجعل هذه التجربة المهينة ترامب يفكر مرتين قبل أن يشن مزيدا من حروب الاختيار. فقلة من العمليات العسكرية تنتهي بالترتيب والانضباط اللذين انتهى بهما تدخله في فنزويلا، ولا واحدة منها في الشرق الأوسط.
ماكس بوت كاتب عمود في صحيفة «واشنطن بوست» وزميل أول في مجلس العلاقات الخارجية. وصل إلى القائمة النهائية لجائزة بوليتزر في فئة السيرة، وهو مؤلف كتاب «ريغان: حياته وأسطورته»، أحدث كتبه، الذي تصدر قائمة «نيويورك تايمز» للكتب الأكثر مبيعا، واختارته الصحيفة ضمن أفضل عشرة كتب في عام 2024.