الذين عبروا... ماذا وجدوا؟
الأربعاء / 23 / ذو الحجة / 1447 هـ - 22:26 - الأربعاء 10 يونيو 2026 22:26
عندما تقود المعرفة الأسواق، فإنها لا تعيد إنتاج المهن نفسها وتسميها بغير اسمها، بل تخلق مسارات مهنية لم تكن موجودة، تتطلب مهارات وكفاءات ومواهب. فكلما اقتربت منظومة التعليم والتدريب من السوق ومتطلباته ارتفعت القدرة على الاستفادة من الفرص التي يخلقها الابتكار.
في مقالات سابقة وضعنا الابتكار تحت المجهر، مستعرضين مستويات جاهزيته ومؤشراته العالمية. فعلى مدار ثلاثة مقالات وقفنا فوق مستويات جاهزية الابتكار لنتحرى الضفة الأخرى من «وادي موت الابتكار». ذلك الوادي الذي يصف المساحة الخطرة بين البحث العلمي والسوق، حيث تتبدد الأفكار دون أن تتحول لقيمة اقتصادية أو مجتمعية. وتحرينا معا كيف مكّن الابتكار دولا مختلفة للانتقال للاقتصاد القائم على المعرفة. ورأينا كيف أن دولا مثل الدنمارك وهولندا وألمانيا والنرويج قهرت ذلك الوادي ردما، وبلغت الضفة الأخرى. ومن أعلى جسور مدّتها تلك الدول للضفة الأخرى أعود، وأحمل معي سؤالا مهما؛ ماذا وجدوا هناك؟
وصوب الضفة الأخرى أدعوكم لنوجه أنظارنا، حيث سنرى أن تعبير «الضفة الأحرى» ليس صورة بلاغية نزين بها خطاباتنا كلما ضاقت بنا الحيلة. الضفة الأخرى لها أبوابها وحراسها وعملاؤها، ولها أيضا خسائرها وأرباحها. الضفة الأخرى هي «السوق». والسوق في جوهره ليس مكانا للبيع فقط، بل إنه قاعة اختبار لمن يستحق أن يعبر للسوق وينجح في الاحتفاظ بتنافسيته هناك.
الذين عبروا لم يجدوا مساحة أوسع للتأمل، بل وجدوا نتائج البحوث تحولت لحلول تدخل في سلاسل القيمة والتنافس في «السوق». فالهاجس الأكبر لهؤلاء العابرين هو الفجوات وحلولها المستدامة الأقل ثمنا وزمنا ومخاطرة والتي لا تفاوض على الجودة.
الذين عبروا وجدوا السوق، وبعض منهم بنى سوقا جديدا؛ فالدنمارك لم تنافس على سوق الطاقة القديم، لكن بنت سوق طاقة الرياح من الصفر وتسيّدته. وهولندا ابتكرت نموذجا زراعيا يصدر اليوم كمعرفة قبل أن يصدر كغذاء.
الذين عبروا، حولوا الجامعات لشريك صناعي وأنتجوا وظائف لم تكن موجودة من قبل؛ وظائف لا تنتمي للأكاديميا ولا للسوق التقليدي، بل تعيش في المنطقة الواقعة بينهما؛ منطقة ما لبثت أن تتحول بأيديهم من وادي الموت لأكثر مناطق الاقتصاد الحديثة حياة.
الذين عبروا، حولوا الفجوة لوادي الحياة والرفاه. وهذا هو الفرق بين اقتصاد يعبر بالمعرفة واقتصاد يراقب العابرين. فعندما تقود المعرفة الأسواق، فإنها لا تعيد إنتاج المهن نفسها وتسميها بغير اسمها، بل تخلق مسارات مهنية لم تكن موجودة، تتطلب مهارات وكفاءات ومواهب (Talents).
الذين عبروا، أدركوا أن مع تلك الوظائف الجديدة تتغير ماهية المهارات المطلوبة. فكما تحتاج اقتصادات الابتكار للباحثين والعلماء فحسب، فهي أيضا تتعطش أيضا للفنيين والتقنيين والمشغلين وكل أولئك من ذوي المهارات التطبيقية والمهارات التكيفية العامة (General Adaptive Skills). ولعل تلك الأخيرة من الأهمية؛ إذ إنها مكّنت سنغافورة من إزاحة سويسرا من عرشها في المركز الأول بالمؤشر العالمي لتنافسية المواهب. وهي (أي سويسرا) التي تربعت عليه إحدى عشرة مرة متتالية، ولكن مع اهتمام سنغافورة بالمهارات التكيفية العامة وتغير معايير المؤشر العالمي للمواهب استطاعت أن تتقدم لتنتزع المركز الأول بتنميتها لمهارات المرونة والتكييف مع التحديات والتعافي من الإخفاقات والتعلم منها.
الذين عبروا، أيقنوا أن التعليم المهني والتقني ليس بمعزل ولا بمسار مواز، بل إنه من أدوات التنمية. فكلما اقتربت منظومة التعليم والتدريب من السوق ومتطلباته ارتفعت القدرة على الاستفادة من الفرص التي يخلقها الابتكار.
فكل ابتكار يصل للسوق لا يضيف منتجا جديدا، لكن يفتح قنوات جديدة وفرصا للعمل.
وهنا يتجلى الفارق بين اقتصاد ينتظر الوظيفة واقتصاد يصنعها؛ فالأول ينظر لسوق العمل كلعبة الكراسي الموسيقية، يعلو التنافس فيها على المقاعد حين تخفت الموسيقى وتتوقف. بينما الثاني يكثف أدواته لزيادة عدد الكراسي بصورة «مستمرة»، ليفتح المجال لأعداد أكبر، ولكن يرفع سقف المعايير ليستقطب ذوي المهارات والقدرات والكفاءات الأعلى.
أخيرا وليس آخر، الذين عبروا أثبتوا للعالم أنهم باتوا أكثر قدرة على صناعة مستقبلهم، وأن جزءا من حل معادلة الغد أصبح بأيديهم. وأكدوا للاقتصادات الأخرى أنه كلما زادت مساهمة المعرفة في خلق الثروة، تراجعت درجة الارتهان للظروف الخارجية؛ كتقلبات الأسواق وإغلاق المعابر أو فتحها.
ومع تحولهم لاقتصاد معرفي متنوع امتلكوا قدرة أعلى في التفاوض والاختيار ورسم رؤيتهم التنموية.
ذلك تحديدا ما أسميه الكرامة الاقتصادية، ومكمنها تنامي القدرة على إدارة ما نصنع من فرص وثروات، لا الاكتفاء بإدارة ما هو متاح فحسب.
دعوة للتأمل... مع وضوح الصورة من مختلف زواياها، غدا سؤال جديد يلح؛ هل المؤشر العالمي الذي تقاس به مسيرة الابتكار، من خلال تصنيفه للدول ورصده للمدخلات والمخرجات، هل هذا المؤشر مصمم ليقيس الغاية من الابتكار؟ أو أنه يصف المشهد من بعيد مكتفيا بالنظر في الاستثمار في الابتكار من حيث الترتيب ولا يلقي بالا لما يحل به من تسريب؟
هذا السؤل ليس ترفا، وإجابته بكل تأكيد لا تقف عند حدود؛ نعم أم لا. بل تحتاج لجهد بحثي أعمل على بلورة إجابته في أحد أبحاثي المعدة للنشر لتعديل ذلك المؤشر العالمي. حيث نشير إلى أن أداة الترتيب لا تكفي دليلا لقياس الأثر بالكامل ولا لصنع القرار ولا لقياس العائد على الاستثمار في الابتكار.