مستقبل تمويل التنمية لا يتعلق بالمال في المقام الأول
شيخار أيار - تانو إم. غويال
الأربعاء / 23 / ذو الحجة / 1447 هـ - 22:02 - الأربعاء 10 يونيو 2026 22:02
أُنشِئت بنوك التنمية المتعددة الأطراف، وعلى رأسها البنك الدولي، لتوفير رأس المال للبلدان النامية التي لم تستطع جمعه محليا أو بشروط ميسرة من الخارج. وعلى مدار عقود من الزمن، سدت هذه البنوك الفجوة.
ولكن مع انتقال مزيد من البلدان من فئة الدخل المنخفض إلى فئة الدخل المتوسط (وفقا لتصنيف البنك الدولي)، ومع تزايد صعوبة البيئة المالية العالمية، يجب أن يتطور دور بنوك التنمية المتعددة الأطراف أيضا.
لنتأمل هنا حالة الهند، حيث لم تَـعُـد هناك فجوة ملحوظة لتملأها بنوك التنمية المتعددة الأطراف. في عام 1991، وفقا لحساباتنا، غطى التمويل الخارجي نحو 15% من عجز الحكومة المركزية المالي؛ وبحلول 2025-2026، انخفض هذا الرقم إلى 1.5%.
في السنوات التي تلت ذلك، تعمقت أسواق رأس المال في البلاد بشكل كبير، حتى أن الاقتراض من السوق المحلية أصبح الآن يغطي أكثر من 70% من العجز.
في هذا الصدد، تُـعَد الهند مجرد مثال بارز على قاعدة أكثر عموما: فمع اتجاه البلدان المتوسطة الدخل إلى ابتكار أنظمة مالية أكثر تطورا، تصبح الحجة لصالح التمويل من بنوك التنمية المتعددة الأطراف أضعف على نحو متزايد. لا يقدم البنك الدولي للبلدان المتوسطة الدخل القروض ذات آجال الاستحقاق الطويلة وأسعار الفائدة المدعومة بشدة التي يقدمها للبلدان المنخفضة الدخل، بل يمنحها القروض بشروط قريبة من الشروط التجارية. وفي وقت حيث تسببت أسعار الفائدة العالمية المرتفعة والعملات المحلية المتضائلة القيمة في رفع تكلفة خدمة الديون الخارجية المقومة بالدولار، لم يعد السعر هو عامل الجذب الرئيسي للتمويل من بنوك التنمية المتعددة الأطراف.
إذا كان لبنوك التنمية المتعددة الأطراف أن تتمكن من الحفاظ على أهميتها في تلبية احتياجات البلدان المتوسطة الدخل أو حتى تعزيزها، فإنها يجب أن تعيد النظر في دورها الصحيح. وتشير تجربة الهند إلى أن دورها يجب أن يتمثل في المقام الأول في توفير المعرفة، وليس رأس المال.
باعتبارها صاحبة الاقتصاد الرئيسي الأسرع نموا في العالم، فقد غيرت الهند أولوياتها التنموية بشكل جوهري خلال الجيل الماضي، بهدف التحول إلى دولة متقدمة بحلول عام 2047.
وفقا لحساباتنا، فإن الإنفاق على القطاعات الاجتماعية مثل الصحة، والتعليم، والصرف الصحي يشكل أقل من عُشر الإنفاق التنموي اليوم. بدلا من ذلك، تضخ الحكومة الاستثمارات في البنية الأساسية، والنقل، والتصنيع، والتوسع الحضري. وغالبا ما يكون العائق الأكبر الذي يحول دون إنجاز مثل هذه المشاريع المعقدة والصعبة تقنيا هو الدراية، وليس المال.
يقدم مشروع مترو بنجالور، الذي يموله بنك التنمية الآسيوي، مثالا مفيدا. فالهدف ليس مجرد توسيع البنية الأساسية لمترو المدينة، وهو ما تستطيع الهند على نحو متزايد تمويله بنفسها، بل إعادة تشكيل طريقة تفكير المدينة بشأن التخطيط. كان هذا يعني دمج توسعة المترو مع أشكال أخرى من وسائل النقل العام ــ من الحافلات إلى قطارات الركاب ووسائل النقل التي لا تعمل بمحركات ــ منذ البداية. كما تضمن ذلك تقسيم المناطق لاستخدامات أرضية مختلطة حول المحطات الجديدة لتحسين إمكانية المشي وتعزيز الفرص التجارية. ويعد القرض وسيلة للحصول على مورد أكثر قيمة: المعرفة القادرة على خلق نموذج تحتذي به مدن هندية أخرى.
يؤكد تقرير حديث استطلع آراء الدول العميلة لبنوك التنمية المتعددة الأطراف الطلب الواسع الانتشار على المعرفة والمساعدة الفنية ــ التي يطلق عليها المسؤولون الحكوميون غالبا مسمى «التمويل+».
المتوقع هو أن يدر كل دولار يُـقتَرَض من بنك تنمية متعدد الأطراف عائدا يزيد عن دولار واحد من القيمة من خلال الوصول إلى المعرفة والتكنولوجيا، وبناء القدرات المؤسسية، ونشر أفضل الممارسات. والنتيجة الطبيعية المترتبة على ذلك هو ما يُسمى مبدأ «الميزانية+»: يجب أن يعمل التمويل من جانب بنوك التنمية المتعددة الأطراف كعامل محفز ومكمل لرأس المال المحلي العام والخاص، لا أن يحل محله.
أي من هذين المفهومين ليس جديدا. لكنهما اكتسبا أهمية ملحة جديدة مع اشتداد المنافسة بين الجهات الممولة للتنمية.
ومثل عدد كبير من البلدان الأخرى المتوسطة الدخل، تستطيع الهند الآن الاختيار بين بنوك التنمية المتعددة الأطراف، ومُجَمَّع كبير من المقرضين الثنائيين، وأسواق رأس المال الأجنبية، وفي المقام الأول من الأهمية، الدائنين المحليين. في هذه السوق المزدحمة، لا تكمن الميزة النسبية التي تتمتع بها بنوك التنمية المتعددة الأطراف في أسعار الفائدة التي تقدمها، بل في قدرتها على حشد الموارد، وقاعدة معارفها عبر البلدان والقطاعات، وقدرتها على هيكلة المشاريع التي تجتذب رأس المال الخاص على نطاق ضخم.
هذه النقطة الأخيرة شديدة الأهمية؛ حيث تقدم نماذج «الإنشاء للتوزيع» ونماذج «التشغيل والتحصيل ونقل الملكية» التي اعتمدتها بعض مؤسسات تمويل التنمية لمحة من الهيئة التي قد يبدو عليه نموذج «الميزانية+» في الممارسة العملية: مشاريع مصممة لتكون «مقبولة مصرفيا»، مع رسوم المستخدمين، وضمانات الشراء، واستيعاب الدولة للمخاطر، بما يجعلها فئة أصول جذابة للمستثمرين من القطاع الخاص.
يسير إطار شراكة البنك الدولي الجديد مع الهند في هذا الاتجاه، حيث تُستخدم الموارد من ذراعه الإقراضي، البنك الدولي للإنشاء والتعمير، لحشد رأس المال الخاص، بدلا من مجرد استبداله.
كانت هذه الأفكار الأساس الذي قامت عليه التوصيات التي قدمها فريق الخبراء المستقل أثناء رئاسة الهند لمجموعة العشرين. ودعا تقرير عام 2023 بنوك التنمية المتعددة الأطراف إلى المشاركة في تصميم برامج تحويلية طويلة الأجل مع الحكومات العميلة، واعتماد نموذج تشغيلي جديد يتعامل مع نقل المعرفة وتعبئة رأس المال الخاص كمكونات أساسية، وليست تكميلية.
يكمن التحدي، بطبيعة الحال، في التنفيذ. فلا تزال بنوك التنمية المتعددة الأطراف منظمة حول الإقراض، وتكافئ هياكل الحوافز لديها عملية صرف القروض. أما نقل المعرفة وبناء القدرات فهما أصعب في القياس والتسعير، وقد يكون من الصعب نسبهما إلى مؤسسة واحدة. بتغيير هذه الحوافز فقط ــ وإعطاء الأولوية لجودة الأثر التنموي على مبلغ القرض ــ يصبح بوسع بنوك التنمية المتعددة الأطراف أن تصبح مؤسسات تمويل التنمية التي يحتاج إليها العالم اليوم.
شيخار أيار مدير ورئيس تنفيذي للمجلس الهندي للبحوث حول العلاقات الاقتصادية الدولية.
تانو إم. غويال زميلة أولى في المجلس الهندي للبحوث حول العلاقات الاقتصادية الدولية.
خدمة بروجيكت سنديكيت