أعمدة

شعارات برّاقة يكذّبها الواقع

نعتقد أحيانا أن الدول الديكتاتورية هي وحدها من يرفع الشعارات البراقة ليمرر أجندة القمع الصامت في بلاده، وأن بلدانا كثيرة تقوم بهذا العمل لصرف الانتباه عن العنف الداخلي، وأن الدول (الديمقراطية) الأوروبية، والولايات المتحدة، ودول متفرقة قليلة من العالم تطبق ما تنادي به، من رفع شعار (الحريات، والمساواة، والعدالة الاجتماعية)، وأن هذه الدول تحمل من القيم، والمبادئ ما يجعلها في التصنيف الأعلى بشريا، وأن ما تنشره بعض وسائل الإعلام (المعادية) للحريات، هو جزء من المؤامرة التي تحاول فيها أن تشوّه صورة (الغربي) في الذهنية العربية، والدولية التي تتبنّى سياسات غير عادلة تجاه شعوبها.

غير أن كل تلك الصورة النمطية (للعالم الديمقراطي) سقطت بالضربة القاضية في عدة اختبارات كنا شهود عيان عليها، عايشناها، وتعايشنا معها، فوجدنا أن الشعارات التي ترفعها هذه الدول هي أخطر من شعارات دول العالم الثالث، وأكثر عنفا من سياط الأنظمة المستبدة، وأن تلك الشعارات ما هي إلا أقنعة خادعة تلبسها الأنظمة الغربية لتتآمر من خلالها على دول تعتبرها (مارقة)، أو (شريرة)، ففي حرب (غزة) ـ على سبيل المثال ـ أظهرت تلك الشعارات الزائفة وجهها القبيح، ليس على الجانب السياسي فقط، ولكن على الجانب الإنساني كذلك، وتحولت حرية التعبير التي تتشدق بها دول الغرب، تهمة سموّها (التعاطف) مع ما تصنفه مفاهيمهم المخلوطة (بالإرهاب)، فكُممت وسائل الإعلام، وأصبح بعض المذيعين الغربيين بوقا للرواية الصهيونية الكاذبة، وتم اعتقال الكثير من الناس الذين نددوا بالإبادة الجماعية في (غزة)، بل دخل في هذه اللعبة القذرة منصات التواصل الاجتماعي من خلال منع أي محتوى يتعاطف مع الضحية الفلسطينية، وصنف الغربيون انتقاد (السياسة الإسرائيلية) كتهمة جاهزة وهي (معاداة السامية)، وهي تهمة خطيرة أوجدتها أوربا، والغرب، وشاركوا فيها، وتبنّوها خلال فترات تاريخية مختلفة، وحين أرادوا تطهير أنفسهم من عقدة الذنب، أوجدوا هذا القانون الذي يجرّم كل ما من شأنه التحريض ضد الكيان الغاصب، وسقطت على أعتاب (حرب غزة) شعارات الإنسانية الأمريكية، والسلام العالمي، وصار الإنسان الفلسطيني هو آخر السلسلة البشرية، وظل هذا الوضع حتى اليوم، بينما تنادي الولايات المتحدة بدون خجل بشعارات جوفاء، لم يعد يصّدقها أحد.

وفي الحرب الروسية ـ الأوكرانية سقطت تلك الشعارات البراقة التي صدّع (الفيفا) بها رؤوس العالم، بأن (الرياضة ليست أداة للسياسة)، غير أنه تم استخدامها كأداة إقصاء حين جمّد الاتحاد الدولي لكرة القدم كل المشاركات الروسية في الأنشطة العالمية عام (2022م)، بسبب تلك الحرب، بينما لم يتم اتخاذ الإجراء نفسه ضد المشاركات الرياضية الإسرائيلية بسبب حرب الإبادة في (غزة)، كما قامت الدنيا ولم تقعد قبيل إقامة كأس العالم في دولة قطر، لأسباب تتعلق بـ (المثليين)، وحقوق الإنسان، بينما يتغاضى (الاتحاد) عن الإجراءات المشينة التي تمارسها السلطات الأمريكية في كأس العالم الحالية ضد المنتخب الإيراني وإدارته، وضد المنتخبات الإفريقية، بل كل المشاركين في كأس العالم التي ستلعب في الولايات المتحدة، ولم نسمع تلك التهديدات التي تشدّقت بحقوق الإنسان ترتفع في هذه الدورة، حيث تصمت كل الأصوات على مذابح الدولة الأمريكية (الديمقراطية)!!.

وهناك الكثير والكثير من الأمثلة التي تفضح الشعارات الغربية والتي يتم تطبيقها في حالات الرخاء، وتُنسف في الحالات التي لا تروق للمزاج الغربي والأمريكي، ولا عزاء للقيم، وللمبادئ، و(لحرية الإنسان)، فحين تسقط أقنعة الديمقراطية الغربية الزائفة يصبح العالم متساويا في الديكتاتورية الشاملة.