اقتصاد التجارب بيع الحكايات في عصر الرقمنة
الأربعاء / 23 / ذو الحجة / 1447 هـ - 12:45 - الأربعاء 10 يونيو 2026 12:45
كتب - أحمد القرملاوي
تتمدد الحياة الرقمية وتكسب أرضًا جديدة كل يوم ما يجعل البعض يتصوَّر أن التكنولوجيا انتصرت بمعركة «الواقعي في مواجهة الافتراضي»، وأنها نجحت بالفعل في الاستيلاء على الحواس وتوجيهها إلى الشاشات، بغمرها بكافة ألوان المحتوى، حتى إن الأجيال المعاصرة من مُستخدِمي التكنولوجيا لم تَعُد تشعُر بحاجةٍ لخوض تجارب واقعية. فالأسواق صارت مقصورةً على المتاجر الإلكترونية، والترفيه محصورًا في ألعاب الفيديو والمنافسات الافتراضية، حتى التعارف والصداقة والاكتشاف، ليس لهم وجود خارج عالم التطبيقات والمواقع.
ولا شك في أن وراء هذا التصوُّر أسبابًا وجيهة، إلا أنه قاصرٌ عن الإحاطة بالمشهد الكُلِّيِّ والمتغيِّر. فمثلما تَصُبُّ الحياة الواقعية في نظيرتها الافتراضية، فإن العكس يحدث باستمرار، إذ تُحيل المشاهَدات الافتراضية إلى الواقع في أغلب الأحيان، فنجد صُنَّاع المحتوى ممَّن يرتحِلون حول العالَم ويلتقطون الصور والمقاطع، يتحدَّثون عن مشاهَداتهم العجيبة والغرائب التي تستوقفهم فيما يجوبون شوارع المدن؛ هنا وجدوا طعامًا غريبًا يُعَدُّ في الشارع على مرأى من الطَّاعِمين، وهناك حجرات صغيرة متطورة التجهيزات يُمكن استئجارها للنوم أو الاستلقاء في أثناء اليوم، وثمة كشك زجاجي تُوضَع بداخله الدراجات فتبتلِعُها الروبوتات داخل حفرة أرضية، مع إمكانية استعادتها وقت الحاجة خلال عشر ثوانٍ.
وأشاع صُنَّاع هذا النوع من المحتوى اتجاهًا سياحيًّا يسعى إلى خوض تجارب مميزة واكتشاف الغريب والمدهش من أساليب الحياة حول العالَم. وهو ما انتبهَت إليه الشركات والعلامات التجارية، من أن الناس في عصر الرقمنة يولون أهمية كبيرة للتجارب «الجديرة بالمشاركة» على منصات التواصل الاجتماعي مثل Instagram وTikTok، فبدأت هذه الشركات في التعاون مع صُنَّاع المحتوى لتحويل أنشطتهم الشخصية إلى دعاية عضوية للعلامات التجارية. واستفاد هذا الاتجاه من تغيُّر سلوك «المستهلك الرقمي»، الذي استغنى بالتطبيقات التكنولوجية والمواقع الإلكترونية عن الخدمات التي كانت تقتصر في السابق على شركات السياحة، مثل حجز رحلات الطيران والفنادق واستخراج التأشيرات وترتيب البرامج السياحية، وبالتالي تحرَّر من البرامج سابقة الإعداد وبدأ يبحث عن «تجارب شخصية» مشحونة عاطفيًّا.
يُحيلنا هذا التحوُّل إلى ما يُسمَّى بـ«اقتصاد التجارب»، وهو مفهوم اقتصادي صاغه خبيرا الاقتصاد جوزيف باين وجيمس جيلمور عام 1998، مُبشِّرَين بفصل جديد من «تطور القيمة الاقتصادية»، حيث تتحول الشركات من مجرد بائع منتجات أو خدمات إلى مبتكر للتجارب المشحونة عاطفيًّا والموجَّهة إلى العملاء. ومن هذا المنطَلَق تصبح المنتجات (مثل: الطعام، المشروبات، الهدايا) والخدمات (مثل: المواصلات، والفندَقة، وزيارة المتاحف والمزارات السياحية) مجرد إطار وعناصر داعمة لبيع المنتج النهائي للعميل، ألا وهو الحكاية التي لا تُنسى.
القيمة العاطفية التي تُضيفها التجارب إلى المنتجات والخدمات السياحية تُعزز من تقييمها لدى العملاء، مثلها مثل القيمة الاجتماعية التي تتحقق بمشاركة العميل تجاربه المميزة مع متابعيه عبر منصات التواصل الاجتماعي. لذا فثمة فائدة اقتصادية مباشرة في تحويل الخدمات والمنتجات السياحية إلى «تجارب مميزة»، بحيث يَصعُب استنساخها، ما يُبرِّر ارتفاع أسعارها بالمقارنة بالمنافسين، كما يضمن ولاء العملاء والدعاية الشفهية للعلامة التجارية. وبالعودة إلى جوزيف باين وجيمس جيلمور، نجد أن تصميم التجارب المميزة لا بد أن يأخذ في الاعتبار تحقيقَ مزيج مناسب بين بُعدَين، الأول هو: طبيعة مشاركة العميل -إن كانت نشِطة أم سلبية- أما الثاني فهو: طبيعة العلاقة بين العميل والبيئة المحيطة -استيعابا أم اندماجا-. على سبيل المثال، تجربة مشاهدة فيلم أو مسرحية أو زيارة معرض فني هي حالة مشاركة سلبية للعميل تمتزج باستيعاب البيئة المحيطة، أما تجربة حضور ورشة طبخ فهي حالة مشاركة نشِطة من العميل تمتزج باندماج تام في بيئة التجربة، ومثلها تجارب الملاهي وغرف الهروب ومعارك الكُرات الملونة.
غير أن نجاح «اقتصاد التجارب» لا يعتمد فقط على تقديم أنشطة مميزة أو أماكن مثيرة ومؤثرة، بل على النجاح في تحفيز «شعور» ليس من اليسير تكرارُه. فالمستهلِك المعاصر ابن عصر الرقمنة، الذي يُغمَر يوميًّا بسَيْلٍ هائل من الصور والمقاطع القصيرة والإعلانات الممولة، لم يَعُد ينجذب إلى الوعود التقليدية بالحصول على الراحة أو الفخامة أو الجودة المرتفعة. لقد تكررت عليه هذه المفردات حتى فقدَت تأثيرها السحري. الشيء الوحيد الذي سيبقى قادرًا على اجتذابه هو الشعور بالتفرُّد؛ بأنه سيعيش لحظات يصعُب تكرارها ولا تخصُّ شخصًا سواه، مع وعدٍ بأن هذه اللحظات ستمنحه حكايةً يُمكِن أن يرويها للآخَرين.
لهذا السبب لم تَعُد المنافسة بين الوِجهات السياحية أو العلامات التجارية قائمة فقط على جودة الخدمة المقدَّمة، بل على جودة «القصة» التي ترتبط بالتجربة. فالفندق الذي يفوز بالمنافسة ليس أكثر الفنادق فخامة وجودة في تقديم الخدمات إلى النزلاء، بل الذي يُتيح لهم تجربة غير مسبوقة، مثل الإقامة داخل منارة قديمة، أو في نُزُلٍ شبيهٍ بأعشاش الطيور وسط الغابات، أو في أكواخٍ بيئية مصنوعة من المواد المحلية؛ حيث لا وجود لكهرباء أو لمرافق الحياة المدنية الحديثة؛ مثل هذا الفندق لا يبيع الإقامة والراحة فحسب، بل يبيع حكاية عن أجواء العُزلة والمغامرة والانفصال المؤقت عن المدنية المتوحشة. حتى المطاعم لم تَعُد تكتفي بتقديم الطعام الجيد، بل صارت تسعى إلى تصميم تجربة حسية متكاملة، تشتمل على طريقة التقديم، وأجواء المكان، والموسيقا والترفيه، وتفاعل الطهاة مع الزبائن.
انعكس هذا التحوُّل على نمط السياحة نفسه، فبدلا من الرحلات القصيرة المبرمجة على أساس زيارة أكبر عدد من المزارات في أقل وقت ممكن، ظهرت أنماط سياحية تقوم على التمهُّل والانغماس في البيئة المحلية. فمن الملاحَظ اليوم أن الكثير من السياح لا يكتفون برؤية المدينة، بل يرغبون في التشبع بأسلوبها وإيقاعها اليومي؛ التبضُّع في أسواقها الشعبية، واستخدام وسائل النقل العامة، وتناوُل الطعام في مطاعم يرتادها أهل المدينة أنفسهم، بل والإقامة في بيوت حقيقية عن طريق «إير بي إن بي» عوضا عن الفنادق الفاخرة، ما يُشير إلى أن العديد من السياح تحوَّلوا تدريجيّا من «مُشاهِدين» إلى «مُشارِكين» في التجربة.
ومن اللافت أن هذا التحوُّل منح أفضلية نسبية للدول والمجتمعات القادرة على الحفاظ على خصوصيتها الثقافية، في مُقابل الدول التي تسعى إلى استنساخ نماذج عالمية جاهزة. ففي زمن تتشابه فيه المراكز التجارية والفنادق وسلاسل المطاعم في مختلَف مدن العالم، باتت «الأصالة» (authenticity) قيمة اقتصادية لا يُمكِن إغفالها. وما كان يُنظَر إليه في السابق باعتباره مظهرا للبساطة أو المحلية أو البدائية، أصبح اليوم عنصر جذب عظيم القيمة لدى شريحة كبيرة من السياح الباحثين عن المميز وغير المكرَّر.
وعليه، يُمكن فَهْمُ الاهتمام المتزايد بالسياحة البيئية وتجارب الإقامة في القرى الجبلية أو المنعزلة، فضلا عن الانغماس في أنشطة مرتبطة بالحِرَفِ التقليدية والطهي المحلي والمهرجانات الشعبية، فهذه الأنشطة لا تُقدِّم للسائح خدمة يحتاجها، بل تمنحه شعورا بالانغماس في عالَم آخَر، مميز في إيقاعه وعلاقته بالزمن والطبيعة والبشر؛ أي تمنحه حكاية يكون هو أحد أبطالها فيكتشف عن نفسه شيئا جديدا من خلالها.
هذا الجانب من «اقتصاد التجارب» هو أحد أسباب نجاحه في الآونة الأخيرة وتزايُد مشاركة العملاء أنفسهم في تسويقه على منصات التواصل الاجتماعي، إذ إنه يعيد الاعتبار إلى المشاعر بوصفها عنصرا اقتصاديّا قابلا للاستثمار. الحنين، الدهشة، المغامرة، الشعور بالسكينة أو العزلة، لم تَعُد مجرد مشاعر عابرة، بل صارت جزءا من القيمة السوقية للمنتج السياحي، ألا وهو «التجربة». ولهذا يُمكِن لتجربة بسيطة مثل تسلُّق سُلَّم جبلي قديم أو تذوُّق مشروبات مُعدَّة بالطريقة المحلية أن تُباع بأسعار باهظة نسبيّا، إذا نجحت في تحفيز استجابة عاطفية قوية لدى العملاء.
على أن التحوُّل نحو «اقتصاد التجارب» لا يقتصر فقط على السياحة والترفيه، بل يمتد إلى قطاعات عديدة؛ فشركات التقنية، والسيارات، والأزياء، وحتى المقاهي، باتت تُدرك أن المستهلك لا يشتري المنتج وحده، بل يشتري الشعور المصاحب لتجربته. لذلك تُصمَّم المتاجر الحديثة بطريقة تدعو العميل إلى التفاعل مع العلامة التجارية، وتُقام المعارض التفاعلية بهدف تحفيز «تجارب قابلة للمشاركة» لا مجرد التشجيع على الشراء.
ومن المدهش بالنسبة لبعض المتحفظين تجاه توسُّع الحياة الرقمية، أن تَحدُث هذه التغذية العكسية بين الواقع الافتراضي والسعي المحموم نحو تجارب جديدة يخوضها المستهلك الرقمي. فمع تصاعد الشعور بالعزلة في المجتمعات الحديثة وتراجُع العلاقات الواقعية التقليدية، ترتفع قيمة التجارب التي تمنح الإنسان شعورا بالاتصال مع العالَم والآخَرين. وربما لذات السبب تكتسب الأنشطة الجماعية، والرحلات المشتركة، والمهرجانات والحفلات الحية، جاذبية متزايدة رغم هيمنة التكنولوجيا، وترتفع أسعارها على نحوٍ مُلفِت.
لكن ثمة خيط رفيع بين إبراز المشاعر المرتبطة بالتجربة، وتحويلها إلى مادة تسويقية تُفقِد العميل شعوره بأصالتها وقيمتها العاطفية. فالتركيز المبالغ فيه على إمكانية توثيق التجربة ومشاركتها قد تُفسِد الخلطة التي تُغري العميل بالشراء. وعلى الرغم من أن بعض السياح يختارون وجهاتهم بناء على قابلية التصوير وجمالياته، فإن رسم الحد الفاصل بين عَيْشِ التجربة واستهلاك صورتها الرقمية ضروري للغاية. فالنزعة الاستعراضية قد تُغري بعض العملاء، إلا أنها قد تُنَفِّر البعض الآخَر، فوراء التحوُّل إلى «اقتصاد التجارب» حاجةٌ إنسانيةٌ عميقة تنبع من بحث الإنسان عن المعنى وسط عالَم سريع الإيقاع، مُفرِط في الرقمنة. هذه الحاجة العميقة هي ما يمنح التجارب قيمة إضافية في مقابل المقتنيات المادية، فالإنسان سريعا ما يفقد متعة الاقتناء، بينما تبقى التجارب المرتبطة بالمشاعر والسرد الشخصي أمدا أطول. سرعان ما تتلاشى نشوة شراء هاتف جديد، بينما تُستَعاد ذكرى رحلة مدرسية بعيدة، أو موقف غريب عاشه المرء في مدينة لا يعرف لغتها، فتُحدِث الأثر نفسه أو يزيد.
لهذا السبب بالتحديد، لا يبدو «اقتصاد التجارب» كصيحة تسويقية عابرة، ساهمت في انتشارها وسائل التواصل الاجتماعي، بل انعكاسا لتحوُّل أعمق في علاقة الإنسان المعاصر بعالَمه، فكلما ازدادت الحياة الافتراضية قدرة على غمر الحواس بالمحتوى والمحاكاة، تصاعدت في المقابل قيمة اللحظات الحقيقية التي تمنح الإنسان شعورا بالانغماس والاكتشاف. لذا يُمكِن القول بأن التكنولوجيا لم تُعلِن انتصارها على الواقع بقدر ما دفعت الإنسان إلى إعادة اكتشافه، وتحويله إلى جزء من سرديته الشخصية.
أحمد القرملاوي، مهندس وروائي ومترجم مصري، حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال والتمويل. شارك في تأسيس دار ديوان للنشر وإطلاق بودكاست عن الاقتصاد الإبداعي والصناعات الإبداعية.