رأي عُمان

صندوق عُمان المستقبل وهندسة الاقتصاد الجديد

 

تحتاج الاقتصادات التي تريد أن تعبر إلى المستقبل إلى أكثر من وفرة مالية، تحتاج إلى قدرة دقيقة على اختيار القطاعات وبناء الشراكات وتحويل رأس المال إلى معرفة وإنتاج وفرص عمل ذات قيمة. هذا ما يعمل عليه صندوق عُمان المستقبل عبر نقل الاستثمارات الوطنية من منطق التمويل التقليدي إلى منطق أكثر تقدما يقوم على توجيه المال نحو القطاعات التي ستحدد ملامح الاقتصاد في العقود المقبلة.

ووقع الصندوق على 105 مشاريع بقيمة إجمالية بلغت 583 مليون ريال عُماني مع التزامات استثمارية تصل إلى 225 مليون ريال واستثمارات محلية بنحو 176 مليون ريال واستثمارات أجنبية مباشرة تقدر بـ182 مليون ريال. هذه المشاريع والالتزامات تشير إلى حجم الزخم الذي بدأ يتشكل حول الصندوق منذ انطلاقته، غير أن ما تقوله هذه الأرقام يتضح أكثر في نوعية القطاعات التي تتجه نحوها وهي قطاعات السياحة والطاقة المتجددة والصناعات المتقدمة والرعاية الصحية والتقنيات الطبية والابتكار التي تشكل مجتمعة ملامح الاقتصاد الجديد.

إن التحول الاقتصادي يحدث حين يتجه الاستثمار إلى القطاعات القادرة على خلق أثر طويل المدى وحين يصبح رأس المال أداة لتوسيع قاعدة الإنتاج ورفع كفاءة السوق، وبهذا المعنى يمكن النظر إلى صندوق عُمان المستقبل بوصفه إحدى الأدوات المؤسسية التي تعمل على تحويل مستهدفات رؤية عُمان 2040 من لغة تخطيط إلى فرص قابلة للتنفيذ.

إن استثمارات الصندوق في صناديق عالمية متخصصة في الرعاية الصحية والسياحة تمثل قيمة كبرى حيث يستفيد الاقتصاد المحلي من المعايير التشغيلية التي يتمتع بها الاقتصاد العالمي إضافة إلى ما يمتلك من شبكات الخبرة، ونماذج الإدارة وما ينتج عن ذلك من توطين الخبرة والمعرفة الإدارية والتشغيلية.

والأهم أن الصندوق لا يتحرك بديلا عن القطاع الخاص فهو يعمل محفزا له. وهذه النقطة في غاية الأهمية في اقتصاد يطمح في توسيع قاعدته الإنتاجية. والقطاع الخاص يحتاج أحيانا إلى شريك يخفف مخاطر الدخول إلى قطاعات جديدة ويفتح له أبوابا أمام الاستثمارات النوعية، ويمنحه الثقة في التحرك خارج المجالات التقليدية. وحين تدخل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة إلى هذه البيئة الاستثمارية وما يصاحبها من نماذج عمل يصبح الاستثمار طريقا لبناء منظومة اقتصادية أوسع تراكم خبرتها مع الوقت في جانب بناء النماذج وإعداد الموارد البشرية.

تملك سلطنة عُمان اليوم فرصة مهمة لتطوير نموذج استثماري أكثر ذكاء وقدرة على فهم متطلبات المستقبل والمتغيرات التي تحدث في الطريق إليه. ومن المهم استمرار التركيز على نوعيات استثمار تمنح رأس المال الوطني وظيفة تتجاوز العائد السريع إلى بناء القدرة الاقتصادية.

إن المستقبل الاقتصادي تصنعه الخيارات الدقيقة والشراكات الذكية والمؤسسات التي تعرف أن الاستثمار، في لحظات التحول الكبرى، يصبح عملا من أعمال بناء الدولة. وهذا ما يمكن قراءته من مشاريع صندوق عُمان المستقبل فهو أداة وطنية تعمل جاهدة على صياغة اقتصاد أكثر تنوعا وثقة، اقتصاد يتقدم نحو المستقبل بخطوات محسوبة.