أعمدة

أضواء مطفأة

قرأت كتاب «رأيت الأضواء مطفأة» لعاصم الشيدي استعدادا لحلقة جديدة من برنامج «إصدارات عُمانية» الذي أعده وأقدمه على إذاعة سلطنة عُمان العامة. يبدأ الكتاب بالإشارة إلى محافظة كتب أدب الرحلة على شعبيتها لدى القراء العُمانيين، وقد لاحظ الكاتب ذلك بعد نشره كتابه السابق «لا أريد لهذه الرحلة أن تنتهي». يؤكد لي ذلك ما اختبرته مسبقًا في حلقات أخرى مع كُتاب عُمانيين يكتبون عن رحلاتهم ومغامراتهم، وعددهم ليس قليلًا بل في ازدياد. أسّرَ لي بعضهم أنهم لم يفكروا يومًا بالكتابة، وأنهم لا يُقدمون أنفسهم ككتاب، لكن السفر دفعهم لذلك.

سألتهم عن الدافع وراء اختيار الكتابة خصوصًا، في زمن الفيديو والصورة، العديد من الرحالة اليوم، وأكثرهم شهرة، يمتلكون مدونات على اليوتيوب، تمتد مقاطعها لساعات عن كل ما تحتاج معرفته لزيارة الأماكن التي قصدوها. تتضمن صورًا للشوارع، المتاحف، الأطعمة، والحفلات الموسيقية، حتى الحياة المحلية الشعبية.

كان جوابهم دومًا أن الكتابة رغم ذلك تحتفظ بمساحة لا تتوفر عليها الوسائط الأخرى.

وفي هذا الكتاب، يشير الشيدي إلى أن أسفاره الجديدة هي امتداد لطفولة بعيدة.

فيعود إلى شيدة مسقط رأسه، وهي قرية جبلية في صحم بوصفها المكان الذي تعلم فيه معنى الترحال الأول، وكأن كل الأسفار اللاحقة ليست سوى استكمال لذلك الاكتشاف المبكر للعالم. ولا يتعلق ذلك بأحلام اليقظة التي بناها ذلك الطفل الصغير من موقعه ذاك، بل أيضًا بترحاله آنذاك إلى قريته الساحلية الجديدة بعيدًا عن شيدة.

تتضمن مقالات هذا الكتاب، حسًّا رثائيًا للأماكن؛ إذ إنها تتغير باستمرار، وتترك أثرًا على من يراقبها. المدن التي يزورها تتحول، والميادين تكتسب معاني جديدة، والمباني التي كانت شاهدة على زمن معين قد تختفي أو تتبدل وظائفها. لذلك يلتقط لحظات الاندثار والولادة الجديدة بوصفها جزءًا من حكاية المكان، ومن ذلك حديثه عن ميدان التحرير في القاهرة قبل الربيع العربي وبعده، أو عن معالم ارتبطت بشخصيات وأحداث تاريخية ثم تغير حضورها في الوعي الجمعي.

ومن اللافت أيضًا أن الشيدي لا يسافر بعينيه وحدهما، بل بعين الكتب التي قرأها أيضًا. فها هو يرى القاهرة من خلال نجيب محفوظ، ويستحضر باريس عبر باتريك موديانو وألبير كامو وجان بول سارتر، لتصبح القراءة عدسة إضافية تمنح الأمكنة طبقات جديدة من المعنى. وربما لهذا السبب تختلف تجربته عن تجربة كثير من رفاق السفر، قال له أحد أصدقائه: «صدعتنا بنجيب محفوظ». تذكرت هنا أنني حجزتُ أول رحلة سفر قريبة للقاهرة بعد الصفحة الأخيرة من ثلاثية نجيب محفوظ عن القاهرة، كانت تلك هي المرة الأولى التي أسافر فيها إلى هناك.

يكتب الشيدي أيضًا عن مشاهد صغيرة لا أظن أن وسيطًا غير الكتابة قادر على التقاطها كما أسلفت قبل قليل. وهو مشهد لقاء عابر مع طفلة صغيرة تتسول قرب مقهى الفيشاوي في حي الحسين يتحول إلى لحظة مؤثرة تستحق التدوين، تقترب هذه الطفلة للتسول، ويطردها العامل في المكان برعونة. لكن الشيدي يبحث عنها بعد ذلك، لتأثره بالموقف، ويُوثق لنا ما شعر به حينها.

يكشف الكتاب عن خصوصية السفر في لحظات التحول التاريخي. فالوجود في فرنسا بالتزامن مع اندلاع احتجاجات «السترات الصفراء» لم يكن مجرد مصادفة زمنية، بل تجربة وضعت الكاتب داخل حدث سيبقى جزءًا من ذاكرة البلد. وهنا يطرح السؤال عن ما يمكن للمشهد السياسي والاجتماعي أن يعيد تشكيله من خطة السفر نفسها ويغير أولوياتها. يمتد هذا التأمل ليشمل الفروق بين السفر المهني والسفر الشخصي، إذ تبدو رحلات العمل، بما تحمله من لقاءات مع مؤسسات إعلامية وتجارب مهنية في كتابته عن رحلته للعمل في لندن، مختلفة في إيقاعها عن الرحلات الحرة، لكنها لا تقل ثراء من ناحية الكتابة والتدوين. أخيرًا يكتب الشيدي عن تجربته كصحفي، خلال جائحة كورونا يتحول في الكتاب إلى نوع آخر من الرحلات، رحلة داخلية فرضتها العزلة والخوف وإعادة اكتشاف تفاصيل الحياة اليومية خصوصًا مع فرادة تجربته؛ إذ إن مسؤولياته التحريرية في جريدة عمان، تدفعه لاتخاذ قرارات صعبة، تُرى ما الصورة التي ينبغي أن توضع هنا وهناك، يُفاضل بين صور الجثث والمقابر والضحايا. كان ذلك بينما تحول للعمل من المنزل. ذكرني نصه هذا بالمرة التي أخذت فيها صديقتي المقيمة في ألمانيا لمطار مسقط الدولي، بعد أن سيرت السفارة رحلة خاصة للعالقين في عُمان، كانت كل الأضواء مطفأة، عدا نور تسلل من فتحة صغيرة، بينما من باب موارب للدخول إلى منصة السفر. كان ذلك مروعًا بالنسبة لي. بهذا المعنى، يقدم الكتاب تصورًا للسفر بوصفه ممارسة ثقافية تتجاوز فكرة التنقل، حيث يصبح كل طريق فرصة للتفكير واختبار تجارب مختلفة.

أمل السعيدي كاتبة وقاصة عُمانية