أعمدة

لم أعد رومنسية

قالتها وهي تغلق حقيبة يدها السوداء المتهالكة وشعور بالأسى كسا وجهها.

سألتها: ما هي الرومنسية؟

أشارت إلى قلبها وضربت على صدرها بيدها الطليقة، ثم جلست وغرقت في حزن دفين.

ارتبطت الرومنسية لدى الفرد بالمشاعر والنظرة الحالمة إلى الوجود، والقدرة على استقبال الحب والإيمان به إيمانًا مطلقًا بتغيير الإنسان وإصلاح الكون. فمن أدبيات الرومنسية والتغيير هذه العبارة التي قرأتها في زمن ماض: «العالم غيره حالمون كبار». لطالما صدقتها إلى أمد بعيد، حيث استطاعت على أصعدة إنسانية وسياسية واجتماعية عبر قرون طويلة إثبات جديتها وترسيخ تأثيرها في أفراد وشخصيات غيرت العالم إلى نحو أفضل.

وفدت كارولين من كينيا لتلتحق بالعمل في بيت عائلة أغلبه نساء وأطفال. تركت في بلدتها ابنتها عند أمها لتعتني بها عناية مَن عليه أن يدفع ثمن إقامته في غرفة، ويدفع ثمن سريرها. زفرت زفرة داخلية وهي تُتمتم أمامي: «الحمد لله» كلُّ شيء سيمضي.

كلّ شيء سيمضي؟ لكن الأشياء عندما تمضي تترك في الداخل آثارًا متباينة، والمحصلة النهائية أننا كبشر ماضون أو منتهون إلى حيث ينبغي أن نمضي وننتهي، وحدها المشاعر والذكريات ومواقف البشر تظل محك اختبارنا، وهذا ما خَبرته كارولين وهي تحكي حكايتها.

«تزوجتُ في العشرينيات، وعلى الفتيات أن يتزوجن؛ لأن الآباء لا يستطيعون تدبر المعيشة والإنفاق بأكمله عليهن، واحتياجات الفتاة منذ ولادتها حتى بلوغها كثيرة جدا تختلف عن احتياجات الفتى. كان على الجميع في بيتنا أن يعمل. عندما انتقلتُ إلى غرفة الزوجية الملحقة ببيت والدي، لم يتغير الحال كثيرا، كنتُ وزوجي نعمل، لكن مصاريف الحياة غالية، كنت أحلم لابنتي «مينا» بغد أفضل وحياة كريمة، لم نفكر أنا وزوجي في إنجاب طفل ثان تحسبًا لصعوبات المعيشة، وأخذنا نفكر في السفر، ترتب الأمر بصعوبة بالغة، ولم أنتبه إلى الانقلاب الذي حصل معي إلا وأنا أجلس على كرسي في الطائرة، نظرت من نافذتها إلى بلدتي فتخيلت ابنتي وكدتُ أصرخ أن أنزلوني، لكنني استسلمتُ لدموعي. عندما هبطت الطائرة في مطار مسقط الدولي، صَعدتُ في نهار اليوم الثاني إلى حافلة ضخمة، نقلني سائقها إلى صلالة، حيث مكان عملي واستقرار المقام فيها».

حكاية كارولين أعادتني إلى المعاجم والقواميس، ما الذي يربط حكايتها بالرومنسية كمذهب ثار على الكلاسيكية؟ جاءت الرومنسية كحركة احتجاج على هيمنة العقل الكلاسيكي، وسعت عبر تاريخها إلى إعادة الاعتبار للعاطفة والخيال والفرد.

أحدثت الرومنسية انقلابًا عميقًا في الأدب والفن والفكر منذ ظهورها في أوروبا أواخر القرن الثامن عشر وازدهر في القرن التاسع عشر، ثم تشعّبت اتجاهاتها وتنوّعت رؤاها، لكنها ظلّت تدور حول سؤال واحد: أيهما أحق بالاتباع، ما يمليه القلب أم ما يفرضه الواقع؟ وهو السؤال ذاته الذي وجدته في حكاية كارولين.

كارولين رأت أن قرار سفرها شكل من أشكال التمرّد على قلبها، وعاطفة الأمومة، لكن الحياة تتطلّب ميزانا آخر غير تلك العواطف، عندما ظلت تكرر أمامي باكية «لم أعد رومنسية» كانت تعي جانبًا واحدًا من العاطفة هجرته في رومنسيتها الوجدانية؛ هجرت عالمها الذاتي وأحاسيسها المرهفة، وضحكها البريء، وانفعالها الساذج، لكنها وهي تعيش في محيط عائلتها، وأسرتها الصغيرة لم تكن متصلة كلية بمفهوم الرومنسية وانثيالاتها، حيث كان عليها أن تعمل، وتدفع ثمن السرير لابنتها، ولم يشفع لها انجاب طفلة أن تكون أثيرة إلى قلب أبويها، إذ كان عليها أن تعمل ليلا ونهارا، وهذا ما يفرضه العقل والمنطق.

إن أعباء الحياة المادية مكلفة، كان عليها أن تتدبر مصاريف الغرفة كاملة، في حين كان جورج يعود آخر الليل مخمورًا لا يعرف «كوعه من بوعه»، وكان عليها البحث عن فرصة للعمل في بلاد الخليج. لم تملك كارولين حيزًا لتمنح مشاعرها أو أحاسيسها التعبير عما يختلج في نفسها من عواطف شخصية، حتى عندما تعرّفت على جورج استبشرت فرحًا آسرًا في بداية الزواج، لكن الحزن أصاب قلبها وفتته إلى قطع صغيرة. ولكن بعدما هدأت مشاعرها بغرفتها في المكان الجديد، تسرب إليها الشعور بالغربة والوَحدة الداخلية، عندئذ أخذت تتأمل حياتها المنصرمة ووجه ابنتها الوحيدة.

رومانسيتك الوجدانية يا كارولين شكل من أشكال التمرد. أنتِ تمردت على علاقتك بعالمك القديم، مثلما تمردتْ الرومنسية بجميع اتجاهاتها على المذهب الكلاسيكي الذي دعا إلى تحكيم العقل والمنطق واحترام التقاليد، والالتزام بمعايير الفكر والوجود.

إنكِ بانتقالك يا عزيزتي اكتسبتِ خبرة جديدة في النظر إلى الحياة. لم تكوني حالمة مثالية، بل إنسانة طبيعية تريد الكرامة الإنسانيّة والتقدير، لكنها تكاليف الحياة وصراعات البشر بين من يملك ويُسيطر، وبين من لا حيلة أمامه سوى ركوب مخاطر الحياة وتجاوز تعقيدات الواقع.

كذلك، ما تدخرين من أموال سيفتح لك أبواب الرزق، هل أخبرك مثلا عن عاملات منازل استطعن تغيير واقعهن المُزري إلى حال أفضل؟ هناك من بنت بيتا مسوّرًا، وأخرى علمّت أولادها حتى وصلوا إلى الجامعات، وغيرهن أكملن تعليمهن وحققن وجودهن. هذا كله حقيقي ليس خيالا.

كارولين... أنتِ لم تفقدي الرومنسية، لكنك كما أي غادرتِ شكلًا معينًا منها.

لكن كارولين لا تعي ذلك، فهي بعد مضي عام عرفت أن ما كانت تدخره من راتبها وتحوله عبر مكتب الصرافة إلى ابنتها كانت أمها تنفقه على الغرفة المستأجرة، وأن جورج «الملعون» ظل يُحضر بائعات الليل إلى تلك الغرفة اليتيمة، يَسكر فيها ويُعربد كيفما شاء، ولا يطلع النهار عليه إلا في مكتب الشرطة.

كنت أريد أن أفهمها، أن عليها التعامل مع العالم كما هو عليه، وليس كما ينبغي أن يكون، شريطة ألا تفقد رومنسيتها أو تهجرها، فهل هذا الشرط صعب؟

لم أعد رومنسية، ما الذي أثارته عبارتها في داخلي؟

على الإنسان أن يبحث عن نقطة ارتكاز في هذا العالم حتى لا يفقد نفسه أو توازنه.

لكن، ما شكل العالم الذي تغير؟ هذا ما أراه في وجه كارولين... في اختلاط ما تشعر به من وجع وحسرة ومشاعر مخنوقة. إن وجه الرومنسية الحالم كما أراه هو وجه ابنتها الباسم المُشع، ذلك جانب الرومنسية الأكثر وضوحا من أي شيء آخر. وجه ابنتها الذي تزين به جدار غرفتها، وطاولة السرير الجانبية، ومحفظتها الصغيرة، وشاشة موبايلها حينما يرن، يقفز وجه كاترين فرحًا، ذلك هو الحب والأمل البعيد.

آمنة الربيع باحثة أكاديمية متخصصة فـي شؤون المسرح