موسم الجحيم
الثلاثاء / 22 / ذو الحجة / 1447 هـ - 18:26 - الثلاثاء 9 يونيو 2026 18:26
ابنة صديقي، وهو إطار تربوي مختصّ، من خيرة الطلبة، ومستواها التعليمي هو مستوى الصفوة المختارة، يهجم عليها هذه الأيّام اختبار دبلوم التعليم العام، أصبحت قبل الاختبار بيومين، وقد امّحت ذاكرتها، ولم يعد لها في مخزونها الذهنيّ شيء، نسيت كلّ ما تعلّمته، والكتاب أو الكرّاس أو الورقة أو القلم أدوات مثيرة لهستيريا عصبيّة تفضي بها إلى الإغماء.
ماذا فعلنا في أجيالنا حتّى نحوّلهم وهُم في مزهر العمر إلى أن ينتحروا أو يُحبَطوا من الحياة، أو تُمحى ذاكرتهم، أو يمسّهم الانهيار العصبيّ؟ ماذا فعلنا في أجيالنا حتّى نحوّلهم إلى كائنات مريضة، تتعاطى مخفّفات الضغط وحبوب النوم، وتهيم في الوجود بلا معنى في الحياة؟ تتحوّل منازل العرب أغلبها هذه الأيّام إلى ثكنات رقابيّة في حالٍ من التيقُّظ والاستعداد والطوارئ بسبب هيمنة كوابيس الاختبارات والمناظرات في كافّة المستويات الدراسيّة، منها ما انتهى وانقضى، ومنها ما هو قائم بصدد الإعداد والاستعداد.
فتتغيّر أمزجة جُلّ العائلات، ويُوضَع الطلبة في مختلف المستويات تحت مطرقةٍ من الضغْط رهيبةٍ، ضغْط هو حصيلة تاريخ من التوتر الدراسيّ الذي أبدى عجزنا عن إنتاج جيل سويّ وعن مساهمتنا في قتْل ملكة الإبداع والتحرّر عند أبنائنا وعن دور نؤدّيه في إشرافنا التربوي يبيد الكائن الاجتماعي السويّ في سبيل تكوين كائن دراسيّ منضبط ناجح، وهو لعمري جرم يُسهم في القضاء على أجيال. تُعاني المنظومات التربوية التعليمية في العالم العربي والوعي الوصائي للأبوين منذ زمن شدّة حرصٍ مبالغ فيها في إنجاح أبنائهم في التعليم وحثّهم على الدراسة والتميّز والنجاح، وهو أمرٌ معقول ومرضيّ، إن أُجري بشكلٍ واعٍ وعالم، غير أنّ ما نُلاحظه هو بلوغ نتيجتين متعارضتين يجب أن نفكر مؤسّسيّا في أبعادهما، وهما: الحرص المبالغ فيه من الأسرة وبذل الوقت والجهد والمال لإخراج طالب متميّز لا يُشَق له غبار، يفضي إلى نتيجة متمثلة في أنّنا نُخرج طلبة ضعيفي الأداء مرتبكي الشخصيّة.
لقد أنتجت اختباراتنا ومناظراتنا ومختلف وسائل التقويم الجحيمية مخرجات ضعيفة، وحالا من الاهتزاز النفسي العامّ، دفعني أن أفكّر في أجهزة الترشيد والحوكمة والمراجعة والتقويم في مؤسساتنا التعليميّة، ماذا تفعل، وهل تُواكب الأوضاع النفسيّة والاجتماعيّة للكائنات الدراسية، لمشاريع القَوَمة على مستقبل هذه الأمّة؟ لقد اتّخذت المدارس العربيّة وجهةً في التعليم مرتبكةً، مؤذيَة، عديمة النجاعة علمًا وتكوينًا وحياةً، وساهمت جهاتٌ عديدة في توْبِئة الحالة التعليميّة، أوّلها المؤسسة التعليميّة القائمة على تكوين الإنسان، أصبحت تضخّ معلومات، وتكوِّن كائنًا حافظًا، حمّال دفاتر ومَلازم ودروس ينساها وتمّحي من ذاكرته فور إجرائه للاختبار، بل ونرى الطلبة -في ردّ فعل بهيج- يُمزِّقون الملازم والكراريس ويعبثون بها انتقامًا ونكايةً (وهي لعمري ظاهرة حقيقة بالدرس الاجتماعي التربوي)، ونتج عن ذلك، لهث متكالب على تحويل التعليم إلى بضاعة يقوم عليها أصحاب المال، يؤسّسون مدارس خاصة ذات شعارات رنّانة، يسلبون المال من كدّ الراغبين في التعليم والطالبين لنوعية لم تَعد المدارس العمومية (التي أُفرغت من عمقها عمْدًا) تضمنها، وهذا موضوع شائك ومعقَّد. ثانيها مؤسّسة البيت التي أصبح فيها جيل الآباء «الواعي» يحرص بشدّة على ضمان تعليم كامل لأبنائهم، بما في هذا الحرص من أثرٍ ضاغط على الطالب، وتحويل البيت إلى مدرسةٍ تجبّ ما تركته المدرسة الأصلية وتسعى إلى تحقيق متطلّباتها والقيام بتكاليفها. يحمل هذا الحرص الأبوي أثرًا سلبيّا عميقًا وضغْطًا يُفضي إلى أن يفقد البيت دوره ويتحوّل إلى مدرسة، يُحمِّل فيها الآباءُ الأبناءَ الطلبة رغباتهم وآمالهم وطموحهم، يصنعون لهم مستقبَلا يُريدونه هم، هذا يُريد من ابنه أن يكون طبيبًا، وهذا يُريده مديرًا، وهذا يريده مهندسًا، إضافةً إلى شبكة شائكة من الأولياء القامعين لأحلام أبنائهم، المُحدِّدين لجموح آمالهم، كأن يُحدّد الأولياء للبنت أفقًا للدراسة لا يخرج عن حدّ أن تكون مدرِّسة في مدرسة بنات! عجبي من هذا العالم الذي نسير فيه، والذي نُمارس فيه الوصاية القاتلة على أبنائنا.
المجتمع هو الجهة الثالثة المُربكة للحال التعليمية يتحوّل حديثه واهتمامه وسؤاله في هذه الأيّام عن الامتحانات ومسار الاختبارات. ألم يَصل إلى أذهان وأسماع المحوكمين والقائمين على الشأن التعليمي المجوِّدين له، وإلى «المثقفين» من أولياء الأمور، وإلى تُجَار التعليم أنّ هنالك تجارب تعليمية حديثة أثبتت نجاعتها وحافظت على الفرد الاجتماعي، قد تخلصت من أنظمة الاختبارات القاهرة، ومن سيوف المختبرين المسلولة، واستبدلت ذلك بتحديد قائمة أهداف ينبغي ويجب بلوغها في كل مستوى؟ وأعني بذلك أساسا التجربة التعليمية الفنلندية التي أجبرت وزير التعليم في فرنسا على القول إنّ تجربة فنلندا أيقظت النظم التعليمية من سباتها الدوغمائي وكشفت له هو تحديدًا تخلف النظام التعليمي الفرنسي، فما بالك بأنظمتنا العربية؟ إنّ أنظمة الحشو والاختبار أثبتت فشلها، وأنظمة الضغط وحرمان الأطفال من لعبهم ولهوهم أفرغت الإنسان من محتواه. نعلم جيدا أنّ الاختبار هو أداة سيطرة وحكم وليس أداة تقويمية سليمة، وأنّه لا يتوجَّه إلى قيس الذكاء وإنّما هو موصول بقيس كميّة من المعلومات ألقاها المدرّس ويريد استرجاعها. ووفقا لعلم النفس التربويّ فإنّ الإنسان يمتلك ثمانية أنماط من الذكاء لا يتوجّه الاختبار في أحسن حالاته إلاّ إلى قياس واحدة منها، وهي الذاكرة والمنطق، فتساهم منظومة الاختبارات المدرسيّة في قتل سبعة أنواع من طاقة الذكاء البشري وممكن إبداعه.
وأهمّ من كلّ ذلك أنّنا نُساهم بهذا الضغط من تقديس الاختبارات، في صناعة الفشل، وإخراج جيلٍ مهزوز، قلق، مرتاب، مرتبك. ألم تُوقظنا نِسب الانتحار المرتبطة بالدراسة في الوطن العربيّ، والتي يُخفيها أغلبهم؟ ألم تهزّ ضمائرنا تقارير الأطبّاء النفسانيين عن حالات الرغبة في الانتحار عند تلاميذ الثانويّة العامّة؟ ألم نفكّر في الوقوف على إحصائيّات جديّة لأحوال أبنائنا النفسيّة بعد الاختبارات وقبلها وأثناءها؟ ألم نتعلّم من تجربة فنلندا التي ألغت الاختبارات وتصدّرت المركز الأوّل في التعليم في العالم؟ ثم هل نحن نريد أن نُخرج إلى المجتمع عنصرا مليئا بالتوتّر والارتباك والانهيار العصبيّ أو نريد أن نُخرج عنصُرا فاعلا قادرا على التعامل مع مختلف الأزمات، محبًّا للحياة، مقبلاً عليها، يعيش بهْجتها وجمالها الذي لا يرتبط بالضرورة بالتألّق في حمْل الأسفار؟ هل يعنينا الإنسان أو التلميذ القويم؟
محمد زرّوق ناقد وأكاديمي تونسي