كيف تصنع المدن مواسمها السياحية؟
«نجاح المواسم السياحية لا يتحقق عبر الترويج وحده، بل عبر بناء تجربة يشعر معها الزائر بأن المدينة أعدّت تفاصيلها بعناية من أجله»
الأربعاء / 23 / ذو الحجة / 1447 هـ - 10:00 - الأربعاء 10 يونيو 2026 10:00
محمد بن أحمد الشيزاوي
عندما نرغب في السفر إلى أي وجهة جديدة نلجأ إلى تجارب السياح الذين زاروا تلك المدينة ونفتش في آرائهم عما جذبهم إليها، ونقرأ -بتمعن- توصياتهم لمن يأتي بعدهم، فعندما وقفتُ على جسر تشارلز في العاصمة التشيكية براغ لأول مرة رأيتُ أعدادا كبيرة من السياح قد سبقوني إلى هناك، كنتُ قد قرأتُ قبل ذلك أن فترة احتفالات أعياد الميلاد من أواخر نوفمبر وحتى الأسبوع الأخير من ديسمبر تشهد عند الرابعة مساء (وهو بالمناسبة وقت غروب الشمس) فعالية إنارة المصابيح الغازية على جسر تشارلز يدويا، لمنح الزوار تجربة ثرية تعود إلى القرن التاسع عشر.
الفكرة بسيطة والحدث لا يستغرق أكثر من 10 دقائق غير أن الناس يتجمعون هناك منذ الثالثة عصرا ليحظوا بموقع مثالي يتيح لهم توثيق تلك اللحظة التي يقوم فيها عامل الإضاءة -وهو يرتدي لباسا تشيكيا تقليديا- بإشعال المصابيح الغازية يدويا عبر عصا طويلة يحملها بيده ويطوف بها على مجموعة من المصابيح على جانبي الجسر.
ما يميز هذا الحدث هو أنه موسمي لا يقام إلا في شهر ديسمبر من كل عام وهو ما يرفع درجة أهميته لدى الكثير من السياح الذين يستهويهم التراث، أضف إلى هذا أن انتشار المقاطع المرئية التي توثق هذه الفعالية وتقدمها على أنها شيء مميز ولا يتكرر كثيرا جعل السياح يحرصون على زيارة براغ في هذا الوقت من العام؛ في الوقت الذي تتنافس فيه معظم المدن الأوروبية على استقطاب السياح إليها بالكثير من الفعاليات التي تقيمها في احتفالاتها بعيد الميلاد.
ذكّرني هذا المشهد بزيارة قمتُ بها في عام 2013 برفقة عدد من الصحفيين العرب إلى معبد الكرنك في مدينة الأقصر المصرية، حيث تقام في فترات ما بعد غروب الشمس فعالية «الضوء والصوت» التي تجعل الزائر يعيش تجربة ثرية يتم خلالها دمج المؤثرات الضوئية وتسليطها على الجدران والأعمدة والتماثيل مع تسجيلات صوتية وحوار درامي وموسيقى تصويرية ليتحول المعبد خلال الفعالية -التي تستمر لنحو ساعة واحدة- إلى مسرح تاريخي مفتوح يجسد أجواء مصر الفرعونية ويأخذ الزوار عبر حوار درامي شيق إلى حكايات مصر القديمة والأحداث التاريخية في تلك الحقبة الزمنية البعيدة.
في فترة لاحقة عندما طُلب منا تقديم مقترحات لتنشيط الدقم سياحيا قدمتُ مقترحا لاستلهام هذه الفكرة وتطبيقها على حديقة الصخور التي تكونت -كما يذكر الجيولوجيون- قبل ملايين السنين. هناك نصٌّ رائع عن حديقة الصخور خصّ به الشاعر العراقي شوقي عبدالأمير مجلةَ الدقم الاقتصادية وتم نشره في عدد يوليو 2016 (العدد الخامس)، جاء النص تحت عنوان «كلمات بصمت عالٍ» وفيه الكثير من الرمزية التي يمكن توظيفها والاشتغال عليها بما يضيء جوانب عديدة من الحديقة التي تضم أشكالا متنوعة من الصخور؛ عندما تتأملها تجد نفسك حينا أمام أسد وأحيانا أخرى أمام أرنب أو طائر محلِّق في السماء.
أصبح توظيف التراث سياحيا واستلهام حكايات التاريخ القديم والأساطير التي تروى جيلا بعد آخر يحتل اليوم حيزا مهما في اقتصاد التجارب بما يتيح مجالات أكبر لتنشيط السياحة الموسمية وبما يحول الأحداث التاريخية القديمة إلى عرض حيّ ينتظره الزوار سنويا كما هو الحال في مدينة براغ التشيكية، في حين التفتت مدينة الأقصر وعدد من المدن المصرية الأخرى إلى الحضارة المصرية وتاريخها القديم لتسرد لنا حكايات جميلة تنقلنا إلى زمن بعيد جدا عبر فعالية «الصوت والضوء» التي تأتي لتثري البرنامج السياحي للزوار وتقدم لهم تجربة ثرية بعد غروب الشمس وبعد جدول مزدحم هو الآخر بالمناشط والزيارات والفعاليات السياحية.
وإذا كانت مدنٌ غنية بالتراث مثل الأقصر المصرية وبراغ التشيكية استطاعت توظيف التراث وإعادة تمثيله حيا أمامنا فإن هناك مدنا أخرى رأت في المواسم الزراعية كنزا سياحيا موسميا لا يقل في أهميته عن التراث التاريخي، وفي نظري أن مهرجانات تفتّح أزهار الكرز (الساكورا) التي تقام في عدد من المدن اليابانية لنحو 10 أيام بين أواخر مارس وأوائل أبريل تعد أبرز مثال على ذلك، إذ يجمع موسم «الساكورا» بين الرمزية الوطنية والأهمية السياحية وهو ما يجعل الكثير من السياح يضعون اليابان ضمن جدولهم السياحي خلال هذا الوقت من العام، وتشير التقديرات المنشورة على شبكة المعلومات العالمية إلى أن عدد المشاركين من اليابانيين والسياح في الفعاليات والنزهات والأنشطة التي تقام بمختلف المقاطعات اليابانية خلال هذا الموسم يُقدر بأكثر من 60 مليون شخص وهو رقم لا مبالغة فيه إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الشخص الواحد قد يزور أكثر من فعالية ويشارك في أكثر من نشاط أو تجربة سياحية، وبطبيعة الحال لا يكتفي السياح بحضور موسم الساكورا فقط ولكن أيضا هناك العديد الفعاليات الأخرى التي يمكنهم القيام بها خلال فترة زيارتهم لليابان كما هو الحال في براغ والأقصر، حيث يتم إدراج العديد من المواقع السياحية في البرنامج السياحي بما يشكل تجربة ثرية ومتكاملة للزوار.
يقودنا هذا الحديث إلى تسليط الضوء على ما يمكن أن تقدمه المدن العُمانية من تجارب موسمية للسياح بما يُسهم في استقطاب السياح الأجانب وتنشيط السياحة الداخلية بشكل منظم ومدروس. لدينا تراث وتاريخ ثري، وتنوع طبيعي بين بحار وجبال وكثبان رملية، ومناخ ثري، ومواسم زراعية عديدة، وقد لاحظنا خلال السنوات الأخيرة مزيدا من الاهتمام بالفعاليات التي تقام في المواسم الزراعية كفعالية «رمانة» التي تقام في شهر سبتمبر بالجبل الأخضر وفعالية جني الورد التي تقام في الجبل الأخضر أيضا خلال شهري مارس وأبريل من كل عام، ولا ننسى موسم خريف ظفار الذي يعد أحد أبرز المواسم السياحية بالمنطقة خلال شهري يوليو وأغسطس من كل عام.
غير أن نجاح السياحة الموسمية يعتمد بشكل كبير على التجربة السياحية التي تقدمها المدينة لزوارها وليس اعتمادًا على منتج سياحي واحد، فجسر تشارلز في براغ هو واحد من مجموعة عديدة من المنتجات السياحية التي تشكل تجربة سياحية متكاملة تقدمها المدينة لعشاق السفر والترحال، ولهذا فإننا عندما نروج لموسم الرمان في الجبل الأخضر فلا ينبغي أن تقتصر التجربة على مشاهدة الرمان أو شرائه فقط وإنما لابد أن تمتد لتشمل زيارة المزارع والاستمتاع بالطبيعة والإقامة في الفنادق وتجارب الطعام وحضور فعاليات ثقافية أو تراثية أو مسرحية يتم تنظيمها هناك خلال الموسم وهو ما يجعل الزائر يستمتع بالمكان لعدة أيام وليس لمجرد زيارة عابرة لا تدوم أكثر من ساعة أو ساعتين.
ولعل هذا الأمر يفتح المجال لنقاش موسع حول الاستفادة من «اقتصاد التجارب» في تعزيز السياحة الموسمية؛ حيث تواجه العديد من المدن السياحية في مختلف دول العالم وليس في سلطنة عُمان فقط تحديات رئيسية تتعلق بمحدودية المنتجات السياحية التي تستطيع المدينة تقديمها للزوار في مواسمها السياحية، وفي نظري أن «اقتصاد التجارب» يمكننا النظر إليه على أنه منقذٌ للسياحة الموسمية من التدهور خاصة إذا كانت المنتجات السياحية الموسمية محدودة أو إذا كانت المدن تعتمد في استقطاب السياح على الطبيعة أو الطقس أو التراث؛ فرغم أهمية هذه المنتجات إلا أنها (منفردةً) لا تشجع كثيرا من السياح على الذهاب إليها، ولهذا فإن تقديم تجربة سياحية ثرية ومتكاملة هو الهدف الذي تسعى إليه معظم المدن السياحية لتنشيط مواسمها السياحية من خلال التعاون بين الإدارات الحكومية والقطاع الخاص.
ماذا تقدم المدينة لزوارها؟ هذا ما ينبغي مناقشته عند الترويج لأي موسم سياحي سواء في الجبل الأخضر أو صلالة أو صور أو صحار أو الدقم أو نزوى. هناك العديد من المقومات السياحية التي يمكننا الاستفادة منها في تعزيز السياحة الموسمية في مختلف المدن العمانية وعلينا أن نلتفت إليها، وقد رأينا خلال الأعوام القليلة الماضية جهودا لا بأس بها في العديد من المدن العمانية كالمهرجات التي أقيمت خلال فترة الشتاء، كما شهدت الدقم في موسم الخريف جهودا ترويجية عبر حملة «مر علينا» التي سعت إلى تقديم تجربة سياحية ثرية للزوار، ولعل النجاح الذي تحققه مدينة نزوى في استقطاب السياح خلال الإجازات الأسبوعية يحفز الكثير من المدن العمانية على تعزيز مواسمها السياحية وتقديم تجربة سياحية ثرية ومتكاملة للسياح تستفيد من مقومات الجذب السياحي المتوفرة فيها.
هذه بعض التحديات التي تواجه السياحة الموسمية، وما أشرنا إليه في صدر هذا المقال يمثل حلولا عملية نحو تعزيز المواسم السياحية عبر التوظيف الأمثل للمقومات السياحية وتقديم تجربة ثرية ومتكاملة للسياح، وعلينا أن نستفيد من ارتفاع شغف الناس بالسياحة وكثرة ترحالهم بحثا عن نمط سياحي جديد وتجربة سياحية فريدة ومدينة جديدة يزورونها لأول مرة، ونعتقد أن المدن العمانية لديها الكثير لتقدمه لزوارها ولا تحتاج إلى أكثر من إعادة ترتيب الأولويات والغوص في أسرار جواهرها السياحية وتحويل ما تمتلكه من مقومات طبيعية وثقافية وتاريخية وحضارية إلى تجارب استثنائية تضعها ضمن المدن التي يحرص السياح على زيارتها سنويا؛ وبشكل دائم.
محمد بن أحمد الشيزاوي كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية