إفريقيا مفتاح النمو العالمي المستدام
«مع اتساع الطبقة الوسطى وارتفاع معدلات التحضر تتحول إفريقيا تدريجيًّا إلى أحد أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم»
الأربعاء / 23 / ذو الحجة / 1447 هـ - 10:00 - الأربعاء 10 يونيو 2026 10:00
هيبوليت فوفاك
لا يزال العالم يتعامل مع إفريقيا باعتبارها هامشًا اقتصاديًّا، وينظر إليها في المقام الأول بوصفها مصدرًا للمواد الخام، لا أكثر، إلا أن التحولات البنيوية التي تواجهها الاقتصادات المتقدمة مقابل الزخم الديموغرافي الاستثنائي الذي تتمتع به القارة الإفريقية إضافة إلى إمكاناتها الصناعية الضخمة تشير إلى أن إفريقيا مرشحة لأداء دور محوري في دفع عجلة النمو الاقتصادي العالمي خلال العقود المقبلة.
فبعد أكثر من نصف قرن على انتهاء الحقبة الاستعمارية لا تزال النظرة الغربية إلى إفريقيا أسيرة التصورات القديمة وباعتبارها لاعبًا ثانويًّا في الاقتصاد العالمي، وقد أسهمت هذه الرؤية في إعاقة تطور الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة وسلاسل الإمداد المتكاملة داخل القارة الأمر الذي انعكس سلبًا على معدلات النمو الاقتصادي، ونتيجة لذلك اتسعت الفجوة في متوسط دخل الفرد بين إفريقيا وبقية مناطق العالم فيما تراجعت حصة القارة من التجارة العالمية إلى أقل من 3 بالمائة رغم أن سكانها يشكلون قرابة خُمس سكان العالم.
ومع دخول عدد متزايد من الاقتصادات المتقدمة مرحلة «الشيخوخة الفائقة»، حيث تتجاوز نسبة السكان الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا حاجز 20 بالمائة تبدو الحاجة ملحّة لإعادة النظر في موقع إفريقيا ضمن المنظومة الاقتصادية الدولية، فالعالم يحتاج اليوم إلى مصادر جديدة للطلب والنمو، وتبدو إفريقيا الأكثر قدرة على توفير هذا الزخم. فالحيوية الديموغرافية التي تتمتع بها القارة، إلى جانب احتياجاتها الضخمة للاستثمار في البنية الأساسية، تجعلها مرشحة للاضطلاع بدور أكثر مركزية في حركة التجارة والاستثمار العالميين خلال السنوات القادمة.
ويُنظر إلى إفريقيا باعتبارها صاحبة أسرع نمو سكاني في العالم، إذ من المتوقع أن يقترب عدد سكانها من 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، وفي ذلك الوقت، يُتوقع أن تصبح نيجيريا ثالث أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان متجاوزة الولايات المتحدة بعد كل من الهند والصين، كما تشير التقديرات إلى أن ما يقارب 40 بالمائة من سكان العالم سيكونون من الأفارقة بحلول نهاية القرن الحالي.
ولا تكمن أهمية هذا النمو في حجمه العددي فحسب بل في طبيعته أيضًا، إذ ستسهم إفريقيا بمعظم الزيادة الصافية في السكان في سن العمل عالميًّا في وقت تعاني اقتصادات عديدة من تقلص القوى العاملة وارتفاع نسب الإعالة، وتشير بيانات حديثة إلى أن الاقتصادات التي يتجاوز فيها معدل النمو السكاني المتوسط العالمي البالغ 1 بالمائة تحقق متوسط نمو حقيقي للناتج المحلي الإجمالي يصل إلى 3.1 بالمائة، بينما لا تتجاوز النسبة 1.4 بالمائة في الاقتصادات ذات النمو السكاني السلبي، وبالفعل يسجل الاقتصاد الإفريقي معدلات نمو تفوق المتوسط العالمي فيما ترجح معظم التوقعات بعيدة المدى أن يسهم الزخم الديموغرافي للقارة في دعم الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
ورغم أن النمو الاقتصادي يعتمد على توازن بين رأس المال والعمل والتكنولوجيا، فإن العلاقة التفاعلية بين خلق الوظائف وتزايد الإنفاق الاستهلاكي تبقى في قلب العملية الاقتصادية. وقد أثبت التاريخ أن القوة الديموغرافية تشكل رافعة لتنمية رأس المال البشري وتعزيز الطلب المحلي، الذي يمثل أكثر من ثلثي الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة، وأكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي في كندا.
وفي هذا السياق، تمثل الكتلة الشبابية في إفريقيا ميزة استراتيجية، سواء من حيث توفير اليد العاملة أو خلق طلب استهلاكي جديد. ففي الوقت الذي يشهد الاستهلاك تباطؤًا في الاقتصادات المتقدمة بسبب الجمود الديموغرافي، يتوسع الطلب الاستهلاكي في إفريقيا مع تسارع وتيرة التحضر وارتفاع مستويات الدخل تدريجيًّا. وبحلول عام 2050، يُتوقع أن ينضم مئات الملايين من الأفارقة إلى الطبقة الوسطى، فيما يُرجح أن يصل حجم الإنفاق الاستهلاكي والتجاري في القارة إلى نحو 16.1 تريليون دولار، ما سيولد طلبًا واسعًا على السلع والخدمات.
وفي موازاة ذلك، تمتلك إفريقيا إمكانات كبيرة لتحقيق تحول هيكلي واسع النطاق. فالقارة، التي لا تزال الأقل تصنيعًا عالميًّا، وتسهم بأقل من 2 بالمائة من الإنتاج الصناعي العالمي، وتوفر فرصًا هائلة لتحقيق قفزات في الإنتاجية ومستويات الدخل. ويبرز قطاع المعادن نموذجًا واضحًا لذلك، إذ ترتفع القيمة الاقتصادية للبوكسيت بصورة ضخمة عند معالجته وتصنيعه داخل القارة بدلًا من تصديره خامًا. فما تبلغ قيمته 874 مليار دولار عند استخراجه، قد تصل قيمته إلى 5.2 تريليون دولار عند تكريره إلى ألومينا، وإلى 15.4 تريليون دولار عند تحويله إلى ألمنيوم.
غير أن استثمار هذه الإمكانات يتطلب معالجة فجوة البنية الأساسية التي تعاني منها القارة. فالإنفاق المتزايد على البنية الأساسية، لا سيما في قطاعات البناء والتعدين والتصنيع والخدمات، يمكن أن يمهد الطريق لتحقيق مكاسب إنتاجية طويلة الأجل. كما أن اتساع الفجوة الحالية يعني أن الاستثمارات المستدامة قد تدفع عجلة النمو لعقود ممتدة، مع انعكاسات إيجابية واسعة على الاقتصاد العالمي. ومع توفير التمويل الكافي للبنية الأساسية، وتنمية رأس المال البشري، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة، تستطيع إفريقيا تحقيق تصنيع واسع النطاق، وتحويل نموها السكاني إلى ديناميكية اقتصادية مستدامة، بما يخلق عائدًا ديموغرافيًّا مهمًّا للاقتصاد العالمي. ويُنظر إلى اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية باعتبارها خطوة مفصلية في هذا المسار، إذ يسهم التكامل الاقتصادي في تعزيز المزايا التنافسية وتحفيز النمو الصناعي. ومن المتوقع أن تتوسع السلع المصنّعة أولًا عبر الطلب الإقليمي الذي توفره الاتفاقية، قبل أن تنطلق نحو الأسواق العالمية مع ارتفاع القدرة التنافسية للقارة.
وبفضل النمو السكاني المتسارع، والأسواق الاستهلاكية الواسعة غير المستغلة، والإمكانات الصناعية الكبيرة، والثروات الطبيعية الضخمة، فضلًا عن التوجه نحو تكامل اقتصادي إقليمي واسع النطاق، تبدو إفريقيا اليوم ممسكة بمستقبل النمو العالمي. وفي ظل التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصادات المتقدمة، تمثل القارة الإفريقية أكبر احتياطي متبقٍ لإمكانات النمو التحولي في العالم.
غير أن اضطلاع إفريقيا بهذا الدور يتطلب دعمًا حقيقيًّا عبر سياسات فعالة واستثمارات استراتيجية. فالمخاطر كبيرة؛ إذ إن فشل القارة في تحقيق إمكاناتها سيجعل العالم المتجه نحو الشيخوخة أكثر صعوبة في الحفاظ على مستويات الازدهار الحالية. ومن هذا المنطلق، لم يعد نجاح إفريقيا شأنًا إقليميًّا فحسب، بل أصبح ضرورة عالمية ترتبط بمستقبل الاقتصاد الدولي بأسره.