حين تعمل الأسواق على فراغ !
الاثنين / 21 / ذو الحجة / 1447 هـ - 21:36 - الاثنين 8 يونيو 2026 21:36
مع بداية فصل الصيف قد يستنتج مراقبٌ محايد للشؤون العالمية أن الأسواق المالية مقبلة على أيام أكثر قتامة؛ فصراعٌ كبير في الشرق الأوسط أدى إلى اضطرابات في قطاع الطاقة قد دخل الآن شهره الرابع بينما لا تزال الآثار المتسلسلة للضغوط التضخمية، وضعف النمو في عدد من الاقتصادات المتقدمة تشق طريقها عبر النظام الاقتصادي العالمي مع تأخرٍ زمني معروف في حدوثها، لكنه يظل غير قابل للتنبؤ بدقة.
لكن ما إن تلقِ نظرة على شاشة الحاسوب لدى وسيط مالي عادي حتى ترى واقعا مختلفا تماما؛ تناقضا صارخا يربك معظم النماذج التقليدية. فبحلول مطلع يونيو كان مؤشر ستاندرد آند بورز 500 قد سجل تسعة أسابيع متتالية من المكاسب. أما المؤشرات الرئيسية في الولايات المتحدة وآسيا فلم تكتفِ بتجاهل الاضطرابات الجيوسياسية، بل واصلت الصعود محققة رقما قياسيا جديدا تلو الآخر.
ويعكس هذا الانفصال اللافت بين الواقع الاقتصادي والأسواق المالية سردية واحدة شديدة القوة تبدو كأنها تعوض بأكثر من الكفاية الرياح المعاكسة المتزايدة التي تواجه الاقتصاد العالمي: وعد الذكاء الاصطناعي؛ فالسوق مأخوذة على نحو مفهوم برؤى تتحدث عن معجزة إنتاجية تلوح في الأفق، وتراهن على أن الكفاءات ومعدلات النمو التي سيطلقها الذكاء الاصطناعي ستكون كافية للتفوق على القوى المتراكمة للركود التضخمي، والديون، والعجوزات المالية، والتفاوت الاقتصادي.
لكن إذا أردنا استشراف ما ينتظرنا في المستقبل فمن المفيد أن نُكمل هذه السردية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي بتذكير بسيط، وإن كان جوهريا: الرغبة في الإنفاق شيء، والقدرة على الإنفاق شيء آخر تماما. وهذا التمييز الحاسم ينطبق على الجميع بلا استثناء؛ على الأسر، والشركات، والحكومات، والمستثمرين.
حتى الآن كانت الرغبة اللافتة في الإنفاق لدى جميع الفاعلين الرئيسيين تقابلها قدرة كافية على الإنفاق، وإن كانت هذه القدرة تُصنع وتُدعم بصورة متزايدة. غير أن هذه الرغبة لم تُموَّل من الدخل الجاري أو التدفقات النقدية الطبيعية وحدها، بل ساندها أيضا استنزاف واسع للاحتياطيات والهوامش الوقائية - المالية والاستراتيجية والنفسية - إلى جانب اعتماد متسارع على الرافعة المالية (الديون). وكلما طال أمد الاضطرابات التي تسببت بها الحرب في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد تضاءلت احتمالات أن تظل هذه القدرة قادرة على مجاراة الرغبة في الإنفاق.
لكن ما الذي جعل الرغبة في الإنفاق بهذه الدرجة من الصمود؟ تختلف الإجابة باختلاف الأطراف؛ فعلى مستوى الأسر اتسمت مرحلة ما بعد الجائحة بنفور نفسي من تقليص الإنفاق على «التجارب» والاستهلاك عموما. أما في قطاع الشركات فإن الرؤساء التنفيذيين تدفعهم ضرورة وجودية للاستثمار بكثافة في الذكاء الاصطناعي أو مواجهة خطر التراجع إلى الهامش والاندثار. ويبدو أن ظاهرة FOMO - أي «الخوف من تفويت الفرصة» - قد أصبحت بصورة متزايدة أحد المعايير المؤثرة في قرارات تخصيص رأس المال.
أما الحكومات فإن الضغوط القادمة من ناخبين منقسمين سياسيا إلى جانب ارتفاع الإنفاق الدفاعي جعلت من الصعب للغاية خفض العجوزات المالية، حتى في ظل تضخم أعباء الفوائد مع إعادة تمويل الديون منخفضة التكلفة بأسعار أعلى بكثير. وأخيرا فإن المستثمرين الذين تشكلت توقعاتهم خلال عقد كامل من تدخلات البنوك المركزية الداعمة للأسواق وما رافقها من مكاسب متكررة تبنوا مبدأ «اشترِ عند كل هبوط» -بغض النظر عن سببه- باعتباره إحدى الركائز الأساسية لإدارة المحافظ الاستثمارية.
في ضوء هذه الديناميكيات يبدو من الآمن وإن كان ذلك مزعجا افتراض أن الرغبة في الإنفاق ستظل قوية، وربما تقترب من حدود عدم المسؤولية. ومن ثم فإن السؤال الجوهري الذي يواجه الاقتصاد العالمي والأسواق يتمثل في ما إذا كانت القدرة على الإنفاق ستتمكن من مواكبة هذه الرغبة. وتشير الأدلة إلى أن لهذه القدرة حدودا لا يمكن تجاوزها إلى ما لا نهاية.
ويُعد استهلاك الطاقة الإشارة الأكثر إلحاحا في هذا السياق؛ فلكي تحافظ العديد من الدول على نشاطها الاقتصادي رغم اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز لجأت إلى السحب من مخزوناتها من الطاقة بما في ذلك الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للولايات المتحدة. غير أن مثل هذه الاحتياطيات بحكم تعريفها موارد محدودة.
وعندما تقترب من حدها الأدنى يصبح الاستهلاك الفعلي مضطرا للتكيف مع الأسعار الأعلى التي تفرضها سلاسل إمداد متضررة إذا استمر المضيق مغلقا فعليا. والنتيجة هي ما يُعرف بـ«تدمير الطلب»؛ أي تراجع الاستهلاك بفعل ارتفاع الأسعار، وتقلص القدرة على تحملها.
وبالمثل؛ فإن صمود المستهلك الأمريكي -الذي يُعد في كثير من الأحيان محركا للنمو العالمي- يبدو قائما على أسس هشة؛ فبيانات الأشهر الأخيرة تشير إلى أن مستويات الاستهلاك جرى الحفاظ عليها جزئيا من خلال السحب من المدخرات والاعتماد على الاقتراض. غير أن معدلات التعثر في سداد ديون بطاقات الائتمان والقروض المخصصة لشراء السيارات آخذة في الارتفاع بسرعة، ما يوحي بأن القدرة على الإنفاق لدى الأسر ذات الدخل المنخفض بلغت بالفعل مستويات من الإجهاد يصعب استمرارها.
وفي الوقت نفسه رفعت الشركات اقتراضها بصورة ملحوظة لتمويل إنفاقها الرأسمالي بينما لا تزال متمسكة أيضا ببرامج إعادة شراء أسهمها، ومثلها مثل الحكومات تبدو عازمة على مواصلة هذا النهج رغم ارتفاع أسعار الفائدة في الأسواق.
أما المستثمرون فقد أظهروا استعدادا استثنائيا لتمويل كل ذلك متعاملين مع ارتفاع أسعار الفائدة لا بوصفه رياحا معاكسة، بل دليلا على متانة الاقتصاد وقدرته على الصمود. ولا تزال أسواق رأس المال تتمتع بشهية قوية لإصدار ديون جديدة، حتى مع اقتراب طرح بعض من أكبر الاكتتابات العامة المتوقعة في التاريخ بما في ذلك أسهم سبيس إكس، وأنثروبيك، وأوبن إيه آي.
لكن الهوامش والسيولة الاحتياطية التي استند إليها هذا التفاؤل بدأت تتآكل تدريجيا. فاستطلاعات توزيع الأصول، ومنها تلك التي أجراها مؤخرا بنك أوف أمريكا، تُظهر أن الأرصدة النقدية لدى مديري الصناديق العالمية انخفضت إلى مستويات متدنية على نحو استثنائي، ما يوحي بأن النظام المالي أصبح عمليا في وضعية «استثمار كامل»؛ حيث جرى توظيف معظم الأموال المتاحة بالفعل في سوق الأسهم.
في ظل التعقيدات التي يتسم بها الاقتصاد العالمي وديناميكيات السيولة في الأسواق المالية لا يستطيع أحد أن يتنبأ على وجه اليقين بمدى اقترابنا من اللحظة التي تعجز فيها القدرة على الإنفاق عن مواكبة الرغبة في الإنفاق، وهذا أمر يبعث على الإحباط.
لكن من منظور تحليلي يمكننا أن نكون على قدر كبير من اليقين بأن استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما تسببه من اضطرابات في أسواق الطاقة سيقربنا أكثر فأكثر من تلك «لحظة الحقيقة»، بل إننا في حال عدم التوصل إلى نهاية لهذا الصراع لن نقترب من تلك النقطة فحسب، وإنما سنقترب منها بوتيرة متسارعة على نحو متزايد.
محمد العريان الرئيس السابق لكلية كوينز بجامعة كامبريدج وأستاذ ممارس في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، وهو مؤلف كتاب «اللعبة الوحيدة في المدينة: البنوك المركزية، وعدم الاستقرار، وتجنب الانهيار القادم»