الأمراض المزمنة و«بغ فارما»
الاثنين / 21 / ذو الحجة / 1447 هـ - 19:04 - الاثنين 8 يونيو 2026 19:04
مضت عقود طويلة والمنظومة الطبية العالمية تدار بنموذج تجاري بحت، أرسى قواعده «تقرير فليكسنر» الشهير بتمويل من عائلات مالية كبرى مثل روكفلر وروتشيلد ودعم كارنيجي. وهو النموذج الذي قام على إقصاء الطب الطبيعي والتقليدي كطب الأعشاب والطب الإسلامي، لصالح صناعة الدواء الكيميائي الاحتكاري «Big Pharma». هذا النموذج كرس مفهوم إدارة الأعراض عوضا عن «الشفاء الجذري». وحول الأمراض الأيضية كالسكري والضغط إلى أمراض مزمنة حتمية تتطلب عقاقير كيميائية ممتدة مدى الحياة.
لكن العلم الحديث والطب الوظيفي يعيدان اليوم صياغة الحقيقة؛ فالأمراض المزمنة ليست قدرا وراثيا حتميا، بل هي «أمراض نمط حياة» واستجابة خلوية لبيئة ملوثة وتغذية سيئة والتهابات داخلية، والشفاء منها ممكن تماما عبر استعادة التوازن الحيوي للجسم.
إن دمج الطب الطبيعي والتقليدي في المستشفيات الحديثة تحت مفهوم «الطب التكاملي» «Integrative Medicine» يمثل طوق النجاة للمنظومات الصحية، وجودة الحياة.
هذا الدمج يتطلب إعادة الاعتماد لركائز الطب الإسلامي والنبوي كالحجامة الطبية المبنية على مؤشرات سريرية، وإدراج «الصيدلية الخضراء» القائمة على مستخلصات الأعشاب المعايرة مخبريا، وتحويل التغذية العلاجية إلى خط الدفاع الأول في المشافي.
وكمثال؛ فقد برز «الصيام الطبي» كأداة علاجية جراحية خالية من العقاقير، تعتمد على ظاهرة الالتهام الذاتي «Autophagy» التي ينظف الجسم من خلالها خلاياه التالفة. ويتم تطبيق هذا البروتوكول حسب المختصين وفق معايير كالآتي: الفرز السريري: استهداف مرضى مقاومة الإنسولين، والسكري من النوع الثاني، والكبد الدهني.
المراقبة اللصيقة: متابعة مستويات السكر والكيتونات عبر أجهزة القياس المستمر «CGM»، وضبط ضغط الدم.
الدعم الحيوي: تزويد المريض بمحاليل المعادن الأساسية «الإلكتروليتات» والمستخلصات العشبية لمنع الجفاف.
وأخيرا سحب الأدوية التدريجي «Deprescribing»: بخفض جرعات أدوية السكري والضغط وإيقافها تماما، بالتزامن مع انخفاض المؤشرات الحيوية طبيعيا، وصولا لبروتوكول كسر الصيام بالأغذية الحيوية النظيفة.
ويبدأ الأمر بمشاريع تجريبية محددة النطاق «Pilot Projects» بسعة 10 إلى 15 سريرا؛ بحيث تكون النواة العملية للتغيير التدريجي لاحقا. وتبدأ التجارب في مستشفى حكومي أو جامعي، تشرف عليه نواة من الأطباء الباطنيين وأخصائيي التغذية العلاجية المؤمنين بالطب التكاملي. وعلى مدار ثلاثة أشهر، يخضع المرضى لبروتوكول الصيام والتنظيف الخلوي، لتوثق النتائج في تقارير علمية رسمية تثبت نسب الشفاء التام وعكس المرض، تمهيدا لنشرها وتعميم التجربة.
عند تطبيق هذا المشروع التجريبي وتعميمه وطنيا، يقدر أنه ستتحقق نسبة خفض متحفظة تبلغ 30% فقط في استهلاك الأدوية الكيميائية، مما سيوفر ما لا يقل عن 182.7 مليون ريال عُماني سنويا من ميزانية الصحة المباشرة.
ويقدر أن يرتفع الوفر الإجمالي للاقتصاد الوطني إلى أكثر من 330 مليون ريال عُماني سنويا بفضل تقليص أيام التنويم، وخفض معدلات مضاعفات السكري الخطيرة كالفشل الكلوي وبتر الأطراف، واستعادة المواطنين لإنتاجيتهم وجودة حياتهم. لقد بدأت دول كالصين مثل مستشفى غوان آن مين، وألمانيا مثل مستشفى شارتيه ببرلين علاجات الطب التكاملي وبروتوكولات الصيام العلاجي.
إن استثمار هذا الوفر المالي في دعم مراكز الأبحاث الوطنية لإنتاج مستخلصات الأعشاب العمانية التقليدية وتطوير الأمن الدوائي الذاتي، سيسهم بشكل مباشر في تحقيق محاور رؤية «عُمان 2040»، لتقدم سلطنة عمان نموذجا عالميا ملهما في استرداد صحة الإنسان وجودة الحياة.
د. طاهرة اللواتي إعلامية وكاتبة