أعمدة

«في كل وادٍ يهيمون»

هل يكتب الشعراء ما يعجبهم؟ أم يكتبون ما يعجب غيرهم؟ كثيرا ما سئلتُ هذا السؤال، ورغم أن الإجابة عنه صعبة، فإن الشواهد على الإجابة كثيرة، وهي ببساطة تتلخص في الآتي:

بعض الشعراء يكتبون لغيرهم، يكتبون كي يرضوا الآخرين، ففي الأمسيات يهبطون بمستوى قصائدهم إلى مستوى متدنٍ كي يعجبوا الجمهور، وفي المسابقات يكتبون على هوى المحكمين، وفي كل مجلس يكتبون حسب ما يرغبه المضيف، أو صاحب الجلسة، وفي خارج البلاد يكتبون حسب ما يستهوي الناس هناك، بل ويكتبون حينها بألسنة غيرهم، وفي كل مناسبة لهم مزاج مختلف، وأسلوب يتماشى والجو العام، وحسب ما يطلبه المستمعون!!. وهذه (الظاهرة) كثيرا ما نجدها عند أولئك الشعراء الذين لا يخلصون للشعر، بل أكثرهم يكتبه إما للتكسّب، أو لنيل رضا الآخرين، وهو أمر أصبح شائعا، وخطيرا على موهبة الشاعر، وكثيرا ما لمسناه من شعراء لهم مكانتهم، وتميزهم، ولكنهم ركبوا الموجة من أجل الحفاظ على جماهيريتهم، وحضورهم، ولهم في ذلك وجهة نظر نقدّرها، رغم أنني - شخصيا - لا أؤمن بها، وتقول وجهة نظرهم (لكل مقام مقال، ولكل مناسبة قصيدتها)! والحقيقة - التي أراها - تعتقد أن الشاعر كل لا يتجزأ، يكتب ذاته، وألمه، ورؤيته، ويعكس شخصيته، وهُوية بلده، ويرسم لنفسه مسارا يناسبه، وطريقا يرى فيها قصيدته، صحيح أن هناك مناسبات يشارك فيها الشاعر، ويكتب حسب روح المناسبة، ولكنه لا يتنازل عن خط سيره، ورؤية نصه، فللقصيدة قدسيتها، وهويتها، وروحها، ولا يمكن للشاعر أن يتنازل عن ذلك من أجل الآخرين، ففي كل قصيدة يكتبها شاعرها ترى فيها (كاريزما)، وشخصية كاتبها، وتشعر فيها بذلك التوهج الذي يطغى عليها، ويرسل رسالته إلى الناس بأدواته، وخياله، وأسلوبه، ووعيه، أما أن يتخلى عن كل ذلك، ويكتب لكل ذائقة تقابله، ولكل مناسبة بما يناسبها، فذلك يسيء للشاعر، ويقلل من قيمته، وقيمة سيرته.

وقد كتب كثير من الشعراء قديما وحديثا، أشعارا في مناسبات، مختلفة، من أجل المال، أو في أغراض المدح، والرثاء، ولكنهم ظلوا على يقينهم بالقصيدة، وعلى أساليبهم في الكتابة، ولم يهبطوا بمستوى نصوصهم، ولذلك لا يزال الناس يرددون أشعار المتنبي، أو أحمد شوقي، أو حافظ إبراهيم وغيرهم من الشعراء القدامى، والمعاصرين؛ لأنهم كتبوا في كل حالاتهم، وفي كل مناسباتهم، بأسلوبهم، وبقوة شعرهم، ولذلك تخلد قصائد، وتموت قصائد في أوانها.

اكتبوا كما علمكم الشعر، واخلصوا لقصائدكم، ولا تكونوا كأولئك الذين في (كل وادٍ يهيمون).

مسعود الحمداني كاتب وشاعر عُماني