المنشاوي منبعثًا من أرشيف النسيان
الاحد / 20 / ذو الحجة / 1447 هـ - 20:38 - الاحد 7 يونيو 2026 20:38
في عالم يحتفي بالماديات مركزا محوريا لكل أولوياته، برامجه، خططه الحالية، ومشاريعه المستقبلية، تنافساته الدائمة وصراعاته الدموية القاتلة، تأتي ومضات روحانية مفاجئة بردا وسلاما ومحبة؛ لتسقي الأرواح العطشى وتريح القلوب المنهكة، تعيد إيماننا بمنازل الروح ومدارج القيم، من تلك الومضات احتفاء جمهورية مصر والعالم الإسلامي أجمع بما نشرته إذاعة القرآن الكريم في مصر من تسجيلات نادرة لختمة تلاوة الشيخ الراحل محمد صديق المنشاوي، التسجيلات النادرة كشفت كنزا نفيسا لكل معجبي الشيخ المنشاوي الذي سجّل تلك التلاوة في ستينيات القرن الماضي.
بدأت قصة هذه التسجيلات، عام 1965م حيث سجل المنشاوي المصحف المرتل كاملا على اثنين وثمانين شريطا، فاعتمدته اللجنة المختصة وأشادت به، لكنه استمع إلى التسجيلات بنفسه ليجد بعض الأجزاء أقل جودة مع إمكانية التعديل إكبارا لذلك العمل وإخلاصا له، فطلب إعادة تسجيل اثنين وثلاثين شريطا من الختمة، متعهدا في طلبه الرسمي بإعادة التسجيل دون مقابل مادي، وبتحمل تكاليف لجنة المراجعة على نفقته الخاصة، حتى إذا ما انتهى من العمل وأُجيزت التسجيلات الجديدة عام 1967م، بقيت التسجيلات حبيسة أدراج أرشيف الإذاعة لتظهر الآن بعد ستة عقود من إنهاء العمل، متأملين مع ظهورها المبهج خواطر مُلهمة وأخرى محزنة في غرابة ودهشة.
أما الملهمة فأولها إنتاج الفرد بين تقييم المختص والتقييم الذاتي، كيف يبحث المخلص الحقيقي عن الكمال في عمله؟ لا سيما حين يكون عملا موضوعه كتاب الله فصاحة وإعجازا، كيف أمكن للعمل الحقيقي تجاوز الإشادة والتصفيق بتمام العمل لفضاءات التجويد والتنقيح؟ ثم الضمير المهني وأثره في تجاوز كل المنافذ الإدارية إلى مساحة النقد الذاتي، تحكيم الصوت الداخلي على صخب الأصوات المادحة والمُصَفِّقة، ثم تطوّع المنشاوي لإعادة العمل (وما هو بالعمل الهين؛ إعادة تسجيل 32 شريطا) ليس دون مقابل وحسب، بل مع دفع المقابل للجنة التحكيم التي ستعيد التقييم مرة ثانية من ماله الخاص تأكيدا لفكرة الرسالة من العمل التي يراها أعلى وأهم من الأجر المادي؛ ليتشكل العطاء قيمة معنوية لا تقاس بالمال، ليصبح العمل حينها أقرب للعبادة منه للمهنة، وأخيرا درس الإتقان وبقاء الأثر مهما طالت الأزمان وتبدل المكان.ولا أصدق من تسجيلات قيّمة بقيت ستة عقود بعيدا عن المُدرك الحسيّ، والتلقي الجماهيريّ ليتلقاها اليوم جمهور متصل تتابعيا بكل الاحتفاء وكل التقدير السابق المتصل.
وأما الخواطر المحزنة فتتمثل في ألم المبدع مع إهمال إبداعه، في تسجيلات نادرة بذل صاحبها كل ما بوسعه لتظهر قبل وفاته شاهدا يخلد رسالته ويخلد ذكره، فبقيت حبيسة الأرشيف ليس لسنوات، بل لعقود من النسيان قبل أن يأتي أمر الله لتنقش في الذاكرة، وتتشكل أثرا مضاعفا لا يزول ولا يفنى، في الفجوة بين الجهد والتقدير التاريخي، حيث تهميش الجهد وتجميده وإقصائه وحرمان الجمهور من فائدته بدافع من إهمال (إذ لا سبب محتمل غيره) كيف حرم صاحبه (الذي توفي بعدها بقليل ولمّا يبلغ الخمسين من عمره) من الفرح بوصول صوته وتقدير جهده؟! حزن الكمال المؤجل والتقدير المُعلّق في غيابة الأرشيف، أرشيف الإذاعة المصرية التي رفض القارئ الصعيدي السفر إليها في بدايته، حتى سعت إليه بفريق كامل يقطع المسافات لنقل صوته قبل انتقاله لاحقا للقاهرة، الأرشيف الذي أسر تسجيلات الشيخ المنشاوي كل تلك العقود رغم شهرته حينها مرتبطا بأربعاء كان ينتظرها المصريون حاملة صوت القارئ الباكي، قبل إطلاق سراح صوته مجددا، لتبعث معه كل صنوف التقدير منتصرة للإبداع رغم التقصير، وللأثر رغم الوقت، وللروحي رغم تراكم الماديات. فكم أرشيفا مرّ علينا ونحن نقرأ حكايته؟ كيف ومتى تبدّل وصف الأرشيف من ذاكرة توثيقية لمقبرة للإبداع؟ كيف يمكن لكل أصوات المبدعين تجاوز صمت مقبرة الأرشيف لصنع فضاء خاص وعالم أرحب مع إلحاح على العمل وحرص على تجويده وتطويره، شاهدا خالدا لصاحبه وإن طال الزمان وتعاظم النسيان.
ختاما: لن نستطيع فتح كل الأرشيفات القديمة لإنصاف ما تحتويه من إبداعات مجنيٍّ عليها، لا لقصور فيها، بل لعجز بيئة العمل عن استيعابها وتوثيقها والتسويق لها، كم في الأرشيف من مظالم المؤسسة جهلا أو إهمالا؟! في قصة تسجيلات المنشاوي عِبرٌ شتّى، دروسٌ مؤثرة وتساؤلاتٌ كثيرة، لعل أهمها يتناول قدرة هذه التسجيلات على البعث من رماد الأرشيف بعد ستة عقود من إنتاجها، ووصولها رغم ذلك إلى ذائقة جمهور القرن الحادي والعشرين في خضم وتسارع أدوات التكنولوجيا الحديثة التي ربما قُدَّر لها الإسهام في تجسير الممكنات لوصول هذا العمل العظيم لجمهور أنهكته الماديات، ونالت من روحه الصراعات فردية ومجتمعية ومؤسسية، صوت المنشاوي المُحتفى به من قبل كثيرٍ من القنوات الإعلامية، ومواقع التواصل الاجتماعي جدد الرجاء في قدرة الإبداع (صادقا) على البقاء متحديا كل عوامل الزمن، أعاد الأمل في كثير من السعي المخلص، تماما كصوته المتهدج بالتلاوة منبعثا من جديد طمأنينة دائمة ودمعًا سخيًا.