أفكار وآراء

الشرق الأفريقي: الحديقة الخلفية لسلطنة عمان

أصبح الاستثمار في القارة الأفريقية توجهًا عالميًّا، حيث تتسابق القوى الاقتصادية الكبرى مثل الصين والهند وتركيا والكيان الإسرائيلي، وكذلك دول الخليج، إلى تعزيز حضورها هناك، وهي التي تُوصف بأنها «القارة الواعدة». ومؤخرًا، بدأت سلطنة عمان خطوات استثمارية مهمة في بعض دول جنوب القارة مثل بوتسوانا وناميبيا وأنجولا، عبر مشاريع في الطاقة والتعدين والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي، ممّا يعكس رغبة واضحة في تنويع مصادر الاقتصاد والانفتاح على أسواق جديدة. ويُمثل الاستثمار العُماني في أفريقيا توجهًا استراتيجيًّا لتحقيق «رؤية عُمان 2040» لتعزيز الشراكات الاقتصادية وتوسيع الأسواق، حيث يعمل جهاز الاستثمار العُماني على استغلال المقومات التاريخية والجغرافية لربط سلطنة عمان بالأسواق الأفريقية. وربما من أهم ملامح هذا التوجه الاستثماري، تأسيس البنك الأفريقي العُماني في العاصمة الأنغولية لواندا. 

لا بد من القول إنّ الاهتمام بالسوق الأفريقية، هو أمرٌ محمود بلا شك، ولتكن تلك الدول البداية، حتى نصل إلى منطقة أخرى أكثر قربًا لعُمان وأكثر انسجامًا مع هويتها وتاريخها، وهي الشرق الأفريقي وخاصة زنجبار، بسبب علاقاتها التاريخية بعُمان؛ فعبر التاريخ ظلّ شرق أفريقيا يمثل الحديقة الخلفية لعُمان؛ وظلّ «عمقَها الإستراتيجي» و«سلةَ الغذاء الإستراتيجية» في أوقات النزاعات الداخلية، كما ظلّ الملاذَ الآمن في أزمنة الحروب وشح الطعام والصراعات السياسية؛ لذا فإنّ من الإستراتيجيات الصائبة، بناء قاعدة اقتصادية في شرق أفريقيا، لما يتمتّع به من موارد هائلة. ولا يخفى أنّ شرق ووسط أفريقيا من المناطق الغنية بمواردها الطبيعية والمعدنية وقاعدتها السكانية العريضة. 

صحيح أنّ المنطقة تبدو غير جذابة للبسطاء، إلا أنّ المكونات الأساسية موجودة هناك، وما تفتقده هذه المنطقة حاليًّا هو اللاعب الأساسي الملائم الذي يمتلك رؤية مستقبلية ثاقبة. ويكفي أن ندرك أنّ دولة مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها تحتل مساحة تعادل مساحة أوروبا الغربية كلها، وهي غنية بالموارد الطبيعية وبها جالية عُمانية صغيرة وثرية. 

إنّ التسابق الاقتصادي على الشرق الأفريقي، أعاد إلى ذاكرتي ما قاله لي خالي حمد بن سعيد المحروقي رحمه الله، من أنه في لقائه مع الرئيس سالمين عامر رئيس زنجبار في وقت مبكر، ربما يكون ذلك عام 1999، قال له الرئيس: «إنّ هذه مناطق نفوذكم، لكنكم تأخرتُم وسبقكم الآخرون». وإذا كان هذا الكلام قيل قبل أكثر من ربع قرن، ماذا يمكننا أن نقول الآن؟! هل اتخذنا خطوات فعالة - بعيدة عن التصريحات الإعلامية - لكي يكون لنا وجود اقتصادي واستثماري حقيقي هناك؟! ثم إذا كان الآخرون قد سبقونا في ذلك الزمن، أين يمكن أن يكونوا قد وصلوا الآن؟! 

إنّ زنجبار بقدر ما هي جزيرة سياحية تتمتع بكلِّ المقومات الاقتصادية، فهي أيضًا سجلٌ حيٌّ للتاريخ العُماني، إذ كانت يومًا عاصمة ثانية لعُمان، ومنها انطلقت تجارة القرنفل والعاج إلى العالم، وأصبحت قوة بحرية وتجارية تربط الخليج بشرق أفريقيا، وتَسابَق العالمُ إلى إقامة علاقات دبلوماسية معها وفتحت لها السفارات والقنصليات. 

واليوم فإنّ المساجد والقصور والحصون والأسواق التي بناها العُمانيون أصبحت مواقع سياحية تحقق أرباحًا طائلة، وتجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم. وهذا التراث هو أصلٌ اقتصاديّ وثقافيّ يمنح عُمان ميزة لا يملكها غيرها، ويجعل من زنجبار بوابة طبيعية لإعادة الحضور العُماني في المنطقة عبر بوابة الاقتصاد والاستثمار. 

وإلى جانب الآثار، تمتلك عُمان قوى ناعمة فاعلة في الشرق الأفريقي، منها الجالية العُمانية الممتدة في تنزانيا وكينيا وأوغندا ورواندا وبوروندي وزائير وجزر القمر، وهو ما يعزز الثقة ويُسهّل بناء الشراكات. وكذلك لا يمكن أن نغفل أنشطة الجمعيات الخيرية العُمانية في التعليم والصحة والتنمية المجتمعية، إذ تركت أثرًا إيجابيًّا، ورسخت صورة العُماني كفاعل خير وشريك موثوق؛ وهذا القبول الذي يلقاه العُمانيّ في المجتمعات المحلية هناك هو رصيدٌ استراتيجيّ ينبغي استثماره بذكاء. 

ولكي لا نظل أسرى للغة التاريخ، يمكن أن نتساءل: ماذا يمكن أن تستفيده عُمان من الشرق الأفريقي؟ الإجابة هي الأمن الغذائي عبر الاستثمار في الزراعة وإنتاج البقوليات والبُن والشاي والقرنفل والفواكه والبهارات، وكذلك اللحوم، لدعم الاكتفاء المحلي وفتح أسواق تصدير، فما شاهدناه في زياراتنا لتلك المنطقة من خيرات، يكفي السوق العُماني تمامًا، إذا أحسنّا استغلال التصدير والاستيراد. ثم هناك قطاع السياحة، وهو قطاع هام الآن، وذلك عبر تطوير السياحة الثقافية، والاستفادة من الروابط التاريخية والآثار العُمانية، وهي مصدر دخل أساسي لزنجبار حاليَّا. 

ويمكن أيضًا استغلال الموقع الاستراتيجي، عبر الاستثمار في الموانئ والمناطق الحرة على المحيط الهندي لربط الخليج بأفريقيا وتحويل عُمان إلى مركز لوجستي عالمي. وليس المطلوب أن تدخل الحكومة مباشرة في مثل هذه المشاريع، بل أن تعمل على تهيئة الجو للمستثمرين العُمانيين عبر توقيع اتفاقيات حماية الاستثمار وتجنب الازدواج الضريبي، وتسهيل حركة رؤوس الأموال عبر البنوك العُمانية أو شراكات مالية إقليمية، ودعم العُمانيين المقيمين في تلك الدول. ولا بد أن نشير إلى أنّ هناك عُمانيين حققوا نجاحات كبرى في مجال التجارة والصناعة يشار إليهم بالبَنان. 

وحقيقةً متى ما كانت هناك رغبة جدية في تطوير هذا الأمر، فإنّ ثمة متخصصين يمكن أن تؤخذ آراؤهم بعين الاعتبار، خاصةً إذا علمنا أنّ تقارير وتوصيات كثيرة رُفعت للمسؤولين في الدولة من قبل بعض الغيورين أو ممن زاروا تلك المنطقة، إلا أنّ تلك التقارير والتوصيات ظلت حبيسة الأدراج، للأسف الشديد، رغم مرور السنوات الطوال عليها. 

ما أود قوله إنّ الاستثمار في أفريقيا ممتاز، لكن إذا أردنا أن نلعب على نقاط قوتنا، فإنّ زنجبار - والشرق الأفريقي عمومًا - هي المكان الطبيعي والمناسب لعُمان، - مثلما أشرتُ سابقًا -، فهناك تاريخ وقواسم مشتركة، وهناك جالية عُمانية نشطة لها القبول، وهناك قوى عُمانية ناعمة فاعلة، وهناك فرص اقتصادية واعدة. والمطلوب اليوم أن نولي هذه المنطقة الاهتمام الذي تستحقه، فهي بمثل ما كانت ساحة خلفية لعُمان عبر التاريخ ستبقى كذلك، ولا ينبغي لنا أن نفرط في مناطق نفوذنا التي صنعت حضورنا وأعطتنا ما لا يملكه غيرُنا، كما قال الرئيس سالمين عامر لخالي حمد رحمه الله. 

إنّ الاهتمام بزنجبار والشرق الأفريقي هو خيارٌ استراتيجيّ يعيد لعُمان دورها الطبيعي كجسر بين الخليج وأفريقيا، ويضمن أن تبقى لاعبًا مؤثرًا في واحدة من أكثر المناطق الواعدة في العالم. 

زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.