من وراء كل هذا الصخب.. ترامب يرتعد خوفًا
السبت / 19 / ذو الحجة / 1447 هـ - 21:16 - السبت 6 يونيو 2026 21:16
ترجمة: أحمد شافعي
في الآونة الأخيرة، شرع الرئيس دونالد ترامب، وهو المعروف بأنه استعراضي دائما وأبدا، في لعب دور اللامبالي بأي شيء.
ماذا عن انتخابات الكونجرس التي تحين يوم الثلاثاء الثالث من نوفمبر؟ هي آخر ما يشغل باله. فقد قال خلال اجتماع وزاري الأسبوع الماضي «إنني لا أكترث بانتخابات التجديد النصفي». فابتهج الديمقراطيون بذلك. بينما شهق المعلقون كمن يتابعون انتحارا سياسيا.
وماذا عن أسعار الوقود الفلكية؟ «هي محض هراء» كما قال قبل أسبوعين مقللا مما يشعر به الأمريكيون غير فاحشي الثراء من ألم بينما يتباهى هو بفخامة قاعة الرقص الجديدة التي يحاول إقامتها. فمن العار أنه لم يعش في فرنسا قبل قرنين ونصف القرن إذ كان يمكن أن ينسجم هو وماري أنطوانيت أتم الانسجام.
بتعاليه ولامبالاته في الحديث وقراراته المتغطرسة ـ ومنها تأييده لكين باكستن الذي بات الآن مرشح الجمهوريين الضعيف في سباق مجلس الشيوخ الأمريكي الحاسم في تكساس ـ يتكون انطباع بأن الرئيس ينعم بثقة لا تهتز ولا مبالاة تامة بالحكم الذي يوشك أن يصدره الناخبون.
فلا يخدعنكم هذا. قد تكون الغطرسة والانفصال بلغا به ألا يبالي بقدر ما ينبغي، لكن لهذه اللامبالاة العلنية أسبابها. ولها أيضا استثناءاتها الكثيرة.
فالدليل الأوضح على اهتمامه البالغ بانتخابات التجديد النصفي هو أنه بذل محاولات مضنية لإعادة ترتيب الأوراق بما يضمن ترجيح كفة الجمهوريين. فقد تعجل الجمهوريون خلال الأشهر الأخيرة بتلاعب ـ شهد إعادة ترسيم للدوائر الانتخابية في تكساس وكارولينا الشمالية وفلوريدا وغيرها ـ لم يحدث من تلقاء نفسه وإنما سعى الجمهوريون في الولايات المختلفة إلى كسب دعمه لهم فيها. وهو الذي أمرهم بالقيام بها. بل واشتد عليهم في واقع الأمر. وعاقب بشدة أي عصيان، ويشهد على ذلك الجمهوريون الذين خسروا ترشيحهم أخيرا في ولاية إنديانا أمام منافسين يحظون بدعم ترامب.
ولا علاقة لنجاح حملة الترهيب هذه بالمنافسة الرئاسية في عام 2028 أو بسباق مجلس الشيوخ في عامنا هذا. ولكنها تتعلق جميعا بمجلس النواب، فهو الغرفة الأكثر تأثرا بتقلبات انتخابات التجديد النصفي وهو الذي يحتمل أن يكون الديمقراطيون فيه أصحاب موضع أفضل لاستعادة الأغلبية. وإن لم يكن ذلك مثيرا لقلق ترامب، بل ورعبه، فلماذا كل هذا الصخب والتهديد؟
ولماذا الإصرار بضراوة على قواعد جديدة للتصويت في عموم البلد؟ ذلك أيضا لا يتعلق بــ 2028، إذ أن عجزه عن الترشح للبيت الأبيض مرة أخرى يقلل من استثماره في هذه القيود. ولكن الأمر يتعلق بانتخابات التجديد النصفي. فهو يضغط على الجمهوريين في الكونجرس من أجل إجازة تشريع من شأنه ـ مع إجراءات أخرى ـ أن يحد من التصويت عبر البريد وأن يطلب من الراغبين في التسجيل للتصويت دليلا على المواطنة. إذ من الواضح أنه وحلفاؤه يعتقدون أن هذه التغييرات كفيلة بتقليل الناخبين الديمقراطيين أكثر من الجمهوريين.
يعلم ترامب بلا شك أن من المستبعد كثيرًا على مجلس الشيوخ أن يجيز ذلك التشريع الذي أجازه مجلس النواب بأغلبية ضئيلة. لكن تأكيداته المفرطة لضرورته تخدم خرافته الأثيرة وهي أن الديمقراطيين يسرقون الانتخابات، فلا بد أن يبذل الجمهوريون جهودا خارقة للدفاع عن أنفسهم وعن البلد. والطاقة الهائلة التي يكرسها لهذا الهراء دليل على قلق لا ينكر ينتابه حيال انتخابات التجديد النصفي؛ فهو يبادر إلى نزع الشرعية عن أي نتائج ترفضه ويطعن فيها.
استند بعض المراقبين السياسيين إلى افتقار حرب إيران إلى الشعبية ـ وعجز إيران عن تحقيق تأييد شعبي لها قبل شروعه في الضربات الأولى ـ باعتباره دليلا على أن تركيزه غير منصب بالقدر الكافي على انتخابات التجديد النصفي. وهذا مردود عليه بحجة واضحة: فغزوته الخاطفة في فنزويلا أشعرته بفيض من الزهو والامتلاء جعله لا يشعر بأي احتياج إلى الكدح في التخطيط والاستعداد لنصره المثير التالي.
فالطيارون الأمريكيون سوف ينقضون، ثم يسارعون بالرجوع إلى الوطن في الوقت المناسب لحضور مواكب النصر. فالدلائل جميعا تشير إلى أن ترامب لم يقرر المخاطرة بإغلاق مضيق هرمز وما يعقبه من ارتفاع كبير في ما يدفعه الأمريكيون في محطات الوقود. كل ما في الأمر أنه لم يستشرف هذه الاحتمالات.
وهو الآن حينما يتحدث عن استعداده لاحتمال أي ثمن سياسي يتحتم عليه للقضاء على تهديد إيران النووي، فليس ذلك من باب القيادة السامية بعيدة النظر المنكرة للذات. (ولعلكم لم تقابلوا ترامب؟) إنما هي محاولة لاحتواء الضرر. وما قوله «إنني لا أبالي بانتخابات التجديد النصفي» إلا ما يقوله امرؤ أفسد بنفسه كل شيء ويحاول أن يجعل من عجزه جسارة.
فضلا عن أن ترامب وأنصاره لا يقبلون باستطلاعات الرأي التي سبق أن استهانت به. فهو أعلم من الخبراء والمنتقدين. وكثير من أولئك قالوا إنه لن يفوز في عام 2016 ثم فاز. وكثير منهم قالوا إنه لن يتمكن من الرجوع في عام 2024 فأراهم بأعينهم. ولو أنهم يقولون الآن إن إيران نذير شر له، فلعله يبين لهم العكس.
وأنصاره ثابتون. وهذا هو الدرس الذي تعلمه من الإدانة الجنائية التي لم تعقه مطلقا ومن رؤية أنصاره لفظاظته باعتبارها أصالة، وقسوته باعتبارها جرأة، ولصوصيته باعتبارها عبقرية تجارية. ومن جهة، سيكون من الحكمة الانتظار إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي للإصرار على حمايته من أي تحقيق ضريبي وعلى أن تخصص وزارة العدل 1776 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب لصندوق يكافئ به الموالين له. ومن الجهة المقابلة، لم يكن استهزاؤه الدائم بالأخلاقيات وبالا عليه من قبل، فلماذا لا يفعل ما يطيب له وقتما يشاء؟
وهذا ما يفضله على أي حال. فما معنى كل ما لديه من سلطة إن هو تردد في استعمالها؟ فدعم باكستن حقق الفوز على نحو ما كان ليحققه دعم منافسه السناتور جون كورنين في الانتخابات التمهيدية. ولفت قدرا أكبر من الأنظار، وتسبب في مزيد من الضيق وجعل الجميع يتكلمون عن قوة قاعدة ترامب الشعبية. وهم لم يصم أذنيه عن الأصوات التي دعت إلى كورنين باعتباره استراتيجية أمان. لكن رغبته في تحطيم التوقعات ونزعته إلى إثارة المشاكل كانتا أكثر وضوحا. فاختار المسار المغامر المتفاخر. وذلك دأبه.
في اجتماع للجمهوريين عقد في مطلع العام، اعترف ترامب للمشرعين من حزبه بأنه في الغالب «إذا ما فاز حزب بالرئاسة فإنه يخسر التجديد النصفي». فذلك ما حدث له في منتصف ولايته الأولى.
وقال لهم «عليكم أن تفوزوا بانتخابات التجديد النصفي لأننا لو لم نفز بانتخابات التجديد النصفي فإنه،... أعني أنهم سوف يجدون سببا لعزلي. سوف يعزلونني».
لا يبدو هذا شبيها بالإنكار. ولكنه شبيه بالغم. وبرغم أن الأشهر الخمسة المنصرمة منذ ذلك الحين ربما شتتت تركيز ترامب وفصلته عن الواقع أكثر مما هو منفصل عنه في العادة، فهي لم تفقده الوعي. وهو من وراء كل هذا الصخب والتصنع، يتعرق خوفا.
ـ فرانك برونج أستاذ الصحافة والسياسة العامة في جامعة دوك، ومؤلف كتاب «عصر الظلم» وهو كاتب مشارك في صفحة الرأي بنيويورك تايمز.