أليجورية «أولاد حارتنا»!
السبت / 19 / ذو الحجة / 1447 هـ - 21:00 - السبت 6 يونيو 2026 21:00
(1)
«مملكة الله: نجيب محفوظ في أولاد حارتنا» للناقد والأكاديمي الكبير الدكتور محمد بدوي هو الكتاب الأول الذي يصدر في إطار مشروع كبير طموح ضخم لإعادة قراءة نجيب محفوظ وتأويله بعد معايشة تكاد تكون تامة وكاملة ومتصلة لمدة عشرين عاما أو يزيد..
طوال هذه المدة أنجز بدوي مشروعه من حيث هو في مجمله دراسات مفصلة ومعمقة في أدب نجيب محفوظ كله محاولا استخلاص 'رؤية العالم' لدي نجيب محفوظ وتصوراته التي صاغها إبداعا سرديا حول الوجود البشري، ولم لا وقد انطلق بدوي من فكرة تأسيسية ربما تحظى بالتوافق والإجماع الآن بين الباحثين والدارسين والمتخصصين في الرواية العربية عمومًا، وأدب نجيب محفوظ بالأخص؟
فنجيب محفوظ -ببساطة واختصار- هو الذي قدم أعلى صياغة أدبية لفكرة 'الهوية' ليس فقط في المجتمع المصري، وإنما أيضا للدائرة الأوسع عربيًّا وإسلاميًّا، ومشروع محفوظ السردي هو الأكثر اكتمالًا روائيًّا في الأدب العربي الحديث طوال القرنين الماضيين.
وقد توقف بدوي تفصيلا أمام «أولاد حارتنا» لأسباب سترد تاليا في ثنايا هذه القراءة، لكن من المهم هنا الإشارة إلى أن بدوي قد صرح في كلمته حول هذا الكتاب أن ما أغراه بالوقوف طويلا ومليا أمام «أولاد حارتنا» أن ضرورة أن يقرأ هذا الكتاب كما يقرأ أي نص أدبي آخر بعينه، وأن يوضع هذا النص في السياق الذي أنتجه؛ لأن الرواية (أي أولاد حارتنا) تجبر أي قارئ لها على ذلك؛ بمعنى أن الرواية بتشكيلها وأنساقها الجمالية ولغتها تقع في المنتصف بين الحقيقة والخيال، بين الرمز والمرجع، بين المفكر والفنان...إلخ.
(2)
كنا ألمحنا إلى أن بدوي في كتابه «مملكة الله ـ نجيب محفوظ في أولاد حارتنا» يقرأ الرواية المثيرة للجدل في ثلاثة سياقات متصلة ومتداخلة؛ في سياق أعمال مؤلفها الطويلة والقصيرة أولًا، وفي سياق 'السرود المقدسة' في أرشيف الأديان التوحيدية بمختلف تجليَّاتها ثانيًا، وفي سياق الواقع الذي أنتج كاتبًا مغامرًا أَقْدَمَ مأخوذًا بسحر الكتابة على تخيُّل تاريخ البشر كما صاغته هذه السرود، ليكون «الماضي» قابلًا للاستدعاء من أجل حلم لم يتحقق قط، ولكنه «يجب» أن يظل قادرًا على العيش فينا..
يطرح الكتاب قراءة تحليلية متعمقة لواحدة من أكثر روايات الأديب نجيب محفوظ إثارة للجدل، وأكثرها فتحا لأبواب الاشتباك النقدي والمعرفي والفكري، ويكشف ببراعة وجلاء كيف نجح نجيب محفوظ في تدشين حق الكاتب العربي المسلم في استلهام التاريخ والأساطير والسرود المقدسة من أجل التعبير عن رؤيته الذاتية لتاريخ البشرية.
أقام بدوي محاور القراءة النقدية على كشف العلاقة بين السرود المقدسة وبين رواية محفوظ. فيفكك 'بدوي' علاقة الرواية بالقصص الديني المقدس في الديانات التوحيدية الثلاث، وكيف وظف 'محفوظ' التاريخ البشري، والقداسة الدينية في إطار روائي رمزي.
كما حلل بدوي أيضا سياق الكتابة أو بعبارة أخرى كشف بدوي أنساق اللحظة التاريخية السياسية الاجتماعية التي كتب فيها محفوظ روايته، ويناقش الواقع الذي دفع 'محفوظ' لخوض هذه المغامرة الأدبية الجريئة مستدعيا 'الماضي' للتعبير عن تطلعات إنسانية دائمة.
(3)
ما الجديد الذي قدمه بدوي هذه المرة؟ وما حدود التأويل الذي طرحه للرواية المثيرة للجدل والغضب (لدى البعض)؟
يرى بدوي أن نجيب محفوظ كاتب كلاسيكي كبير، حتى وهو يجرب أشكالا تجريبية جديدة من الكتابة، يظل نجيب محفوظ 'كاتبا كلاسيكيا' وهو في ذروة تعبيره عن الحداثة. و'كلاسيكي' هنا -بحسب بدوي- تعني أنه أصبح من الكتّاب المؤسسين في ثقافةٍ ما ولغةٍ ما؛ فهو المؤسس الحقيقي للرواية العربية بلا جدال.
وقد خاض نجيب محفوظ معارك حقيقية ككاتب، وكمواطن أيضًا، وكاد أن يفقد حياته في حادثة اغتيال بشعة بسبب كتابته لرواية «أولاد حارتنا» (1959)؛ هذا الكتاب الجميل الذي لم يأخذ حقه، ولم ينظر إليه باعتباره عملا «أليجوريًّا» رفيعا يتحاور مع السرود المقدسة؛ ويستلهمها وينطلق منها في صياغة موقفه ورؤيته للعالم والإنسان.
يرى بدوي أن الضجة التي أثارها المحافظون من أنصار التيار الديني حول الرواية جعلت النقاد ينطلقون من موقف الدفاع عنه؛ ولذلك ظلمت هذه الرواية ظلما بينا، ونظر إليها باعتبارها مجرد تماثل أولي وساذج مع 'الحكايات المقدسة' أو 'القصص الديني المقدس' في العهد القديم (التوراة)، وفي الإنجيل، وفي القرآن.
والحقيقة أن الرواية لم تكن أبدًا مجرد تماثل بين المسارين، التماثل هنا مجرد الخطوة الأولى ليقول كلمته ورؤيته عن العالم.
وحينما شرع بدوي في قراءة الرواية ومواجهتها 'تأويليا' لم يكن يعبأ بأي كتابة أخرى أو رأي آخر خارجها؛ بمعنى أنه انطلق في مقاربتها وقراءتها من تجربته الخاصة ووعيه الآني أثناء القراءة، فتعامل مع الرواية كما يتعامل مع أي نص آخر يواجهه للمرة الأولى دون سابق ارتباط أو تحضير أو قراءات سابقة.
يتجنب بدوي اللغة النقدية العنيفة المثقلة بالمباشرة أو تلك اللغة النقدية الطافحة بالتحليل السياسي والاجتماعي. إنما يسعى لإقامة حوار حر وخلاق مع الرواية؛ فكل كتاب إبداعي هو تجربة قرائية مستقلة، أو تجربة خاصة في قراءة النص الأدبي.
ورواية «أولاد حارتنا» تغري تماما بهذه القراءة؛ لأنها رواية تأخذ قارئها إلى مناطق بعيدة جدًا في الوعي الإنساني من لحظة نزول الكتب المقدسة حتى الآن. كما أن الرؤية الإنسانية العميقة للرواية تجعل حتى المختلفين معها يحترمون ما كتبه محفوظ ويقدرونه؛ ولهذا يرى بدوي أن الغرب كان أكثر إنصافا للرواية وتقديرا لها كما تبدى ذلك في حيثيات الفوز بجائزة نوبل عام 1988.
(4)
في اللحظة التي قرَّر نجيب محفوظ أن يكتب فيها «أولاد حارتنا» كان يسير وراء عقله الضاج بالأسئلة؛ وبالتالي فهو لم يكن يكتب منطلقا من فكرة تبني وجهة نظر ما، أو رؤية بذاتها (حتى وجهة النظر الإسلامية التي ينطلق من معتقدها والإيمان بها إيمانا كاملا وتاما)، إنما كان يتبنى موقفا وسطا أو محايدا من وجهات النظر اللاهوتية للديانات الثلاث في رؤيتها للعالم وحياة الإنسان على الأرض.
يقرر بدوي في كتابه أن نجيب محفوظ قد تعامل مع السرود المقدسة، كفنان يتعامل مع إرث عظيم، وأعاد كتابته في الفضاء المكاني الأثير لنجيب محفوظ وهو 'الحارة المصرية'.
أي أن نجيب محفوظ قد قام بعملية استزراع سردي 'حكائي' لتراث أو إرث إنساني عظيم، أتى به من الماضي، وقرر أن يكتبه في المكان المصري التقليدي 'الحارة'.
الحارة هي المكان الذي نشأ فيه نجيب محفوظ ويعرفه جيدا، ويعرفه أغلبية المصريون من أبناء الطبقات الوسطى والفقيرة، وقد أدار نجيب محفوظ أشهر رواياته وأذيعها صيتا قبل أولاد حارتنا في الحارة؛ على سبيل المثال:
رواياته الواقعية الشهيرة «زقاق المدق»، و«بداية ونهاية»، و«الثلاثية» (بين القصرين وقصر الشوق والسكرية)، ولاحقا ظهرت بتنويعات مختلفة وجمالية فريدة في قصصه القصيرة، ورواياته التالية: «قلب الليل»، «حكايات حارتنا»، و«ملحمة الحرافيش»... إلخ.
يقرأ بدوي الرواية أيضا في سياق التطور الفني والفكري والجمالي لنجيب محفوظ، لا يمكن قراءة أولاد حارتنا بمعزل عن المراحل الفنية لنجيب محفوظ قبلها، وبعدها، وكلنا يعلم أن نجيب محفوظ بدأ رحلته بكتابة الرواية التاريخية الكلاسيكية، ثم الرواية الواقعية بمعمارها الفخيم الشاهق، ثم انتقل انتقالة جسور إلى رواية الفكرة في «اللص والكلاب»، و«الشحاذ»، و«ثرثرة فوق النيل»، ووصولا إلى نصوصه الأخيرة التي تشبه قصيدة النثر (أصداء السيرة الذاتية، وأحلام فترة النقاهة، والأحلام الأخيرة).