عمان اليوم

حارات إزكي التاريخية .. توثيق هندسي عالمي ينتظر التدفق الاستثماري على أرض الواقع

 

لم تكن ولاية إزكي مجرد بقعة جغرافية عابرة في قلب محافظة الداخلية، بل تمثل واحدة من أقدم مراكز الاستيطان البشري في سلطنة عُمان، وشاهدةً على حضارة ممتدة إلى ما قبل الميلاد، وحارتا 'اليمن' و'النزار' في ولاية إزكي ليست مجرد تجمعات سكنية طينية فقط، بل هما انعكاس حي لمسار التطور العسكري والاجتماعي والتنوع القبلي؛ الأمر الذي يضعنا أمام ثروة تاريخية نادرة تخضع اليوم لجهود توثيق هندسي متقدمة، بانتظار استراتيجية استثمارية مرنة تحولها إلى وجهات سياحية عالمية ومتاحف حية نابضة بالحياة، وتبحث حارات ولاية إزكي القديمة عن 'طوق نجاة' استثماري يعيد إليها نبض الحياة اليومية، ويعزز الاقتصاد والاستثمار في الولاية والاستفادة من التجارب المحلية للنهوض بهذا الإرث ليكون داعمًا استراتيجيًا في تمكين أبناء ولاية إزكي سياحيًا واقتصاديًا، من خلال تذليل التحديات التي تحول دون ذلك، وتكاتف الجهات الحكومية والأهلية لوضع خارطة طريق واعدة لاستثمار هذه الأطلال وتحويلها إلى منتجات سياحية تخلق فرص عمل ويستفيد منها المجتمع المحلي.
وقال الدكتور إبراهيم بن محمد العامري: تقف ولاية إزكي كواحدة من أقدم مراكز الاستيطان البشري في سلطنة عُمان، وشاهدة على تاريخ طويل من الاستقرار الإنساني، حتى أصبحت عبر التاريخ نقطة تجمع للحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتُعدّ حارتا اليمن والنزار من أبرز الحارات التاريخية في سلطنة عُمان التي تميز تاريخ هذه الولاية، وهما تمتازان بعدة جوانب تاريخية تجعلهما مختلفتين عن كثير من الحارات الأخرى؛ لارتباط ذلك بالتسلسل التاريخي للوجود البشري الذي يعكس قدم الاستقرار في هذه الولاية العريقة، وهو أمر نادر الوجود مقارنة ببقية الحارات في سلطنة عُمان، وهي قيمة تاريخية عميقة تؤكد قِدم تلك الحارات عن مثيلاتها في سلطنة عُمان عبر التاريخ، وحارتا اليمن والنزار ليستا مجرد تجمعات سكنية، بل تمثلان انعكاسًا حيًا لمسار التطور التاريخي عبر الزمان، إلى جانب قِدمهما وتنظيمهما واستمرارية هويتهما، مما يجعلهما فريدتين في تاريخ الحارات العُمانية.


وأكد أن التاريخ دائمًا ما يمتزج مع التراث الحضاري والجغرافيا ليلعب دورًا مهمًا في تشكيل النسيج الاجتماعي للمجتمع القديم وصولًا إلى التاريخ الحاضر في وحدة اجتماعية متكاملة تجمع بين كل مناحي الحياة، وارتباط ذلك بالقيم الاجتماعية والعلاقات الاقتصادية والتجارية وسهولة التنقل التي أوجدتها وسائل التواصل وتبادل المصالح في بيئة تميزت بالعديد من عوامل الاستقرار السياسي، وما هيأته التحصينات الدفاعية وتفرد الموقع الجغرافي كموقع استراتيجي بين المناطق يتوسط عددًا من الولايات المهمة في محافظة الداخلية، إضافة إلى وفرة المياه والإنتاج الزراعي والحيواني، وكذا شبكة الطرق التي جعلت من الحارتين نقطتي تجمع واستراحة للتجار والمسافرين ومحطة عبور للقوافل التجارية كمركز رئيسي للتبادل التجاري، وهو ما أدى إلى ازدهار الحارتين، وهذه العوامل زادت من مستوى الحماية الطبيعية نظرًا لموقعها بين الجبال والأودية، حيث وفرت نوعًا من الحماية، ما شجّع الناس على الاستقرار فيها وبناء حارات متماسكة وآمنة، كما أن الدور الاجتماعي والديني للحارات القديمة لم يكن فقط للسكن، بل ضمّت مساجد وأسواقًا ومجالس، فأصبحت مراكز للحياة اليومية والتفاعل الاجتماعي. باختصار، جمع موقع إزكي بين سهولة الوصول ووفرة الموارد والأمان، فحوّل حاراتها القديمة إلى مراكز حيوية نابضة بالحياة، مما جعل الحارتين نموذجًا فريدًا ووجهة رائجة في النشاط التجاري.
وأوضح أن الشهرة التي اكتسبتها بعض الحارات في ولاية إزكي، إلا أن هناك حارات وقرى أخرى أقل شهرة رغم تاريخها وأهميتها التاريخية والتراثية ومكانتها الأدبية، نظرًا لما تحمله في طياتها الكثير من الدلالات التاريخية والثقافية، ونذكر هنا في هذا السياق قرى مثل إمطي وقلعة العوامر وسيما ومقزح والقريتين وسدي وشافع والخرماء والسياحي وغيرها الكثير، حيث تُذكّرنا هذه المواقع الحضرية بزمنٍ كانت فيه أنماط الحياة اليومية والبنى الاجتماعية أكثر ارتباطًا بالأرض والماء، وهي شاهد حي على قدرة الإنسان ليكتب التاريخ الحضاري في جزء من تراب هذه الطاهرة التي أحبها وتمسك بها رغم تحديات الزمن، لكن المصادر التاريخية لم تغفلها، بل ظلت ولا تزال تجسد تنوعًا حضريًا كمراكز إنتاج واستقرار اجتماعي ارتبطت به حياة الناس في كل تفاصيلها اليومية.
وبين أن هناك العديد من الجهود التي بُذلت على المستوى الحكومي والأهلي لتوثيق بعض هذه الحارات والمرافق المجاورة لها في العديد من قرى وحارات ولاية إزكي وفق الحالة الراهنة للمخططات الهندسية عن مصادر رسمية وأبحاث معتمدة، مثال ذلك حارة اليمن التي تم توثيقها هندسيًا ضمن مشروع أعدته وزارة التراث والسياحة مع فريق دولي من الباحثين، اشتمل على مسوحات هندسية لمواد البناء وأنماط الشوارع والبيوت وخرائط توضح شبكات الأزقة ومساراتها وموقع المباني العام، وقد اكتمل هذا المشروع في عام 2013م، ويُعدّ واحدًا من أرفع الوثائق الهندسية للحارات العُمانية القديمة. كما أن هناك جهودًا أخرى لتوثيق المرافق التراثية من مساجد وآبار، مثال ذلك ترميم وصيانة مسجد مقزح الأثري الذي خضع لعمليات ترميم واسعة مؤخرًا، بما في ذلك إصلاح الجدران والأقواس وحماية الهوية البنائية الأصلية للمسجد. إلى جانب ذلك، تم ترميم وصيانة بعض الآبار والأفلاج في الحارات القديمة، ففي حارة اليمن توجد آبار قديمة متعددة، وقد تم حصرها ضمن عمليات المسح الهندسي، وشملت (طوي معيوة، وطوي البرج، وطوي الجامع). كما أن هناك جهودًا تُبذل من الجهات الرسمية والفرق الأهلية بالولاية كمشاريع الترميم والتطوير الحديثة لحارة اليمن لتنفيذ مشروع الهوية البصرية والمسوحات الهندسية للشوارع والمرافق والبنى الأساسية تمهيدًا لاستكمال متطلبات التطوير لتحويلها إلى متحف ثقافي. إضافة إلى ما ذُكر، تم عمل مسوحات هندسية للساحات والأبواب والأبراج والآبار والمرافق العامة داخل الحارة، بما يتضمن خرائط تصميم دقيقة تمهيدًا لتهيئة البنية الأساسية وجعلها وجهة سياحية.
وأضاف: انطلاقًا من التوصيات التي خرجت بها ندوة إزكي عبر التاريخ الثالثة (حارات إزكي القديمة: تأريخها وسبل استثمارها)، أكدت الندوة من خلال البحوث المقدمة أهمية أن تكون مشاريع حارات إزكي ضمن المشروعات الاستراتيجية ذات الطبيعة السياحية والتراثية المستدامة، ويجب أن تتكاتف الجهود الحكومية والأهلية، ويكون المجتمع المحلي محركًا رئيسيًا، من التخطيط والتشغيل إلى التسويق والصيانة، مع توفير حوافز اقتصادية وتعليمية واجتماعية لضمان الحفاظ على التراث، وتعزيز الاقتصاد المحلي، وإيجاد هوية حية للمكان تجعل السياحة تجربة مستدامة لجميع الأطراف، وتحويل منازل أو زوايا من الحارات القديمة إلى متاحف حية تعرض الحياة اليومية في المجتمع العُماني التقليدي بصيغ تفاعلية بدلًا من المعروضات الثابتة فقط. ويمكن ترجمة هذه الاستراتيجية وفق منطلقات أهمها وجود خطة شاملة للأنشطة السياحية المتكاملة التي يمكن أن تستوعبها حارات ولاية إزكي التاريخية، بخلاف أنشطة الإقامة فقط، مع أمثلة تطبيقية وطابع اقتصادي وثقافي وسياحي مستدام، كذلك إقامة ورش عمل حرفية تُشغّل بواسطة حرفيين محليين، تُظهر مهارات تراثية أصيلة وتتيح للسياح التعلم والمشاركة. إضافة إلى ذلك، إنشاء مسارات مخصّصة للمشي داخل الحارات والقرى تربط بين المعالم التاريخية والأثرية، مثال ذلك مسار الحارة التاريخية الذي يمر بالأزقة الضيقة والبوابات القديمة والأبراج والمنارات، ومسار قصر وسوق إزكي القديم الذي يربط بين المواقع التاريخية المركزية، وكذا عمل مسار الفلج والمياه يتتبع نظام الأفلاج التقليدية وكيفية توزيع المياه في العديد من حارات وقرى الولاية، مع لوحات تفسيرية عند كل موقع. وأيضًا استخدام الساحات والأماكن المفتوحة داخل الحارات لإقامة فعاليات فنية تحتوي على عروض للموسيقى الشعبية العُمانية ومعارض لوحات ورسومات مستوحاة من التراث، ووضع برامج للفنون الفولكلورية والحفلات الشعبية ذات الطابع الشعبي، مع إضافة أبعاد ترفيهية للسياحة الثقافية وتعزيز حضور الفن المحلي.
وذكر أن تعدد الملكيات يمثل نقطة حرجة وجوهرية في مشاريع تطوير الحارات التراثية في العديد من الولايات، ومنها ولاية إزكي، لأن الملكيات الخاصة قد تشكل عائقًا أمام توسيع النشاطات السياحية أو توثيق المرافق، لكن هناك حلولًا قانونية وتنظيمية قابلة للتطبيق دون انتهاك حقوق الملكية. ولله الحمد والمنة، يجري حاليًا التسريع في استكمال موضوع إصدار سندات التملك لهذه البيوت والمنازل داخل هذه الحارات، خاصة مع التوجه القائم على استثمارها سياحيًا والعناية بها، حيث أصبحت الإجراءات أيسر من ذي قبل، وهي في طريقها إلى الحل، وخاصة إذا ما وجد قانون أو تشريعات تحدد استراتيجية وآلية هذه الحارات.
مؤكدًا أن حارات إزكي تمثل نموذجًا حيويًا للتحدي الذي يواجه السياحة لهذا الإرث التراثي المادي في سلطنة عُمان، وكيفية الجمع بين الاستثمار الاقتصادي والحفاظ على التراث الثقافي، ومدى الفجوة بين رغبات المستثمرين واشتراطات الوزارة، ولكن هذا ليس بعائق دائمًا، بل من هنا أوجه دعوة لتبني آليات تعاون مرنة، وحوافز ذكية، ومشاركة مجتمعية فعالة تضمن استدامة المشاريع وتعزز الهوية الثقافية للولاية. ويمكن أن تصبح حارات إزكي وجهة سياحية متكاملة إذا تم دمجها ضمن مسارات داخلية تربطها بالجبل الأخضر أو بولاية نزوى، مع تطوير الأنشطة التراثية، وتعزيز آلية التجارب التفاعلية، والتسويق الرقمي، ليكون المفتاح الذي يكمن في المشاركة المجتمعية مع الالتزام بالحفاظ على التراث وتوفير الحوافز الاقتصادية للمستثمرين، بحيث تتحول تجربة الزائر إلى رحلة ثقافية متكاملة بين التاريخ والطبيعة والحياة المحلية.
وقال المهندس عبدالله الريامي: تتميز حارتا النزار واليمن المتجاورتان في ولاية إزكي، والواقعتان على ضفاف وادي حلفين، عن كثير من الحارات العُمانية الأخرى بعدة جوانب تاريخية تجعلهما من أقدم وأهم المراكز العمرانية في عُمان. وتعتبر إزكي من أقدم العواصم التاريخية لعُمان، ولهاتين الحارتين دور علمي واجتماعي. فمن حيث القدم التاريخي، تعدان من أقدم المستوطنات في عُمان، حيث يعود تاريخهما إلى ما قبل الإسلام، وقد أعيد بناؤهما عدة مرات، وحارة النزار تحديدًا يمتد عمرها إلى ما قبل الميلاد، وهو عمر نادر مقارنة بكثير من الحارات الأخرى، وهذا القدم يمنحهما قيمة استثنائية، لأن معظم الحارات العُمانية المعروفة تعود لفترات إسلامية لاحقة.
وأكد أن هناك ارتباطًا وثيقًا بالهجرات والأنساب العربية القديمة، فحارة النزار ارتبطت بالقبائل النزارية «العدنانية»، وحارة اليمن سميت نسبة إلى العرب اليمانيين «القحطانيين» الذين سكنوها قديمًا، أما الوضع الراهن فهناك تجانس بين سكان القريتين المتجاورتين، فكل من الجانب النزاري يسكن اليمن، والقحطاني يسكن النزار. وهذا يجعل الحارتين تمثلان نموذجًا مبكرًا للتنوع القبلي العربي في عُمان، وشاهدًا على التقاء القحطانيين والعدنانيين في منطقة واحدة، وهو أمر ذو دلالة تاريخية عميقة.
وأوضح أن حارة النزار بنيت في وقت الحروب والنزاعات القبلية، وتضم بوابات «صباحات» متعددة كـ«صباح الرحبة، وصباح البعو، وصباح الرسة، وصباح السوق»، وكانت بمثابة حصون تحتوي على أبراج وآبار داخلية لضمان الاستقلال الدفاعي، وتوجد ممرات ضيقة وملتوية واستحكام دفاعي عسكري واضح. أما حارة اليمن فمحاطة بسور ضخم مع وجود أبراج مراقبة وبوابات رئيسية، تمثل نموذجًا لفن العمارة الدفاعية المبكرة، وقد بنيت في حالة السلم والاستقرار السياسي للحارات المنظمة، وبنظام تقسيم المربعات، وبطرق مستقيمة وواسعة، ووجود ساحات عامة لإقامة الاحتفالات. وبالمقارنة ببقية الحارات بولاية إزكي يظهر هنا تطور مبكر لفكرة المدينة المحصنة ووجود تنظيم أمني وعسكري واضح. أما النسيج العمراني التقليدي في هاتين الحارتين فيمثل نموذجًا متكاملًا من حيث البيوت الطينية القديمة والتخطيط الداخلي المحصن. وقد تم إدراج حارة النزار وحارة اليمن ضمن مواقع التراث الإسلامي لما تمثلانه من تطور للاستيطان، حيث تعدان شاهدتين حيتين على بدايات الاستقرار والحضارة في عُمان، وصورة نادرة عن كيف عاش العُمانيون داخل مجتمعات منظمة وآمنة ومترابطة.
وأشار إلى أن هناك توثيقًا هندسيًا متقدمًا، لكن انتقائيًا، في حارة اليمن تحديدًا، حيث أجريت دراسات رسمية شاملة، إذ تم تنفيذ مسوحات هندسية ورفوعات مساحية دقيقة وإعداد خرائط للبنية التحتية، تشمل المباني الأثرية والطرق وقنوات الأفلاج والساحات الخارجية والبوابات والأبراج، وكذلك سور الحارة، وهذا يعني وجود مخطط شبه متكامل للحارة على المستوى الهندسي. وهناك تقدم واضح في التوثيق الدقيق للمرافق «المساجد ـ المجالس ـ الآبار»، وتم توثيق تفاصيل دقيقة جدًا مثل المساجد «جامع إزكي القديم، ومسجد أبي سبت»، كما تم توثيق عدة مجالس منها «سبلة العالي ـ سبلة الصباح ـ سبلة الشرقية ـ سبلة الغربية» مع تحديد مواقعها ووظائفها داخل النسيج العمراني، وكذلك تم حصر وتوثيق الآبار كطوي معيوه، وطوي البرج، وطوي الجامع، مع مواقعها واستخداماتها داخل الحارة. وكذلك هناك عناصر أخرى تم توثيقها، منها الأبراج الدفاعية والبوابات والمدارس القرآنية «الكتاتيب» ومطاحن الحبوب «الرحى» والمرافق والخدمات العامة، وهذا مستوى تفصيلي نادر في توثيق الحارات العُمانية.
مشيرًا إلى أن حارات إزكي تملك مقومات قوية لتكون وجهة سياحية ثقافية حية، وليس فقط مكانًا للزيارة السريعة أو الإقامة، وهناك بعض التصورات لأنشطة سياحية ممكنة وقابلة للتطبيق، ومنها المتاحف الحية، وإقامة ورش للصناعات الحرفية، وإقامة أسواق تراثية صغيرة داخل الحارة، وإقامة مسارات المشي التراثية والصحية، وإقامة المهرجانات والبرامج التعليمية، وسياحة التصوير والتراث البصري.
وبين أن نجاح أي مشروع في حارات إزكي يعتمد أساسًا على أن المجتمع نفسه يقوده وليس مجرد متلقٍ له، فلو لم يشعر الأهالي بالملكية غالبًا ما تتوقف المشاريع بعد فترة. وهناك بعض المقترحات القابلة للتطبيق في ولاية إزكي، ومنها تحويل الأهالي من مشاركين إلى ملاك، وتمكين أصحاب البيوت القديمة، وإحياء الحرف عبر العائلات نفسها، وكذلك إشراك الشباب، وإقامة فعاليات يقودها المجتمع، والتوازن بين التطوير والحفاظ على الهوية الإزكوية. وقد بدأت بوادر الترميم تؤتي أكلها، ومن النماذج الحية حارة النزار، فقد تم ترميم أحد المنازل وتحويله إلى مقهى، وترميم المجلس المجاور «سبلة السراحنة»، وافتتح المشروع مؤخرًا خلال هذا العام.
وذكر أن مبادرات إحياء الحارات القديمة في إزكي تواجه تحديات بين رغبة المستثمرين والاشتراطات الفنية لجهات مثل وزارة التراث والسياحة. فمن منظور المستثمر الذي يبحث عن الربحية والسرعة في التنفيذ، فإنه عادة ما يبحث عن عائد مالي واضح وسريع، مع مرونة في التعديل والتطوير نحو إضافة مرافق حديثة ضمن المشروع دون الرجوع إلى الجهات المختصة «مقاهٍ ـ خدمات ... إلخ»، وتكون بالنسبة له إضافات مقنعة لاستمرار المشروع. كما أن الانتظار في أخذ الموافقات قد يستغرق فترة طويلة دون مبررات، وبهذا التأخير قد يتكبد مصاريف إضافية، ويرى المستثمر في ذلك قيودًا تعطل المشروع.
أما من منظور الوزارة، وهذه الجهات ممثلة في وزارة التراث والسياحة، فهي تركز على الحفاظ على الهوية المعمارية الأصلية، وضرورة استخدام المواد التقليدية المستخرجة من البيئة العُمانية «الطين ـ الجص ـ الحجارة ... إلخ»، ومنع أي تشويه بصري أو إنشائي. وبالنسبة للوزارة، فإن أي عمل أو تغيير غير مدروس قد يفقد المكان قيمته التراثية، ولا يمكن تعويضه، وبهذا ترى الجهات الرسمية أن ذلك حماية ضرورية. ومن المؤكد أن الجهات لديها الخبرة في إيجاد البدائل والحلول الوسطية التي تساعد في ترجمة المتطلبات إلى واقع يعزز من القيمة الاقتصادية والسياحية للحارات القديمة في ولاية إزكي.