أعمدة

اللحظات الحرجة..

يقال: «المرء في المحنة عي» والمحنة هنا: هي تلك اللحظة الحرجة التي نتعرض لها، والعي هنا هي قلة الحيلة، فما بين المحنة وقلة الحيلة تحل اللحظة الحرجة لتصنع موقفا فارقا بين حدثين الثاني نتيجة للأول؛ فالأول قد لا تكون لنا فيه اليد الطولى؛ بينما الثاني هو المحسوب علينا بكل تفاصيله ونتائجه، ومآلاته، ومن هنا يتشكل الموقف، وتصوّب أصابع الاتهام، أو الإشادة نحو هذا الفرد أو ذاك، ولعل في هذه اللحظة التي نصفها بـ«الحرجة» أو الفارقة تظهر معادن الإنسان، وتختبر الكثير من معززات إنسانيته، وحقيقة شخصيته، فإما أن يكسب رهانًا لم يظنه الناس فيه من قبل، فيقال: «لم نتوقع أن يكون فلان بهذه البديهة، أو بهذا الحضور، أو بهذه الكاريزما» فقط لأنه كان وليد اللحظة الفارقة في ذلك الزمن القصير، وإما أن يسقط سقطة لا يشرفه أن يكون بعدها مواجها للآخرين من حوله، ولذلك فاللحظات الحرجة أو الفارقة تعد امتحانا قاسيا؛كما يقال؛ فقد تكون وبالا على آخرين يحملونه بقية عمرهم في هذه الحياة.

يربط الكثير من الناس المواقف الحرجة بمستويات الخلافات القائمة بين الناس، وذلك لأنها لا تحدث في الحالات العادية والطبيعية، التي يتساوى فيها الناس؛ سواء في تحمل المسؤولية أو مستوى الشعور بمستوياتها، فلا تظهر معادنهم بالصورة الواضحة، فالناس متساوون في حالاتهم العادية التي تخلو من النزاعات النفسية الداخلية بين جوانحهم، ولذلك تبدأ اكتشافات الخلل مع أول نطق ينطق به الفرد ما بين الجماعة الحاضرة في مواقف اللحظات الحرجة، وتقاس درجة علو القيمة المعرفية، والسلوكية، والتربوية للفرد فهي مواقف صدام؛ بلا منازع، والصدام هنا ليس مشروطا بمستوى معين من العنف، وإنما بمستويات درجات الاختلاف في المعرفة، وفي القدرة على التحكم بالأعصاب، أو بتوظيف الخبرات المكتسبة، وهذا ينبئ عن كثير من مكنونات الشخصيات الحاضرة في مثل اللحظات الحرجة، أو اللحظات الفارقة في مختلف المواقف، ومن هنا كما أتوقع يؤمر من كان في حالة غضب أن يجلس إن كان واقفا، أو يتكئ إن كان جالسا؛ حتى تتراجع المشاعر الغاضبة شيئا فشيئا، وترجع مجموعة الاستحكامات النفسية إلى حالتها الطبيعية، فعندها يعي الإنسان ما يقوله، وما يبديه من سلوكيات أو تصرفات لا تتناقض كثيرا مع ما يتوقعه الناس في مثل هذه اللحظات، أو على الأقل تقل حدية الموقف، ونسبية مستويات فوران المشاعر، وانتفاخ الأوداج.

هناك من يراهن على مستوى الأرصدة من الخلافات واختلاف وجهات النظر بين الأفراد للتخفيف أو لاشتعال مستويات الخلافات الحادة، أو القاسية؛ وهي المؤدية إلى كثير من النزاعات وقد تتراكم المسألة إلى مستويات معقدة وهي مستويات العداوة، وهي ذروة الخلافات والمصادمات، والتي يصعب حلحلتها؛ بعد ذلك؛ لكي تعود الأمور إلى سابق عهدها، ولذلك ينصح دائما بضرورة إنهاء أي خلاف بين شخصين؛ إنهاء تاما؛ لا عودة إليه، وتجفيف منابعه، حتى لا تصل المسألة إلى حالة الذروة، وهي اللحظة الحرجة التي نتحدث عنها هنا، فالإنسان حمال أوجه لا يستقر على موقف معين، فما بين عشية وضحاها تنقلب موازينه، وتتبدل آرائه ومواقفه، وفي اللحظات الحرجة يكون رهين لحظته تلك فقط، فإما أن يكون؛ أو لا يكون.

وفي كل أحوال هذه اللحظات لا يمكن؛ أيضا؛ أن تعزى أسبابها إلى العلاقة القائمة بين طرفين، فقد يتعرض الفرد نفسه على مستويات هذه اللحظات، عندما يكون بين أمرين «أحلاهما مرّ» وهو بكامل إرادته النفسية والشخصية وبين جنباته بيته الأربعة، حيث يكون في حالة كما يقال -: «يرثى لها» سواء في اتخاذ قرار يخصه هو كفرد في العائلة، حيث تحل المحنة بكامل حمولتها عليه، ويتمنى أن يجد من يبصره بشيء مما هو عليه، وقد يلجأ إلى الاستشارة، مع خطورة هذه الاستشارة؛ خاصة؛ إذا كان الأمر متعلقا بشيء من أسرار بيته، أو أسرته، وقس على ذلك أمثلة كثيرة.