تعزيز ثقافة الادخار عند الأطفال
الجمعة / 18 / ذو الحجة / 1447 هـ - 19:24 - الجمعة 5 يونيو 2026 19:24
يبدو أن قضية الادخار من القضايا التي تثار كثيرًا في المجتمع، ويرجع ذلك إلى ارتباطها بنمط السلوك الحميد الذي ينشأ منذ مراحل مبكرة عند الأطفال، لدرجة أن البعض اعتبرها محورًا مهمًا في بناء شخصية أطفالهم وتعويدهم على الادخار للمستقبل.
المدافعون عن فكرة 'الادخار الطفولي' يرون في هذه الخطوة ركيزة أساسية لتحقيق الأمان المالي لدى الطفل، وبناء القدرة على تجاوزه بعض متطلباته اليومية، أما على المستوى الأكبر من ذلك والمتمثل في الأشخاص البالغين أي 'الشباب' فإن الادخار يسهم في تجنبهم الدخول في دوامة الديون بثقة واستقلال بعيدًا عن الضغوطات وما تشكله من أزمات يمكن أن تكدر صفو حياتهم عندما يعجزون عن تلبية رغباتهم والوفاء بالتزاماتهم المعيشية.
يقال: 'من شب على شيء شاب عليه'، بمعنى أن الإنسان يستمر أحيانًا في ممارسة بعض العادات والسلوكيات التي اكتسبها في مرحلة عمرية معينة بحيث تتحول إلى عادة متأصلة في ذاته، وهذا ما نراه واضحًا عند بعض الأشخاص الذين بقيت بعض العادات متلازمة لديهم في مراحل متقدمة من أعمارهم.
وهذا يقودنا نحو الحديث عن أهمية تعويد الأطفال على سلوك الادخار واستثمار ما يمتلكونه من نقود وتوجيهها نحو الطريق الصحيح دون ضياع أو تفريط لها.
لقد أثبتت الدراسات الحديثة أهمية الادخار في سن مبكرة حيث تعود الطفل على الانضباط الذاتي، والقدرة على تأجيل بعض الرغبات الهامشية، والاهتمام بتركيز دقيق على الأمور الضرورية، والبعد عن تذويب ما بأيديهم في أشياء لا قيمة لها.
أيضًا أكدت الدراسات التربوية على ضرورة تعويد الطفل على الادخار والاستمرار فيه، فكلما ساهمت الأسرة في حماية الطفل من اتباع سلوك الاستهلاك العشوائي أسهمت في زيادة شعوره بالمسؤولية والاستقلالية المادية والنفسية لأنه يشعر بالإنجاز الذي يقوم به خاصة عندما يجد الثناء والتشجيع من أفراد عائلته.
إن قضية الادخار تعد من الأمور المهمة جدًا في مراحل مبكرة من حياة الإنسان، وربما اندفاع الناس نحو تعويد أبنائهم منذ بداياتهم الأولى على تجربة الادخار بشكل تدريجي جاء نتيجة خلاصة فكر وتجربة خاضها الآباء والأمهات حتى ولو في وقت متأخر لكنهم يرون في هذا السلوك منافع كثيرة خاصة وأن بعض الأفراد واجهوا العديد من المشاكل المادية بسبب عدم قدرتهم على تقنين أوضاعهم ومصروفاتهم، أو الحفاظ على مدخراتهم أو ممتلكاتهم في مرحلة معينة خاصة وأن البعض يطبق بمقولة 'اصرف ما في الجيب، يأتِ ما في الغيب'، وهي نظرة خاطئة أمام أهمية ترشيد النفقات.
الخطأ في الجملة السابقة يأتي من معناها ومضمونها؛ لأنها دعوة صريحة نحو التبذير والاتكال على الغيب دون الأخذ بالأسباب وليس في التركيب اللغوي، لهذا يرى العقلاء والنجباء خطأ العبارة السابقة من حيث السلوك الإنساني والقيم.
من المفرح جدًا رؤية الأطفال وهم يعملون على 'الادخار' وهو سلوك حميد يثري قلوب الأسر، وربما لاحظنا ذلك خلال عيد الأضحى المبارك الماضي وحرص أبنائنا وأطفال حاراتنا على جمع 'العيدية' وإيداعها سواء مع والديهم أو في حصالة أطفال ليتم استخدام النقود في وقت لاحق.
من الواضح جدًا أن ثقافة الادخار عند الأطفال اكتسبت أهمية كبرى خلال السنوات الماضية، وبدأت الأسر تعي أبعادها وجني ثمارها، فلم يعد مجرد سلوك فردي يبدأ سريعًا وينتهي سريعًا، ولكنه يحقق أهدافًا شاملة تعود بالنفع على الطفل أولًا وعلى عائلته ثانيًا، فكلما أدرك الطفل أهمية ما يقوم به من عمل، كلما زاد وعيه في الحياة المستقبلية وجنبه ذلك الوقوع في أخطاء الغير، لذلك علينا جميعًا أن نشجع ثقافة الادخار عند الأطفال وأن نوضح لهم أبعادها ومناقبها حتى يستمروا عليها طيلة حياتهم، هذا ليس تقطيرًا على ذواتهم وإنما حفاظًا على قدرتهم على التوازن ما بين الترشيد والإنفاق.