بريد القراء

إلى متى سنظل نعاتب الغير؟

 

ما بين فترة وأخرى تنتابنا حالة من عدم الاستقرار النفسي خاصة عندما نجد أنفسنا ندور في دائرة ضيقة من العلاقات الإنسانية غير المستقرة مع الآخرين. المثير في الأمر أننا كلما ابتعدنا عن ضجيج البشر وجدنا أنفسنا في حالة من العزلة!


فكم من متقاعد شكا لنا ابتعاد الأصدقاء عنه! وكم من مريض لم يسأل عنه الناس! وكم من فقير لم يلتفت إليه المجتمع! نماذج كثيرة، ومواقف يمكن أن نحزن عليها، وربما تدفعنا الظروف إلى توجيه الاتهامات بالتقصير لمن كانوا يوما بقربنا، ثم انفضوا من حولنا!


من الاقتباسات الجميلة ما تساءل عنه الفيلسوف اليوناني نيكوس كازانتزاكيس: 'كيف يكون الإنسان مليئا بالأحلام، وفجأة يصبح قلبه مقبرة؟ أين ذهب كل شيء؟'.
أما الأديب الروسي دوستويفسكي فيقول: 'لقد أمضيتُ حياتي كلها في الدفاع عن أشياء لن أحظى بها أبدًا. أجلسُ الآن وحيدًا أُمشِّطُ شعرَ الخيبة، وأُغنِّي لها'.


في العيد الماضي شكا لي أحد الأصدقاء من قلة الرسائل التي وصلته للتهنئة بالمناسبة السعيدة بعد أن ترك مكانه في العمل. تحدث عن عدم قدرته في الماضي على إحصاء كم الرسائل التي تصله في مثل هذه المناسبات السعيدة، وفجأة اختفت الوجوه وغابت الرسائل!
أحد النجباء قال يوما: 'قد تصفعنا الحياة بألم! فَلا نجد من نشكو لَه، ويبقى هذا الألم داخلنا ينمو معنا ويكبر. وفي المقابل؛ قَد تهدينا الحياة وردة حنان تنسينا ألم السنين، وبهمسة حنون أو ضحكة مِن القلب تجعلنا نعيش الأمل من جديد، وننسى الألم'.


ربما هذا المشهد هو أصدق حالا لكل من أصبح يعاني من تغير مجرى الحياة، هجرة الناس من حوله، اعتاد على قائمة طويلة من الأصدقاء والزملاء لسنوات وسنوات، وفجأة وجد نفسه وحيدا لا يجد من كانوا يلتفون حوله صباح مساء!


البعض يحب أن يعيش في ذكريات الماضي يقارن ما بين الأمس الذي قد مضى واليوم الذي يعيش فيه، كل الأشياء تتغير في زمن محدد، لكن الإنسان يظل قلبه معلقا بما أنجزه في الماضي وبما تركه خلفه، وهذا التدافع في الاعتقاد بأن كل شيء سيظل مكانه يسبب له الألم النفسي والشعور بالإحباط من كثرة ما كان يعتقد أو يتمنى أن يظل كل شيء على حاله دون تغير!


ما يؤلم الإنسان في هذه المرحلة أنه اكتشف الحقائق متأخرا، وهذا سر العذاب النفسي الذي يشعر به البعض بعد تبعثر علاقاتهم بالآخرين، والإسراف في التوقع هو الذي يفتح عليهم أبواب الجحيم والشعور بالظلم والخذلان.


الحكمة القديمة تقول: 'لا تنتظر من الغير مساعدةً حال سقوطك، بل كن عكاز نفسك، وكن اليد التي تحتاج مساعدتها. كن كل شيء لذاتك؛ لأنك الوحيد الذي سيكون حاضرا في مختلف المواقف'.
أما أحد الأصدقاء كان يردد منذ فترة طويلة جملة عظيمة، وهي 'أحيانًا لا يكون الألم في الخسارة، بل في الاستمرار بالتعلّق بما انتهى منذ زمن'.


أصبح من نوادر الزمن أن تجد شخصا واحدا في هذا العالم تستطيع الحديث معه في أي شيء أن تخبره بكل شيء دون أن تتجمل بالكلمات، أن تحكي له كل أفكارك مهما كانت سخيفة ومؤلمة دون أن تراودك أطياف القلق من تغير نظرته عنك، جميل جدا أن يمنحك القدرة لتحب نفسك أكثر بكل نواقصك.


البشر من حولنا يتغيرون ويتبدلون من هيئتهم وطريقة تعاملهم معنا بمجرد أننا أصبحنا مجرد ذكرى بالنسبة لهم. الأصيل هو الذي يثبت على موقفه، أما المخادع فهو الذي لا يعترف بما وجده من ود وعطاء.