الديمقراطية في مواجهة مراكز البيانات
أنجيلا هيوي تشانغ
الخميس / 17 / ذو الحجة / 1447 هـ - 19:50 - الخميس 4 يونيو 2026 19:50
يكاد لا يمر أسبوع من دون أن تتناقل الأخبار نبأ بلدة أو مدينة أمريكية جديدة تقف في وجه مشروع مقترح لإنشاء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في جوارها. فالسكان يساورهم القلق إزاء الارتفاع المحتمل في تكاليف الكهرباء، والاستهلاك المفرط للمياه، والتلوث الضوضائي، وغيرها من الأعباء التي ستضطر مجتمعاتهم إلى تحملها من أجل إبقاء هذه المنشآت العملاقة الشرهة للطاقة قيد التشغيل.
ومع تغذية الطلب النَّهِم للذكاء الاصطناعي على القدرة الحاسوبية لطفرةٍ واسعة في بناء مراكز البيانات على مستوى البلاد، تكتسب موجة الاعتراض زخماً متسارعاً. فقد أظهر استطلاع حديث أجرته مؤسسة غالوب أن سبعة من كل عشرة أمريكيين يعارضون إنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي في مجتمعاتهم المحلية. وخلال هذا العام، طُرحت مئات مشاريع القوانين ذات الصلة في المجالس التشريعية للولايات، كما اقترح مشرّعون في ما لا يقل عن إحدى عشرة ولاية فرضَ وقفٍ مؤقتٍ على أعمال البناء الجديدة إلى حين دراسة الآثار المحتملة لهذه المشاريع.
وفي المقابل، يحذّر كبار التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا من أن تباطؤ تشييد مراكز البيانات في الولايات المتحدة بسبب المعارضة المحلية والقيود التنظيمية قد يفسح المجال أمام الصين المستفيدة من انخفاض تكاليف الطاقة وبيئة تنظيمية أكثر تساهلاً للفوز بسباق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي. غير أنه، ورغم أن المطورين الصينيين يواجهون قدراً ضئيلاً من المقاومة المؤسسية لمثل هذه المشاريع، فإن من غير الواضح إطلاقاً أن التوسع الصيني المحموم قد منح البلاد أفضلية حاسمة في هذا المجال.
بل إن تجربة الصين، إن دلّت على شيء، فينبغي أن تُقرأ بوصفها قصة تحذيرية للدول التي تتسابق اليوم إلى توسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فقد دخلت طفرة بناء مراكز البيانات في الصين مرحلةً متسارعة عام 2022، بعدما أطلقت هيئة التخطيط الحكومية مشروع «البيانات الشرقية، الحوسبة الغربية» الطموح.
ويبدو المنطق الكامن وراء هذه المبادرة بسيطاً ومباشراً: نقل موارد الحوسبة من المقاطعات الشرقية المكتظة بالسكان، حيث يتركز الطلب، إلى المناطق الغربية التي تتوافر فيها الأراضي والطاقة بوفرة أكبر وبتكاليف أقل. كما سعت الصين إلى تعزيز ما تصفه بـ«الحوسبة الخضراء» من خلال الاعتماد بدرجة كبيرة على مصادر الطاقة المتجددة لتشغيل العديد من هذه المنشآت.
غير أن المنطق الذي تستند إليه المركزية في التخطيط، مهما بدا مقنعاً، اصطدم عند التطبيق بسلسلة من القيود العملية. فالكثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الأعلى قيمة بما في ذلك الاستدلال الفوري (Real-Time Inference)، والخدمات المالية، وروبوتات المحادثة يعتمد على حوسبة منخفضة زمن الاستجابة، وهو ما يحدّ من إمكانية نقل أعباء العمل الحاسوبية إلى مراكز بيانات بعيدة جغرافياً.
وفي حين تتمتع مناطق غرب الصين بموارد هائلة من الطاقة المتجددة، فإن طاقتي الرياح والشمس تظلان بطبيعتهما متقطعتين وغير مستقرتين، كما أن تخزين الطاقة لا يزال مكلفاً، فضلاً عن أن نقلها عبر مسافات طويلة يطرح تحديات كبيرة. ومع ذلك، واصلت الحكومات المحلية الساعية إلى اقتناص نصيب من طفرة الذكاء الاصطناعي تقديم إعانات سخية للمشاريع الجديدة، في كثير من الأحيان من دون أن تأخذ هذه الاختناقات البنيوية في الحسبان على نحوٍ كافٍ.
وكانت النتيجة اتساع الفجوة بين العرض والطلب، بحيث تعمل العديد من هذه المنشآت بأقل كثيراً من طاقتها الاستيعابية. وتشير التقديرات إلى أن معدلات التشغيل في بعض مراكز البيانات الواقعة في غرب الصين لا تتجاوز 20 إلى 30 في المائة، في حين يظل الطلب على القدرة الحاسوبية متركزاً في المقاطعات الساحلية المكتظة بالسكان. وعلى خلاف السردية السائدة في الغرب، فإن وفرة موارد الطاقة في الصين وسرعة بناء مراكز البيانات لم تؤدِّ إلى خفضٍ كبير أو استثنائي في تكاليف الكهرباء بالنسبة لشركات الذكاء الاصطناعي.
ونظراً إلى قِصر دورة حياة رقائق الذكاء الاصطناعي، فإن البنية التحتية غير المستغلة قد تصبح متقادمة على نحوٍ أسرع مما يُتوقع. وحتى المنشآت التي تعمل دون طاقتها الكاملة تبقى مكلفة من حيث الصيانة والتشغيل، كما يتعين على الحكومات المحلية مواجهة الكميات المتزايدة من النفايات الإلكترونية التي تخلّفها المعدات المتقادمة. وفي مواجهة هذا الفائض المتنامي في الطاقة الاستيعابية، أفادت تقارير بأن الصين ألغت أكثر من مائة مشروع لمراكز البيانات بين مطلع عام 2024 ومنتصف عام 2025.
وفي ضوء أوجه القصور والتشوهات التي أفرزها هذا النهج القائم على التخطيط من أعلى إلى أسفل، تقدم التجربة الصينية عدداً من الدروس القيّمة التي يجدر بصنّاع السياسات وقادة التكنولوجيا في الغرب التوقف عندها والاستفادة منها.
أولاً، قد تؤدي التأخيرات الناجمة عن المعارضة المحلية إلى فرض قدر أكبر من الانضباط على المطورين، إذ تجبرهم على الإجابة عن أسئلة أساسية ربما كانوا سيتجنبونها في ظروف أخرى: من سيستخدم هذه المنشأة؟ وهل سيكون هناك طلب كافٍ عليها على المدى الطويل؟ وماذا سيحدث إذا أخفق المشروع في تحقيق إيرادات تبرر حجم الاستثمار المخصص له؟
إن هذا النوع من التدقيق والتمحيص يمكن أن يسهم في الحيلولة دون نشوء فقاعة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حيث تُضخ استثمارات ضخمة في مشاريع قد لا تستند إلى طلب حقيقي ومستدام.
ثانياً، تمنح المعارضة المحلية المواطنين العاديين صوتاً مسموعاً. فحتى الآن، لم يكن للأمريكيين تأثير يُذكر في كيفية تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، أو في تحديد المنتجات التي تُطرح في الأسواق، أو في رسم الكيفية التي ينبغي بها أتمتة الأعمال المعرفية. ومن ثمّ، فإن قدرتهم على الاعتراض على مشاريع مراكز البيانات تمثل إحدى الوسائل القليلة التي يمتلكونها للتأثير في الشركات التي تقود ثورة الذكاء الاصطناعي.
وأخيراً، وليس آخراً، قد يؤدي التباطؤ في نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى توفير هامش أمان يخفف من حدة الاضطرابات الاجتماعية. فشركات الذكاء الاصطناعي الرائدة تدفع باستمرار نحو زيادة القدرة الحاسوبية، لأن انخفاض التكاليف يسرّع وتيرة تبني هذه التقنيات وانتشارها. غير أن التسارع في التبني قد يسرّع أيضاً من وتيرة الاستغناء عن الوظائف ويعمّق فجوات اللامساواة، قبل أن تتاح للمؤسسات وصناع السياسات والعمال فرصة كافية للتكيف. والولايات المتحدة، التي تكافح بالفعل لمواجهة اتساع التفاوت الاقتصادي، وتزايد التشرذم الاجتماعي، وتعاظم الاستقطاب السياسي، ستحتاج إلى وقت لاستيعاب صدمة تكنولوجية بهذا الحجم.
ولا شك أن الكفة قد تميل إلى الاتجاه المعاكس أكثر مما ينبغي، بحيث تجد الولايات المتحدة نفسها محرومة من القدرة الحاسوبية اللازمة للحفاظ على قدرتها التنافسية. لكن في مجتمع ديمقراطي، فإن تمكين المواطنين من الاعتراض على السياسات والمشاريع التي تؤثر في مجتمعاتهم المحلية يمنحهم قدراً حقيقياً من النفوذ والمشاركة. ومن خلال ذلك، تتراجع مخاطر الاستثمارات المهدرة، وتُحدّ الأضرار البيئية، ويجري كبح جماح المضاربات والمبالغات التي كثيراً ما ترافق موجات الحماس التكنولوجي الجديدة.
لا ينبغي أن يكون سرعة تبنّي الذكاء الاصطناعي المعيار الوحيد لقوة أي دولة. ينبغي للأمريكيين أن يكونوا قادرين على اتخاذ قراراتهم، بشكل علني وجماعي، بشأن ما يستحق البناء، وأين ينبغي أن يُبنى، وبأي تكلفة.