بريد القراء

بعض "الأصدقاء" نمور من ورق !

 

الصديق الصدوق.. الوجه المشرق الذي يطل علينا في كل أحوالنا، السند والعضد الذي لا غنى عنه في رحلة الحياة، ومهما تحدثنا طويلًا عن الأثر النفسي الذي يشكله الصديق في التصدي لعثرات الزمن فإننا سنصمت طويلًا؛ لأننا لن نجد ما نقوله سوى أننا نشعر بامتنان يتجاوز حدود الكلمات، فالمشاعر الإنسانية لا تُقدَّر بعدد الكلمات، بل من خلال فيض من المشاعر التي تنغرس في تربة القلوب كأزهار الربيع، تمنحنا الرائحة الزكية والمنظر الخلاب الذي يدفعنا نحو استشعار جماليات الحياة بكل ما فيها من تعقيدات ومنافذ مختلفة، وتجعلنا أكثر قدرة على التمسك بالمعاني النبيلة التي تضفي على أيامنا دفئًا خاصًا وتعيننا على مواجهة تقلبات الزمن.


لكن، هل كل من كنا نعتقد بأنهم أصدقاؤنا صادقون معنا؟
نعلم بأن الصديق ليس كل من صادقك، ولكن من صدقك، ومع ذلك فنحن بطبعنا البشري لا نضمر في نفوسنا النوايا السيئة تجاه الآخرين، فليست الظروف وحدها من تشكل قناعاتنا وانطباعاتنا تجاه الآخرين، لكن المواقف هي أفضل شارح لنا لكافة التفاصيل؛ فالمواقف التي نعيشها في الواقع هي من تخبرنا بالحقائق وتزيح الستار عن أمور لم نكن نراها بوضوح ، وتُظهر لنا أشياء لم نكن ندركها من قبل.


المواقف هي اللسان الصادق الذي من خلاله نعرف معادن الآخرين ومدى صدق نواياهم تجاهنا!
وهي أيضًا من تجعلنا ندير ظهورنا لمن لا يستحق أن يكون جزءًا من حياتنا، لكن من أصعب الأشياء التي تمر علينا هي 'خيانة الأصدقاء'، فكم من قريب أو بعيد اعتقدنا بأنه ذلك السند القويم والصاحب الذي يؤتمن والأخ الذي نشد به ظهورنا لنستقيم في مشينا في دهاليز الحياة، لكن المواقف أثبتت عكس ما كنا نعتقد، وهنا هي 'الصدمة' التي لا نتمنى أن نعيشها أو أن يتذوق من نحب مرارة الخذلان.


في السابق كنت كغيري من الناس لا أستسيغ مقولة من يحذرنا من الأصدقاء: 'احذر عدوك مرة وصديقك ألف مرة'.


وكنت أعتقد أن من قال هذا يعد شخصًا يشك في إصبع يده وليس في الآخرين، ولكن مع كثرة ما نسمع ونرى ونعايش أدركت كم كنت مخطئًا، وأن البشر يتسابقون في ارتداء الأقنعة ليحجبوا بشاعة وجوههم عن الآخرين.
في الحياة نصادف المئات وربما الآلاف من البشر على مدار حياتنا، السواد الأعظم منهم غير صادقين بما يكفي لنقول بأنهم أصدقاء أو أعزاء علينا، لذلك لا نتوقف عندهم كثيرًا، وهذا هو السر في قلة الأصدقاء الذين يحيطون بنا، فالكيمياء البشرية هي من تقربنا وتبعدنا عن الآخرين.


على مدى التاريخ، تحدث الكثير من الناس عن الأصدقاء، سواء من خلال أهميتهم والحاجة إليهم ومناقبهم التي لا تعد ولا تحصى، وبالمقابل فإن كمًا هائلًا من الناس تحدثوا بألم عن تجربتهم الفاشلة في استمرار علاقته بالآخرين، والتي أثبتت بأن مفهوم الصداقة قد يخيب ويتعرض للاهتزاز عندما نكتشف الحقيقة.


لقد سمعنا أحداثًا مؤسفة كان أبطالها من كان يُظن بأنهم 'أصدقاء'، لهذا فإن أنياب الخديعة أحيانًا كثيرة تكون قاسية لدرجة يصعب تصديق تفاصيلها، أو الخروج من الصدمة التي تحدثها. بعضنا يتعامل مع الآخر من الصفات التي فُطر عليها منذ نعومة أظافره، ونظرته إلى الجميع أنهم أشخاص مسالمون وطيبون!
يصدق من يقول إن صديقًا مخلصًا واحدًا أفضل من ألف صديق متلوّن.. فالصديق هو الذي يلغي من قاموسه معاني الأنانية والحقد والحسد والبغضاء، ويستبدلها بالمحبة والإخلاص وغيرها من الصفات الجميلة التي تزهر أفعالها في النفوس.


كم اختبرت المواقف صحة حدسنا واختياراتنا للأصدقاء، فالبعض ظهر على حقيقته كنمر من ورق، لا نقول إن جميعهم نجحوا في الحفاظ على مكانتهم في قلوبنا.
لكن نسبة عالية منهم لم تخب رجاءنا وآمالنا فيهم، وهذا الأمر يجعلنا نؤكد بأن اختيار الأصدقاء الحقيقيين يحتاج إلى وقت حتى نستطيع أن نختار من نصاحب منهم.


لا ننكر أبدًا بأن خيبة الأمل في البعض مؤذية للنفس، جارحة للفؤاد، لكن يبقى أن نعلم بأن من الأخطاء يتعلم الإنسان، فليس كل من اعتقدنا بأنه صادق معنا يكون كذلك، فالقناع الذي يرتديه بمهارة هو الذي يضللنا عن اكتشاف الحقيقة منذ البداية، لكننا على ثقة بأن الأصيل يبقى أصيلًا في معانيه ومواقفه،أما المخادع فسوف تكشفه المواقف في أي لحظة؛ فنتجنبه ونلغي وجوده ونُبعده عن حياتنا إلى الأبد.