ثقافة

عائد إلى عمواس

تحسين يقين

 

«تاريخ فلسطين أكبر من جغرافيّتها»، عبارة نسبت لمحمود درويش، ويمكن أن يكون جوهرها هو المنسوب؛ فقد رأى أن الذاكرة، والرواية، أكبر من الحيّز المكاني، المحتلّ والمشتت أهله؛ فتاريخ فلسطين يمتد إلى مليون ونصف المليون عام.

كتب غسان كنفاني روايته «عائد إلى حيفا» بعد ثلاث سنوات على هزيمة عام 1967، حين صارت فلسطين لأول مرة من 19 عاما، موحدة تحت الاحتلال. ووقتها، كما يذكر أيضا إميل حبيبي عن بعض لاجئي عام 1948، الذين استطاعوا الحصول على تصريح لزيارة الضفة الغربية؛ حيث كانوا يزورون بيوتهم داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وقد ذكر ذلك بشكل خاصّ في رواية «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل»، التي صدرت عام 1974، أي بعد 4 سنوات على صدور «عائد إلى حيفا». وهكذا تم نحت عبارة «عائد إلى...»، تلك العودة المؤلمة لزيارة البيت المسلوب، وكم من لاجئ توفيّ إثر تلك الزيارات، وكم من لاجئ أشفق على نفسه من الزيارة الأكثر إيلاما.

في كل «أيار» وكل «حزيران»، أجدني أسأل من أجبروا على ترحيل عام 1948، وترحيل عام 1967، السؤال نفسه:

- أين كنتم؟

لقد فاجأني أحدهم، بأنه كان مع أصحابه الفتيان في حفلة شِواء في الطبيعة، في ظل بداية الإجازة الصيفية في «حزيران» عام 1967. لعلّ الخيال يسعفنا، في رواية شفوية.

يقع ما تبقّى من قرية عمواس في وسط اللطرون بين القدس ويافا. سمعنا بها أطفال في درس التاريخ حين استشهد فيها أبو عبيدة عامر بن الجراح، بسبب مرض الطاعون. كانت ما تعرف بـ«الخطة دالت» الصهيونية احتلال قرى اللطرون ومنها عمواس عام 1948، لكنها فشلت، فكان أول فعل للصهاينة في حرب عام 1967، طرد أهلها جميعا، فأصبحت خلال نهار حزيراني مثل باقي القرى المدمرة في فلسطين عام 1948.

الزمن الأول: صيف عام 1967، كان عمر أبي أحمد 12 عاما.

الزمن الثاني: صيف عام 1988، حين عاد للزيارة بعد أن صار عمره 33 عاما.

مضت سنوات على تلك الزيارة، 38 عاما مرّت، كأنها اليوم. أما الترحيل فمضى عليه 59 عاما. أصبحت سبعينيا، ولكنني أعود فتى كلما تذكرت بلدتي المسلوبة، لذلك طال شعوري بأنني فتى.

كان ذلك في يوم حزيرانيّ، الرحيل والزيارة بعد عشرين عاما؛ فحين كبُر ابني أحمد، وصار دوما يسألني عن بلدنا عمواس، ولماذا لا نعيشُ فيها. زادت أسئلة أحمد الذي كبر وصار يتساءل عن بلدتنا الأصليّة. وأخيرا ركبنا سيارة من بيتونيا، وذهبنا إلى عمواس. مرّت سنوات كثيرة لم أرها. سارت السيارة، وعندما صرنا نقترب من قرى اللطرون، بدأ قلبي بالخفقان أكثر.

اقتربت السيارة من عمواس، كان أحمد فرحا ومتشوقا لرؤيتها. لكني أخفيت دموعي، ابتعدت قليلا ثم قربت الكوفيّة على عيوني.

دخلنا البلد، التي صارت بلا بلد؛ فلا بيوت هنا، لا صوت أمّ تنادي على طفلها، لا صوت طلّاب المدرسة، لا صوت ديوك، لكن بسرعة عادت الأصوات، حتى لكأنني أسمع صوت أمّي تنادي.

كان عليّ أن أتذكر تفاصيل البلد، عرفتها من الدروب الجبليّة و«الحبايل» والشجر الذي كنا نلعب تحته، ونبحث عن أعشاش الطيور. لكنّ الأرض أصبحت بورا، فهي لم تُحرث من سنوات طويلة. كانت النباتات الشوكية تضايقنا ونحن نمشي. أخيرا وصلنا مكان بيتنا. شعر احمد بحزني فاحتضني وقال: «لا تبكي يابا»، سنعود هنا وسنبني البيت من جديد.

- وين كنت «يابا» وقت الحرب؟

كنت في صيف عام 1967، في الصف السادس، ابن 12 عاما، ما زلت أتذكر ذلك اليوم، كنّا عائدين من المدرسة مبكرين بسبب الامتحانات، فرحين بقرب الإجازة الصيفيّة التي تمنحنا حريّة اللعب بدون قيود الواجبات المدرسية.

عدت إلى البيت، قسمت رغيف الطابون، ودهنته بالزيت، والزعتر، وخرجت إلى باب الدار، لأجد أخي وابن عمي، جلسنا نتحدث عن امتحان اليوم، ونخطط لما سنفعله في الإجازة القريبة.

كان الوقت ظهرا حين كنا نتمشى بين الحقول، لنقطف ثمار البرقوق بحموضتها الساحرة. أخذنا معنا ملحا. كم كان مذاق البرقوق جميلا حين نغمسه بالملح. تنقلنا كالفراش والغزلان باسمين نداعب بعضنا بعضا.

بدأت رائحة الشّواء تصلنا، كان أولاد أكبر من يشوون أفراخ حمام وعصافير ودجاجة. كانوا يجلسون على أحجار كبيرة. نادوا علينا، أعطوا كل واحد منا قطعة لحم مشوية وكسرة خُبز. فرحنا بالطعم. شكرناهم، وقلنا لبعضنا لا بدّ من حفلة شواء قريبا.

في طريق عودتنا إلى البلدة، كان أولاد ينادون على أهلهم في الكروم الزراعيّة، يدعونهم للعودة فورا إلى البلد

- «يابا أمي بتقولك الحرب قامت».

- .............................

أي حربٍ هذه التي قامت؟ تساءلنا هكذا، وعدنا مع العائدين إلى البلد. كانت أمّي تجمع بعض الملابس والطعام في أكياس، حضر أبي. ساعة من الزمن وإذا أهل بلدنا يسيرون شرقا صامتين يلهثون من التعب. أركبني أب على الحمار وحمّلني أختي إيمان الصغيرة. كانت سيارات أيضا تسير ببطء، وباص البلدة يكاد لا يسير، كأنهم جميعا يودون البقاء أكبر وقت هناك، بعد أن شهدوا بقاء من تم تهجيرهم قبل 19 عاما لاجئين.

«أكم من يوم يابا وبنرجع خلينا نطلع أحسن ما يبشّعوا فينا ولاد الحرام». فهمت طبعا من يقصد بـ«أولاد الحرام».

لا أنسى ذلك اليوم، حين وصلنا متعبين بيتونيا، بحث والدي عن ماء، ثم ذهب إلى الدكاكين ليشتري لنا، ولكنه وجد الدكاكين فارغة.

كان والدي يعرف قريبا لنا، من طرف والدتي، توجهنا إليهم فاستقبلونا. كانت النساء تعد الطعام لوجبة العشاء. أما الرجال، فكانوا يستمعون للراديو، ما زلت أتذكر أحدهم، حين قال: «قربت عودتنا إلى يافا».

لم يرجع اليافيّ إلى يافا، وطالت إقامتنا عند أقارب أمي في بيتونيا.

كنا ونحن نتمشّى، أقول لأحمد هنا كانت المدرسة، وهنا كان الجامع، وهنا دار عمي.

عادت القرية كما كانت قبل الحرب، رأيت أهلي والأقارب والجيران. كل شيء عاد إلى الذاكرة مرة أخرى.

أراد أحمد التخفيف عني: «طيب يابا وين الشباب كانوا يشووا».

رحت أتذكر، قلت له في تلك الجهة، تعال لنذهب إلى هناك. مشينا بين الأشواك والنباتات التي التصقت بملابسنا. تذكرت شجرات السرو الكبيرة القريبة من أرض الحاج محمد، اقتربنا من الأرض الممتلئة بالأشواك. وأخيرا وصلت إلى المكان، فقط بقيت أشجار السرو، أما الأشجار المثمرة وكروم العنب فقد جفت لقلة الحراثة، بقيت بعض أغصان العنب ولكنها محاطة بالأشواك. لا برقوق هنا ولا عنب، فقط أشجار الزيتون التي غظّتها النباتات البرية وتسلّقت عليها.

- تغيّر المكان يا أحمد كما ترى.

وأخيرا وجدنا «مكان الشوي»، فذهب أحمد يستطلع المكان، ليجد أربع أحجار، لم تمتد لها أيدي سارقي الأرض.

«يابا..هون كانوا يشووا..هي الحجارة اللي كانوا قاعدين عليها».

اقتربت، إنه المكان فعلا، لكن الزمن أزال سواد الحجارة التي أشعلوا النار فيها؛ لم يبق إلا القليل. أزلنا بعض الأشواك ما استطعنا، جلسنا لدقائق.

قال أحمد، سنعود ثانية ونشوي هنا. تأملت المكان، سيكون ذلك صعبا، ها هم سارقو الأرض يطوفون بـ«جيبات» الحراسة العسكريّة، سيتهموننا بأننا نخرب البيئة. سيكون صعبا علينا أن نشعل النار هنا.

ملنا إلى طريق ترابي نجا من الأشواك، جلسنا على «سنسلة» نجت من التخريب، شربنا الكثير من الماء، ورحنا ننفض ما التصق بملابسنا من نباتات وأشواك.

تذكرت والدي رحمه الله، تذكرت كبار السن الذين ماتوا بعيدين عن عمواس.

تعال يا أحمد نقرأ الفاتحة على أرواح الصحابة، معاذ بن جبل وأبو عبيدة عامر بن الجراح.

عدنا وفي ذهني ذلك اليوم من «حزيران». كأن ذلك اليوم ظل كما هو، كأني بقيت ابن 12 عاما، أخطط مع أخي وابن عمي لحفلة شواء هنا.