أفكار وآراء

الطبقة الدنيا الدائمة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي

وأنت تقود سيارتك على طريق بايشور السريع صعودًا من مطار سان فرانسيسكو الدولي إلى داخل المدينة، تمرّ بلوحات إعلانية شديدة التخصّص تروّج لتطبيقات ذكاء اصطناعي غامضة تبدو وكأنها موجّهة إلى شرائح ضيقة على نحو يكاد يبعث على السخرية.

كيف يمكن لشيء كهذا أن يكون مربحًا أصلًا؟ يكمن الجواب في أن مدينة تعجّ بالشركات الناشئة تجعل من إيصال المنتج البرمجي المناسب إلى مؤسس شركة قد تُقدَّر قيمتها قريبًا بمليارات الدولارات صفقة أكثر ربحية بكثير من استغلال المساحات الإعلانية لبيع البرجر أو مساحيق الغسيل.

ومع ذلك، يختبئ تحت هذا الهياج شعورٌ ملموس بالقلق، إذ يخشى أفراد هذه النخبة الشابة فائقة الثراء والنفوذ أن لا تكون شركاتهم الناشئة هي الفائزة في سباق الذكاء الاصطناعي المحتدم. فالفشل، في نظرهم، يعني أن يجدوا أنفسهم متروكين خلف الركب بينما يواصل الذكاء الاصطناعي أتمتة قطاعات واسعة من وظائف العمل المكتبي، ولا سيما وظائف البرمجة التي كانت حتى وقت قريب أشبه برخصة مضمونة لطباعة المال، لينحدروا في نهاية المطاف إلى صفوف الفقراء الدائمين.

ورغم أن الاقتصاديين ما زالوا يتجادلون حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدمّر الوظائف أم سيخلقها، فإن المزاج السائد في وادي السيليكون أكثر تشاؤمًا بكثير. فالحكمة المتداولة هناك تقول: إما أن تنجح شركتك الناشئة خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، وإما ألا يبقى أمامك سوى أن تأمل في أن توفّر الحكومة دخلًا أساسيًا شاملًا وسخيًا.

على الرغم من جهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجرّ وادي السيليكون إلى فلك حركة «اجعلوا أمريكا عظيمة مجددًا» (MAGA)، فإن النزعة التقدمية على الطريقة الأمريكية لا تزال تهيمن على ثقافة منطقة الخليج.

فما زال معظم الشباب الطامحين في قطاع التكنولوجيا بكاليفورنيا يرون أنفسهم تقدميين حتى النخاع، متحمسين لفرض الضرائب على الأثرياء-على الأقل إلى أن يصبحوا أثرياء هم أنفسهم. ومع ذلك، وبرغم كل ما يبدونه من استعراض للفضائل الأخلاقية، يبدو أن نخب وادي السيليكون غافلة على نحو لافت عن حقيقة أن الغالبية الساحقة من الناس الذين سيُتركون خلف الركب بفعل صعود الذكاء الاصطناعي لن يعيشوا في الولايات المتحدة.

كما أنهم لن يعيشوا في البلدان التي ضمنت لنفسها موقعًا داخل سلسلة إمداد الذكاء الاصطناعي، مثل كوريا الجنوبية واليابان وتايوان.

في حين تحولت شركات كورية جنوبية مثل سامسونج و«إس كيه هاينكس» إلى عمالقة تُقدَّر قيمتهم بتريليونات الدولارات بفضل الطلب النهم للذكاء الاصطناعي على رقائق الذاكرة المتقدمة، فقد أنتجت أوروبا عددًا أقل بكثير من قصص النجاح المماثلة. أما الصورة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية فهي أكثر قتامة، إذ لم تنجح أي منهما حتى الآن في إنتاج ما يقترب من ذلك.

إن الدول التي تعجز عن اقتطاع مكان لنفسها في الاقتصاد الناشئ القائم على الذكاء الاصطناعي تخاطر بأن تجد نفسها في الجانب الخاسر من أهم تحوّل اقتصادي يشهده هذا القرن. فمع غياب الأرباح الاستثنائية التي يمكن إعادة توزيعها، وعدم حدوث طفرة في الإيرادات الضريبية تمكّن من تمويل برامج الدخل الأساسي الشامل، قد تجد هذه الدول نفسها من دون أي وسيلة للتخفيف من صدمة الإحلال الوظيفي واسع النطاق.

وليست هذه مجرد حكاية عن قصور سياسي أو نقص في الطموح. فكيف يمكن للشركات الأفريقية أن تنافس في وقت لا يزال فيه مئات الملايين من سكان القارة يفتقرون إلى الكهرباء، وهي أبسط المتطلبات الأساسية لبناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي؟ وكيف يمكن لدول أمريكا اللاتينية أن تموّل استثمارات ضخمة في مراكز البيانات، بينما تظل معدلات الادخار منخفضة، ويواصل تاريخها الحافل بأزمات الديون المتكررة تنفير رؤوس الأموال الأجنبية؟

ومع ذلك، لا شك أن بعض الدول الأفريقية ودول أمريكا اللاتينية مرشحة للاستفادة بشكل هائل من الشهية المتعاظمة للذكاء الاصطناعي تجاه المعادن، مثل النحاس والعناصر الأرضية النادرة. وتبرز تشيلي وبيرو والمكسيك كأمثلة واضحة، لكن حتى جمهورية الكونغو الديمقراطية، الغنية بالكوبالت، قد تجني مكاسب كبيرة إذا ما خمدت حربها الأهلية الدامية يومًا ما.

غير أن الثروة الطبيعية كثيرًا ما أثبتت أنها نقمة بقدر ما هي نعمة. فقد تجد الدول الغنية بالمعادن نفسها غارقة في إيرادات مدفوعة بازدهار الذكاء الاصطناعي، ومع ذلك تفتقر إلى المؤسسات السياسية والاقتصادية القادرة على توزيع هذه المكاسب على المجتمع بأسره.

أما الهند فتواجه مجموعة مختلفة تمامًا من المخاطر. ففي الوقت الذي يلتهم فيه الذكاء الاصطناعي الموظفين ذوي المهارات المتوسطة في الأعمال المكتبية كما تلتهم الحيتان العوالق البحرية، قد تكون صناعة التعهيد الضخمة في الهند من بين أكثر القطاعات تعرضًا للضرر.

وبفضل ما تمتلكه البلاد من مخزون هائل من المواهب الإبداعية والتقنية، لا يزال بإمكانها أن تبرز كأحد أكبر الرابحين في السباق التكنولوجي الراهن إلى جانب الولايات المتحدة والصين. لكن الهند عانت طويلًا من صعوبة توظيف هذه الإمكانات داخل حدودها، ما أتاح لكثير من ألمع عقولها الهجرة إلى كاليفورنيا. وقد تسهم حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الهجرة في إبطاء هذا النزيف البشري.

أما الصين، فهي بالفعل قوة عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي. لكن حتى هناك، لا تزال الحكومة في بداية الطريق لفهم تداعيات إحلال الوظائف بفعل الذكاء الاصطناعي. وحتى لو خرجت الصين منتصرة من سباق الذكاء الاصطناعي، فإن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي قد يصبح مهمة شاقة ما لم تُوسِّع شبكة الأمان الاجتماعي وتطوّرها بما يتناسب مع حجم التحولات المقبلة.

قد تكون الولايات المتحدة أكثر ديناميكية وحيوية، لكنها بالكاد تبدو أكثر استعدادًا لمواجهة التأثيرات المحتملة للذكاء الاصطناعي على أسواق العمل. فإذا أرادت تجنب تعميق الانقسامات الاجتماعية، فسيتعين عليها إيجاد سبل لتوزيع فوائد الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع، بدلًا من تركها متركزة في أيدي مجموعة صغيرة من الرواد الأوائل وأصحاب المليارات في قطاع التكنولوجيا.

لكن الخطر لا يقف عند حدود الدول؛ فالذكاء الاصطناعي يهدد بتوسيع الهوة بين الرابحين والخاسرين في السباق التكنولوجي، بما يتيح للدول الغنية جني الثمار، بينما يدفع مليارات البشر في أنحاء العالم النامي إلى مزيد من التراجع والتهميش.

ـ كينيث روجوف أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد

خدمة بروجيكت سنديكيت