رأي عُمان

من يخاف من اتفاق بين واشنطن وطهران؟

 

مضى وقت طويل بمقياس الحروب منذ أن دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران طور تهدئة مؤقتة في أبريل الماضي على أمل أن تفتح الطريق أمام تسوية تحفظ أمن المنطقة، وتمنع عودة النار إلى الخليج. غير أن التهدئة بقيت معلقة بين التصريحات والرسائل المتناقضة، وتآكلت قدرتها على التحول إلى مسار سياسي واضح.

وكلما اقتربت واشنطن وطهران من اتفاق متوازن برزت أطراف ترى في التسوية تهديدا مباشرا لمصالحها أكثر مما ترى في الحرب خطرا عليها؛ فهذا النوع من السلام من شأنه أن يسحب منها فرصة توظيف الصراع لتعزيز نفوذها، أو تبرير استمرار سياساتها.

ومع الأيام تتآكل التهدئة، وتعود موجات الحرب عبر ضربات موجهة ومحدودة، لكنها ما زالت تحصد الأرواح والمقدرات في الخليج وإيران فيما تبدو مكاسبها السياسية موزعة على أطراف لا تدفع الكلفة المباشرة للحرب.

وما زالت شعوب المنطقة تدفع من أمنها وثرواتها ومستقبلها ثمن معركة لا علاقة لها بها، وثمن حرب لا تمنحها الحد الأدنى من السلام الذي تبحث عنه.

وهذا ما يطرح السؤال الأهم: لماذا تبدو الحرب ممكنة كل يوم بينما يبقى الاتفاق المتوازن صعبا إلى هذا الحد؟ ومن صاحب المصلحة في أن تبقى المنطقة أسيرة مواجهة تستنزف أمنها وثرواتها ومستقبلها؟

تتعدد زوايا النظر إلى هذه الحرب؛ ولهذا يصبح التعامل معها أشد تعقيدا من ظاهرها العسكري المباشر. تنظر الحكومة الإسرائيلية اليمينية إلى قدرات إيران العسكرية بوصفها مبررا لإعادة ترتيب الإقليم وفق مركزية الأمن الإسرائيلي، وإزاحة ملفات الاحتلال وغزة والضفة إلى الهامش، وإبقاء إيران في موقع العدو الذي تُقاس عليه كل تحالفات المنطقة.

وفي واشنطن لا يزال تيار مؤثر داخل المؤسسة السياسية والأمنية يراهن على الضغط بوصفه الطريق الأقصر لتغيير سلوك إيران، ولو أبقى المنطقة على حافة حرب مفتوحة.

وهناك قوى دولية تنظر إلى اشتغال واشنطن في الشرق الأوسط بوصفه فرصة لإعادة ترتيب النفوذ في آسيا وأوروبا وأسواق الطاقة، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن اتساع الحرب قد يهدد مصالحها هي أيضا.

وينظر كثيرون خارج الشرق الأوسط إلى هذه الحرب من زاوية الطاقة والأسعار وسلاسل التوريد وحركة الملاحة. أما شعوب المنطقة فتنظر إليها من زاوية أقرب وأكثر وجعا؛ من زاوية الأمن والاستقرار، ومصير المشاريع التنموية، ومستقبل أجيال أنفقت دولها عقودا طويلة في بناء نماذج تريد أن تخرج من أسر الحروب، لا أن تعود إليها.

هذه الرؤى المتباينة لا تبقى في حدود التحليل السياسي، بل تتحول خلال التفاوض إلى ضغوط ورسائل وشروط مضادة، فتجعل الاتفاق أكثر صعوبة، وتؤخر عودة الحياة إلى طبيعتها ولو وفق شروط جديدة.

وهذا يفاقم خسائر دول الخليج التي أعلنت منذ البداية أنها لا تريد الحرب، ولا ترى في اتساعها مصلحة لأمنها أو لمشاريعها التنموية أو لاستقرار ممراتها البحرية التي تشكل أساسا لنماذجها الاقتصادية.

كما يفاقم خسائر إيران التي تنظر إلى المواجهة باعتبارها معركة وجودية، وترى أن أي تسوية لا تحفظ حقها في التخصيب السلمي، ولا تفتح طريقا واضحا لرفع العقوبات، وتحرير أصولها المجمدة، ولا تضمن وقفا دائما للحرب قد تتركها أمام خسارة يصعب ترميمها سياسيا واقتصاديا في المدى القريب.

ووسط كل هذا تضعف فرص الوسيط في تقريب وجهات النظر بين الطرفين وتتآكل الثقة الهشة من أساسها. ومع الوقت تتسع الفجوة، وتفقد أطراف الحرب ثقة من حولها بينما تكبر الخسائر وتزداد كلفة استهداف مقدرات الشعوب.

يعتقد البعض أن الوقت كفيل بتقريب وجهات النظر مع تعاظم الخسائر، لكن الواضح أن تراكم الخسائر، وتشابك المصالح، وتعامل الأطراف مع اللحظة بوصفها فرصة وجودية قد لا تتكرر، كلها عوامل تعقد الوصول إلى نهاية لهذه الحرب، وإلى عودة الأمن للمنطقة التي أنهكتها الصراعات.

وحين تضع هذه الحرب أوزارها لن يكون السؤال الخليجي كما كان قبلها. ستجد المنطقة نفسها أمام مراجعة أعمق لمعنى الأمن، ولحدود الاعتماد على حسابات تُصنع بعيدا عنها في واشنطن أو تل أبيب أو طهران. فوقف إطلاق النار يمنح المنطقة فرصة للتهدئة، لكن بناء أمن مستقر يتطلب رؤية سياسية أوسع، وترتيبات أكثر صلابة، وشجاعة تضع مصالح المنطقة في قلب المعادلة قبل أن تفرض عليها الحروب أسئلتها من جديد.