ما تعيب به عدوك ينبغي ألا تقع فيه
الأربعاء / 16 / ذو الحجة / 1447 هـ - 20:42 - الأربعاء 3 يونيو 2026 20:42
بعد ما يقرب من مائة يوم من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والتي تحولت إلى صراع إقليمي أوسع نطاقا وبعد أكثر من شهرين من وقف إطلاق نار هش، تسود الآن حالة من الجمود فيما يتعلق بالمفاوضات بين طهران وواشنطن تجعل من الصعب التكهن بمآلات الوضع وما سوف تصير إليه الأمور في الأجل القصير، ذلك أن المشهد في الوقت الراهن يبدو في جوهره سيرياليا.
وبينما انكفأ الرئيس ترامب على نفسه واكتفى بإطلاق التصريحات من على منصته «تروث سوشال» والتي تحمل في طياتها كالعادة التهديد والوعيد وتتخللها أحيانا عبارات الثناء على مفاوضي الجانب الإيراني، وأن العملية التفاوضية تسير على ما يرام، وأحيانا أخرى التأكيد على أن النظام الإيراني على وشك التداعي والانهيار وأن ذلك رهين بعنصر الوقت فقط، وأن في وسعه الانتظار لأطول وقت تستغرقه إيران في دراسة مسودة الاتفاق.
بينما يحدث ذلك من جانب الرئاسة الأمريكية، تبدو الصورة على الجانب الإيراني مماثلة لكنها أكثر حراكا وأكثر براغماتية، فبالرغم من الحصار البحري المفروض على موانئها وتوقف صادراتها النفطية وتأثر اقتصادها بتداعيات هذا الحصار إلا أن طهران تعمل بدأب على الاستعداد لخوض جولة أخرى من الحرب ولا يبدو على صانعي القرار هناك أي قلق أو استعجال بحثا عن مخرج من ضيق الحصار الأمريكي ولا تبدر منهم أي بوادر تنازلات قد تفتح لهم نوافذ للانفراج.
هذه الحالة الإيرانية تشي بأن النظام هناك قد أخذ أمره على المواجهة ويظهر ذلك في تشديده القبضة على مضيق هرمز الذي يعتبره الورقة الرابحة والسلاح الأكثر فاعلية في مواجهة واشنطن والضغط عليها من أجل إنهاء الحصار الذي يضمن لها الوصول إلى مليارات الدولارات من عائدات نفطها الخام، عبر صيغة تفاهم محدودة ومقبولة مع واشنطن.
ولكي تتجنب إيران الضغوط الدولية المحتملة ردا على تشديدها القبضة على المضيق وعزل الموقف الأمريكي الذي يراهن كثيرا على تبلور موقف متشدد من إيران بسبب تعطيل الملاحة بالمضيق، أقدمت إيران في الآونة الأخيرة على إجراءات من شأنها تسهيل مرور السفن التجارية عبر المضيق وتبذل طهران جهودا كبيرة لتطبيع حركة الملاحة والمرور عبر المضيق في محاولة لعودة ناعمة وسلسة لعبور السفن ولكن بشروط جديدة تضمن لها بسط سيطرتها والتحكم في المضيق على غير ما كان عليه الحال في السابق قبل الحرب.
والحقيقة أن طهران وبرغم الأهمية القصوى التي يمثلها المضيق بالنسبة لها، إلا أنها في الوقت نفسه تستخدم قضية المضيق في إلهاء الجانب الأمريكي ودفعه للتركيز عليها أكثر وتشتيت انتباهه عن القضايا الكبرى وعلى رأسها البرنامج النووي والصواريخ الباليستية، وتعلم إيران أن ترامب يبحث عن اختراق ما لتسويقه كنصر له في الداخل الأمريكي حتى ولو كان هذا النصر يتعلق بمضيق هرمز الذي لم يكن في الأصل جزءا من الصراع ولا سببا لشن الحرب على إيران بل كان في الواقع نتيجة لها.
وتسعى إيران بجد للسيطرة الكاملة على المضيق وتحويله إلى قيمة جيواستراتيجية شديدة الأهمية ليكون في قبضتها وإضافة نوعية لمواردها وعناصر قوتها ذات الأهمية الاستراتيجية الكبرى، ولكن يظل هذا المسعى محفوفا بمخاطر ومحاذير كثيرة منها ما هو إقليمي ومنها ما هو دولي، ويتطلب نجاحه أن تُحدِث طهران تغييرات جذرية وواسعة في سياستها تجاه محيطها الإقليمي وفي علاقاتها مع القوى والدول الفاعلة في هذا المحيط لتكون أكثر إيجابية ومرونة وأن تقوم على أسس وقواعد مبنية على مبادئ حسن الجوار والتعاون واحترام سيادة هذه الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والنأي عن حل الخلافات بالقوة، فهذه عناصر ضرورية ومطلوبة ومن شأنها أن تساعد على نشر الأمن والاستقرار بالمنطقة بما يعود بالخير على شعوبها، ويجنبها الانزلاق في أتون حروب واضطرابات لن يكون فيها منتصر.
إن مفهوم القوة لا يستند فقط على الجانب المادي بل يتعداه إلى جوانب أخرى غير منظورة لكنها ذات فاعلية أكبر، وأن هذه الفاعلية لن تتحقق ما لم تدار عناصر القوة المادية بذكاء بعيدا عن التهور والاندفاع والتفكير الرغبوي،وأن النجاح الحقيقي لسياسات الدول وبلوغها أهدافها الإستراتيجية (الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية) لا يتحقق بالعدوان على الغير ممن هم شركاء بالجغرافيا أو زعزعة استقرارهم وتدمير بنياتهم الحيوية لأن مردود هذا الفعل يعود وبالا على الجميع ولا يتأثر به العدو الحقيقي بل يصب في مصلحته.
إن أمام إيران فرصة سانحة في الوقت الراهن لم تتح لها من قبل بهذه الكيفية لتراجع سياساتها تجاه جيرانها ومحيطها الإقليمي وعمل جرد حساب دقيق لمعرفة مقدار الربح والخسارة فيها، ثم وضع الأمور في نصابها والاتجاه نحو بناء علاقات شراكة وتحالفات عملية مع دول المنطقة قائمة على حقائق وقيم ومصالح مشتركة.
وقد يقول قائل إن هذا ليس هو الوقت المناسب لفعل ذلك ونذر استئناف الحرب بين الجانبين تلوح في الأفق، وهو استدراك قد يبدو وجيها للوهلة الأولى، لكن الحقيقة أن النصر يتطلب التحلل من الظلم وتصحيح الأخطاء ورد الحقوق وما تعيب به عدوك لا ينبغي أن تقع فيه.