القيم الفنية والجمالية في التراث الثقافي ودورها في تشكيل الذاكرة والهوية
الأربعاء / 16 / ذو الحجة / 1447 هـ - 20:40 - الأربعاء 3 يونيو 2026 20:40
ما النظرة العامة للتراث الثقافي؟ هل ينظر إلى هذا التراث على أنه مجرد بقايا أثرية جامدة تركها الإنسان في الماضي، أم أنه يضم بين طياته مفردات وعناصر فنية ولغة جمالية نابضة بالحياة ولديها القدرة على التفاعل مع من يقرأها أو يسمعها أو يراها الآن؟
فعلى سبيل المثال؛ عندما ينظر إلى تفاصيل المباني التاريخية بما تحمله من عناصر زخرفية وتصاميم معمارية، أو النقوش الصخرية بما تتضمنه من رسومات مختلفة فهل ينظر إليها على أنها تعكس فقط مهارات حرفية، أم أنها تُجسّد فلسفة فنية متكاملة كوّنتها خبرات الإنسان وتفاعله مع محيطه البيئي على مر العصور، وتُبرز فكر هذا الإنسان الفني حول الجمال والهوية والوجود؟
التراث الثقافي في واقع الأمر ليس مجرد ذاكرة محفوظة، بل هو تجربة بصرية وروحية شاملة، ومنظومة وسجل حي متكامل للقيم الفنية والجمالية التي كوّنت معرفة الإنسان ببيئته، وعكست مهارته في تحويل مفهوم الوظيفة إلى قيمة فنية وجمالية، والحاجة إلى الرغبة في الابتكار والإبداع. ومن هنا تعكس هذه القيم حسا وذوقا حضاريا، وتُكون عُنصرا مهما من معرفتنا الفنية والجمالية المعاصرة، وهو ما يجعلها قادرة على أن تكون ملهمةً للحاضر وموجهةً للمستقبل.
إن التراث لم يكن يوما تلقائيا أو بسيطا كما قد يتصوّره البعض، ولكنه كان نتاج ذائقة فنية متراكمة زمنيا، وإحساسا جماليا شكّلته الخبرة والتجربة؛ حيث يُظهر التراث الثقافي بمجالاته المتعددة تجربة فنية شاملة، وارتباطا وثيقا بين الإنسان والجمال. فالإبداع البشري عبر الزمن كان مرتبطا بشكل عميق بالحاجة؛ حيث نشأ منها وتقدّم معها. فكل ما أنتجه الإنسان بتفاصيله المختلفة لم يكن عشوائيا، بل كان منظما ومتوافقا مع معرفة مُحكمة لبيئته، وهو ما نقلها من المفهوم الوظيفي إلى دلالات فنية وجمالية تعكس هوية الشعوب وكينونتها. وهذا ما يقدّم للتراث قيمته الأصيلة اليوم؛ فهو يمنحنا جمالا متصلا بالمعنى، والوظيفة، والهوية. لذلك تُعد قيم التراث الفنية والجمالية من المكوّنات الرئيسة التي تُضفي على التراث صفة الأهمية والمعنى، فهي تُجسّد الفكر والإبداع البشري الذي يتجلى في العمارة والفنون والحرف وغيرها من ابتكارات الإنسان عبر الزمن معبرةً عن قدراته التقنية وذوقه الجمالي. وتعكس هذه المكوّنات درجة التقدم الفني للمجتمعات القديمة، وترمز إلى هويتها الثقافية. وتعتمد المنظمات والهيئات الدولية مثل اليونسكو والإيكموس على هذه القيم كأحد المعايير الأساسية عندما تتم مراجعة وتقييم ملفات إدراج المواقع الأثرية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
فمثلا تجسّد العمارة القديمة مدى تأقلم الإنسان وتفاعله مع البيئة التي يعيش فيها، وهو ما يضفي قيمة جمالية وثقافية بشكل متزامن. ومن ناحيةٍ أخرى تعكس المكتشفات المختلفة في المواقع الأثرية حالة من التناغم بينها وبين محيطها البيئي ما يُكوّن مشهدا ثقافيا شاملا يزاوج بين المكوّنات الطبيعية والبشرية بشكلٍ متوازن. كما تتضمن مجموعة كبيرة من مفردات التراث الفنية دلالات رمزية تتصل بمعتقدات أو تقاليد المجتمعات التي أنتجتها، وغالبا ما تجسّد قيما ذات معان دينية أو اجتماعية أو فلسفية.
ومن الناحية الاستراتيجية قد تسهم القيم الفنية والجمالية للتراث في صنع القرار وتحديد التوجهات العامة ذات العلاقة بالهوية والمواطنة والسيادة؛ وذلك لما تجسده من ملامح المجتمع ومنجزه الإبداعي، وخصوصيته الثقافية. فالمواقع والمعالم الأثرية والتاريخية تُبرز أساليب التفكير والفن لدى المجتمع عبر الزمن. وعليه فإن توظيفها في السياسات الثقافية لا يساعد فقط على تسليط الضوء على هوية هذا المجتمع الثقافية بل وتعزيز السردية الوطنية المعتمدة على المنجز والإبداع الثقافي، وتعميق الإحساس بالانتماء والارتباط الوجداني بين المجتمع وتراثه من خلال شعور أفراده بالفخر والاعتزاز بما خلده الأجداد. ويقود هذا بطبيعة الحال إلى تعزيز الحس المجتمعي والمسؤولية المشتركة بضرورة المحافظة على التراث وصونه وإبرازه. وعليه تؤدي هذه القيم دورا في رسم السياسات ذات الصلة بالمحافظة على المواقع الأثرية والتاريخية والمشاهد الثقافية المرتبطة بها، فمن خلالها يمكن لمتخذي القرار حصر واختيار المواقع ذات البعد الجمالي التي يجب حمايتها وصونها وتوظيفها بالشكل الأمثل، ومن ثم سن تشريعات لتنفيذ هذه الحماية. كما تسهم هذه القيم في أخذ الاعتبارات الفنية والجمالية للتراث بعين الاعتبار عند التخطيط التنموي.
وتؤدي القيم الفنية والجمالية للتراث أدوارا أخرى غير تلك المرتبطة بالهوية والمواطنة والسيادة الثقافية؛ فهي تسهم بشكلٍ كبير في عدد من الجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. فعلى سبيل المثال؛ يحاول عدد كبير من الزوار البحث عن المواقع التراثية التي تحمل طابعا فنيا وجماليا مميزا. ويساعد ذلك على دعم الاقتصاد المحلي من خلال تعزيز السياحة الثقافية، وخلق فرص عمل ذات صلة مباشرة بإدارة مواقع التراث واستثمارها.
ومن الناحية الإبداعية يُمثل التراث معينا إبداعيا ليس فقط للفنانين، بل المصممين والمهندسين؛ حيث تعمل العناصر الجمالية للتراث على تنمية الفنون الحديثة، وتصميم المدن المعاصرة، وتشجيع الصناعات الثقافية والإبداعية. كما تسهم في تطوير الحس الفني لدى أفراد المجتمع، ومدى تقديرهم لجمال التراث، وحضوره في البيئة المحيطة، وترسيخ انتمائهم للمكان والبيئة الثقافية.
وفي ظل التنمية المتسارعة يبرز التراث الثقافي لسلطنة عُمان كتجربة من التجارب التي ما زالت تحتفظ بخصوصية قيمها الفنية والجمالية المتأصّلة في هذا التراث والتي تراكمت عبر العصور. ففي هذه الحالة يشكل التراث الثقافي منظومة فنية متفاعلة تعكس فكرة الإنسان العميقة عن العالم، ومدى ارتباطه بالحيز الجغرافي والنظام البيئي وتفاعله معها، ورؤيته للفن والجمال وارتباطهما بمفهوم الوظيفة والمعنى في آن واحد.
فالتراث العُماني المتنوع بتنوع مجتمعاته الساحلية والجبلية والصحراوية والسهلية التي تركت لنا إرثا حضاريا غنيا بمفرداته يعكس التجربة الإبداعية والفنية المتكاملة للإنسان على أرض عُمان؛ فمن يرى هذا التراث يتبين له أن الجمال كان عنصرا رئيسا من الحياة اليومية. فالمعالم الأثرية والتاريخية لم تصمم فقط لتتوافق مع البيئة التي شيدت فيها وتلبي حاجة الإنسان (الوظيفة)، بل لتعبر عن حس وإبداع فني دقيق. وعليه تساعد القيم الفنية والجمالية للتراث الثقافي في فهم الكيفية التي يمكن من خلالها استحضار الماضي، وتشكيل الحاضر من خلال توظيف المخزون الفني والجمالي للتراث كمصدر متجدد للهوية والإبداع ما يخلق التوافق بين الأصالة والتجديد. يضاف إلى ذلك تعمل هذه القيم على تفعيل دور القوة الناعمة لسلطنة عُمان، وذلك من خلال إبراز هويتها الحضارية المعتمدة على الموازنة بين العناصر الوظيفية والفنية-الجمالية، وهي هوية يمكن إبرازها عالميا وخاصة في الجوانب المتصلة بالسياحة والدبلوماسية الثقافية. ومن جهةِ أخرى؛ يمكن لهذه القيم أن تكون قاعدة يتم من خلالها تطوير سياسات للتخطيط العمراني في سلطنة عُمان؛ بحيث تتم إدارة التراث كأحد مكوّنات السمات البصرية للمدن المعاصرة.
وبالنظر إلى واقع التراث في سلطنة عُمان يتبين أنه يضم عددا كبيرا من المواقع والمعالم الأثرية والتاريخية التي خدمت أنواعا مختلفة من الوظائف، ومنها على سبيل المثال القلاع والحصون، والحارات ذات المنازل الطينية والحجرية، والأسواق التقليدية، والمدافن، وأنظمة الري التقليدية، والعمارة الدينية، والتي لا تشكل فقط عنصرا معماريا في حد ذاته، بل تعكس تداخلا فنيا وجماليا مع الظروف البيئية والموارد المحلية والمتطلبات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ومن هنا يتبين أن البعد الفني والجمالي متأصل في الجانب الحياتي، وهو ما يسمح بتحويل التراث العماني إلى مصدر علمي وثقافي متجدد. كما يمكن لهذه القيم الفنية أن تسهم في تعزير وعي الأفراد بجمالية وروحانية التراث كونها تؤسس لارتباط وجداني بين الإنسان والمحيط الجغرافي، وتفتح له آفاق الإبداع المعاصر المستوحى من هذا التراث بكافة عناصره. وبذلك يكون التراث الثقافي في سلطنة عُمان رصيدا فنيا متجذرا وثراء جماليا متجددا قادرا على توجيه السياسات الوطنية من جهة، وإشباع ذائقة الفرد وإحساسه الفني.
لقد فعّلت سلطنة عمان مبادئ القيم الجمالية والفنية لتراثها الثقافي في استراتيجياتها التنموية على مراحل مختلفة حيث لم يتم التعاطي مع التراث باعتباره قطاعا مستقلا، بل كمكوّن متداخل مع هويتها البصرية، وتخطيطها الحضري، والسياحي والثقافي. ويتجلى هذا الأمر في عملية توظيف التراث في الهوية العمرانية من خلال تبني عدد من العناصر التصميمية الفنية والجمالية المستلهمة من العمارة العمانية التقليدية ضمن النسيج الحضري الحديث، ومنها على سبيل المثال بعض المعالم والمباني الحكومية والثقافية. يضاف إلى ذلك عملية حفظ وصون النسيج العمراني في المراكز التاريخية الحضرية مثل مسقط القديمة وصور ونزوى، وإعادة تأهيل عناصرها التراثية بما يضمن المحافظة على هويتها الوظيفية والبصرية-الجمالية.
كما عملت سلطنة عُمان على توظيف قيم التراث المختلفة ومنها القيم الفنية والجمالية من خلال ترسيخ الحضور والمكانة الثقافية لسلطنة عُمان ليس فقط على المستوى الوطني، بل والإقليمي والدولي، خاصةً وأن هذه المواقع والمعالم الأثرية والتاريخية تُشكل دلالات رمزية تُجسد مدى عمق الذاكرة التاريخية للمجتمع وهويته الحضارية الخاصة. من هنا حرصت على حماية وتأهيل عدد من المواقع والمعالم الأثرية والتاريخية بهدف المحافظة على هويتها الجمالية، وتحويلها إلى وجهات بصرية وثقافية وسياحية متكاملة، وأدرجت عددا من مواقعها الأثرية على قائمة اليونسكو للتراث العالمي بما يدعم الاعتراف الدولي بأهميتها وقيمتها باعتبارها تراثا إنسانيا ذا قيمة استثنائية عالمية. بهذه الطريقة وظفت سلطنة عُمان جماليات التراث في تجسيد الهوية الوطنية في المحافل الدولية، وهو بعد ثقافي دبلوماسي يعمل على توظيف التراث كجسر للحوار الثقافي.
ولمواصلة هذه الجهود يمكن لسلطنة عُمان أن تستثمر بشكل أكبر في قيم تراثها الفنية والجمالية من حيث دمجها في التخطيط الحضري وخاصةً عند تصميم المدن الحديثة؛ بحيث لا تكون معزولة عن الهوية البصرية للتراث. ويمكن أن يتم ذلك من خلال اقتباس بعض مفردات العمارة التقليدية في تصميم المباني الحديثة إضافةً إلى تحديد ضوابط خاصة بالهوية البصرية للمدن المعاصرة بشكل يحافظ على الهوية العُمانية، أو ما يسمى بالنموذج المتوازن للمدينة التراثية المعاصرة الذي يزاوج بين القديم والحديث. ويمكن كذلك تصميم مناطق ذات طابع بصري تكون ضمن نطاق المدن التاريخية الأمر الذي يضمن عدم وجود تشويه بصري للنسيج العمراني. يضاف إلى ذلك الاستفادة من الفنانين والمهندسين في مشاريع إعادة إحياء المدن القديمة، وإمكانية توظيف التقنيات الحديثة مثل الواقع الافتراضي في هذه المشاريع.
ومن الناحية الاقتصادية يمكن توظيف قيم التراث الجمالية لخلق اقتصاد إبداعي مستدام من خلال ابتكار منتجات يتم استلهامها من العناصر الجمالية للتراث العماني، وتصميم هوية تجارية محلية للمنتجات التراثية العُمانية، إضافةً إلى تنمية السياحة الثقافية التي ترتكز على فكرة التجربة الجمالية العميقة، وليس المشاهدة فقط من خلال استخدام التقنيات الحديثة لخلق تجربة حسية متكاملة تضفي تفاعلا فنيا بين الزائر والموقع الأثري.
ومن هنا يمكن القول بأن قيم التراث الفنية والجمالية ليست مجرد عناصر جمالية أو موروث بصري، بل رأسمال ثقافي واسع الاستخدام؛ فهي تؤدي أدوارا مختلفة مثل دعم القوة الناعمة للدولة وحضورها الثقافي على المستويين الوطني والدولي على نحو مستدام ومتزن ومؤثر في آنٍ واحد إضافةً إلى مساهمتها في رسم السياسات العامة المرتبطة بالتنمية الحضرية والتوجهات الثقافية، وتطوير السياحة الثقافية، ودعم الإبداع الفني، وتعزيز الحس الفني.