أعمدة

مبارك العامري يطل من شرفة خضراء

تحدّثت قبل أيام قليلة في مجلس «السبت» الأدبي، بمرارة، عن الشعراء والأدباء الذين يغادرون عالمنا قبل أن يصدروا أعمالهم الكاملة، فيتركون أعمالا مخطوطة لم تجد من يهتم بجمعها وطباعتها، خصوصا إذا لم يخلّف هؤلاء الشعراء والكتّاب أبناء يحرصون على جمع ما ترك آباؤهم، من نصوص، ومجاميع، ورسائل وصور، فضاع علينا الكثير، وبعد ساعات قليلة من إنهاء كلامي وصلني اتصال، من الصديق محمد بن مبارك العامري، نجل الشاعر الراحل مبارك العامري(1959-2020م)، يحمل لي خبر قيامه بجمع أعمال والده طالبا عنواني ليبعث لي الكتاب الصادر عن دار (كلمات) للنشر في بغداد، فكانت الفرحة فرحتين، فرحة طباعة أعمال شاعر صديق جمعتني به مودّة استمرّت حتى يوم رحيله، والفرحة الثانية أن تتكرّم عليّ عائلته بتوفير نسخة تصلني لمحل سكني، فوفّرت عليّ جهد البحث عنها.

وفي اليوم التالي طرق عامل التوصيل باب بيتي ليسلّمني مظروفا به الكتاب المؤلّف من( 543) صفحة من القطع المتوسط، مع بطاقة أنيقة مطبوعة يقول فيها بعد التحية» أهديكم هذه الطبعة الخاصّة من الأعمال الشعرية لوالدي، رحمه الله، التي هي عصارة تجربة شعريّة امتدّت بين صندوقين « سحّارة» كان يُنضّد فيها كتبه ومجلّاته وهو صغير، إلى «مندوس» ترك فيه خلاصة أعماله /روحه عند شعوره بقرب الأجل».

وحالما وقعت عيني على صورة العامري التي احتلّت الغلاف الأوّل والصور الملوّنة المنشورة في الغلافين الداخليين الأول والأخير، تذكّرت اللقاء الأخير الذي جمعني به في المستشفى السلطاني عندما زرته برفقة الصديق الشاعر سعيد الصقلاوي، ورغم أن أوجاعه يومها كانت قد «نضجت» كثيرا، إلّا أّنه حاول التحرّك من سريره، ليحتضننا، فساعدناه، وبقي متمدّدا في سريره شاعرا بالحرج، وكنّا نخفّف عليه ذلك الشعور، فسألناه عن وضعه الصحّي وتمنّينا له الشفاء العاجل، وتشعّب الكلام، حتى رسا على شطآن القصيدة، والمحبّة التي كانت شغله الشاغل، يقول الباحث والأكاديمي الجزائري الدكتور أحمد يوسف على الغلاف الأخير من الكتاب « كان لمبارك العامري قلب سمح لا يعرف إلّا الحبّ وروح تعشق كل ما هو جميل ونفس مطمئنة تحب الحياة وببسالة المحبين قاوم المرض والألم، وحوّله إلى طاقة إبداعية، فكان قارئًا لبيبًا وشاعرًا رائيًا، وكاتبًا حصيفًا يحسن السياحة في أروقة الفكر، ويجيد السباحة في بحار المعرفة، وله دراية بدروب الفلسفة ومسالك الأنثروبولوجيا.

وهو من بين الذين كانت لهم قصبات السبق في الرواية وقصيدة النثر في عُمان».ورغم أن الشاعر الراحل مبارك العامري عمل سنوات في الصحافة الثقافيّة إلّا أّنه لم ينشر من نتاجه سوى رواية «شارع الفراهيدي» التي نالت اهتماما نقديا ومجموعة شعريّة واحدة هي «بسالة الغرقى» الصادرة عن دار الجيل ببيروت عام 2010 م، وهذا يعود إلى زهده في النشر،

والاكتفاء بالكتابة، ففيها تتحقّق متعته الشخصيّة، وكذلك لأن المرض داهمه في عزّ نضوجه الشعري، وعانى منه سنوات طويلة، ولم يجد الوقت والمزاج اللازمين لمراجعة دواوينه وطباعتها، لذا فقيام أسرته بجمع أعماله، وطباعتها هو عمل فيه من الوفاء، والنبل الكثير، وخدمة المشهد الشعري العماني، الشاعر الراحل يُعدّ من أبرز الذين كتبوا قصيدة النثر في عمان، تشهد على ذلك دواوينه التي ضمّها الكتاب، وهي: «بسالة الغرقى»، «مرايا تستنطق الغيم»، «رجع النواقيس»، «وشرفة خضراء» و«نصوص أخرى»، ومن الجميل أن يشترك أصدقاء الشاعر في الاحتفاء بأعمال زميلهم الراحل، فالشاعر سيف الرحبي، كتب مقدمة احتفائية،

وكلنا نعرف أن الرحبي من النادر أن يكتب مقدّمات الكتب، فشهد له أنه «كان بجانب الشعر هو المؤشّر الأكثر خطورة على صعيد الوعي الجمعي، ساهم مبارك العامري مع القلة من سابقيه أو لاحقيه بجانب الممارسة الإبداعية في الكتابة والتبني لأصوات باحثة عن منبر وملاذ مهما كانت سعته وحجمه» وكتب كلٌّ من الشاعر سماء عيسى والشاعر عبدالله الريامي، توطئة، وقد عدّ الشاعر سماء عيسى تجربته هي «الرائدة الأولى في الصحافة الثقافية العمانية، ما زالت تحتلّ مكانة تأسيس ضمّ جيل التسعينات في الشعر العماني المعاصر في بدايتها الأولى، تفرق كلٌّ في طريقه، نضجت تجاربهم باختلاف تجاربهم في الحياة والتكوين الثقافي»، وبذلك دعموا الكتاب الذي طبع على نفقة أسرته، وقاموا بتوزيع نسخ منها على المعنيين، ولم يكتف ولده محمد بجمع نصوص والده بل نشر صورا بعضها من أرشيف الراحل والأخر من الصحف، وبذلك لم يذهب العامري إلى العدم بل صعد إلى القمم كما كتب ذات يوم وهو على سرير الألم:

«سأمضي إلى القمم

المنيفة

غير آسف على شيء

متآخيا مع الآرام

والأيائل

تاركا السفوح للحطّابين

وأبناء آوى

الفارغين من الحب»

وتعد مجموعته الأخيرة (شرفة خضراء) من أنضج تجاربه، التي ختم بها مشواره مع الكتابة الشعرية، فهي عبارة عن قصيدة طويلة مؤلفة من (282) مقطعا شعريا ضمت تأملات في الذات والوجود، وقدّم من خلالها خلاصات فلسفية عميقة نابعة من تجربة الألم ودنو الغياب، لكن شرفة القصيدة لم تُغلق، بل ظلّت مفتوحة ..وخضراء.