على الدول النامية الاستغناء عن المساعدات الخارجية
تحليل
الأربعاء / 16 / ذو الحجة / 1447 هـ - 18:48 - الأربعاء 3 يونيو 2026 18:48
واشنطن 'د. ب. أ': بالتزامن مع مرور 20 عاما على خطاب الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا في ميدان الطرف الأغر بالعاصمة البريطانية لندن معلنا إطلاق حملة عالمية 'للقضاء على الفقر أمام حشد هائل من الجماهير، تلقى موظفو الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في يوم 3 فبراير 2025، رسالة عبر البريد الإلكتروني تطلب منهم عدم الحضور إلى العمل لأنه تم تجميد نشاط الوكالة بقرار من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
في الوقت نفسه، كانت أكبر الدول المانحة الأخرى في العالم، بما في ذلك فرنسا وألمانيا وبريطانيا تخفض المعونات التي تقدمها للصحة والتنمية في الدول الفقيرة. وبحسب التقديرات فإن الدول والمؤسسات المانحة على مستوى العالم قلصت المساعدات الخارجية التي قدمتها خلال العام الماضي بنحو 30 مليار دولار.
وأشارت التقديرات الأولية الصادرة عن معهد القياسات الصحية والتقييم إلى أن خفض المساعدات الصحية، أدى إلى وفاة نحو 200 ألف طفل إضافي معظمهم في أفريقيا في عام 2025 مقارنة بالعام 2024، ليكون العام الماضي أول عام في القرن الحادي والعشرين يشهد ارتفاعا وليس تراجعا في عدد وفيات الأطفال حول العالم.
كما تشير التوقعات إلى أن تمويل الصحة والتنمية العالميين سيظل حتى عام 2027 أقل بنحو 30% مما كان عليه في عام 2024. ومن المرجح أن ينخفض بشكل حاد نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وما أدت إليه من ارتفاع لأسعار السلع الأساسية، ودفع الحكومات إلى تحويل المزيد من الموارد إلى الأمن والدفاع. ومع ذلك، يرى مارك سوزمان الرئيس التنفيذي وعضو مجلس الأمناء، في مؤسسة بيل وميليندا جيتس في تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية أنه لا يزال بإمكان العالم إحراز تقدم على صعيد التنمية والرعاية الصحية بموارد أقل إذا ما ركزت المؤسسات التنموية العالمية على أهدافها واستثمرت في تحسين قدرة الدول الفقيرة على معالجة مشاكلها بنفسها.
ويضيف سوزمان أن الاستغناء عن المساعدات الخارجية في المستقبل يجب أن يكون الهدف طويل الأجل لهذه المساعدات، حيث يمكن من خلال الاستثمار الموجه إلى المجالات التي تساهم في النمو المحلي وتنمية القدرات البشرية لشعوب الدول النامية دفع العالم نحو تحقيق هذا الهدف خلال العشرين عاما القادمة.
خلال العام الماضي، روج مسؤولو إدارة الرئيس ترامب الذين ينادون بتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وعلى رأسهم الملياردير إيلون ماسك لخرافة كبيرة وهي أن المساعدات الأمريكية كانت غير فعالة وإهدارا للموارد بشكل أساسي. فعلى سبيل المثال، وصف إيلون ماسك الوكالة بأنها 'كرة من الديدان' تعمل بأموال دافعي الضرائب المسروقة.
وقد أقنعت هذه الخرافة بالفعل بعض الناس بأن المساعدات الخارجية لا تحقق أي تأثير حقيقي في العالم، عكس الحقيقة. وقد حققت الجهود العالمية للحد من الفقر خلال العقدين الماضيين نجاحا باهرا.
ففي عام 2000، كان 2ر2 مليار شخص حول العالم يعيشون على دخل يعادل 3 دولارات أو أقل يوميا بأسعار اليوم. وبحلول عام 2015، انخفض هذا العدد إلى مليار شخص؛ أما اليوم، فهو 840 مليون، مما يعني إخراج نحو مليار و160 مليون شخص من دائرة الفقر خلال نحو ربع قرن.
ولا يقتصر هذا التقدم على الصين والهند اللتين حققتا نجاحات اقتصادية ضخمة، وإنما تحقق في دول أخرى مثل بنجلاديش وإثيوبيا وإندونيسيا والسنغال التي خفضت معدلات الفقر لديها بمقدار النصف تقريبا.
وبشكل عام، شهدت السنوات الخمس والعشرون الماضية أكبر تحسن في حياة أكبر عدد من الناس في التاريخ، حيث استفاد من هذا التقدم بشكل أساسي أفقر سكان العالم. وقد لعبت معظم الدول المانحة دورا هاما في تحقيق هذا التقدم دون إنفاق أكثر من 1% من ميزانياتها الحكومية السنوية على المساعدات.
لذلك يجب أن يركز المهتمون بالعمل في مجالي الصحة والتنمية جهودهم على دحض الخرافة القائلة بفشل المساعدات الدولية، مع توخي الحذر من الانشغال المفرط بالدفاع عن نجاحات الماضي لدرجة تفويت فرصة حيوية لمساعدة المؤسسات العالمية على التطور لمواكبة العصر الجديد.
ورغم أن تقليص المساعدات الخارجية في العام الماضي، كان نتيجة مباشرة لضغوط الميزانية وعدم الاستقرار العالمي، فإنها كانت أيضا نتاجا لسلسلة من المشكلات في هيكل التنمية الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، ومنها الفشل في الانتقال من العمل الخيري إلى الاستثمار في القدرات المحلية، وهو ما سيتيح استمرار التقدم بعد نضوب التمويل الأولي.
في الوقت نفسه يتجاهل نقاش ملف المساعدات الخارجية في الدول المانحة برامج التنمية الناجحة، ومنها المؤسسة البرازيلية للبحوث الزراعية، 'إمبراپا' التي ساهمت الولايات المتحدة في إنشائها لتحسين الإنتاج الغذائي في البلاد. وبالفعل نجحت المؤسسة البرازيلية من خلال تطوير أصناف جديدة من المحاصيل وتكييف تقنيات التربة والأسمدة مع مناخ البرازيل، في تحويل منطقة استوائية كانت تعتبر على نطاق واسع غير خصبة إلى واحدة من أكثر المناطق الزراعية إنتاجية في العالم.
كانت النتائج مذهلة لدرجة أن البرازيل أصبحت في نهاية المطاف مصدرا رئيسيا للأغذية، بعد أن كانت عرضة للمجاعات في سبعينيات القرن العشرين. في المقابل تعاني مؤسسات التنمية أيضا من عدم الكفاءة. وهذه مشكلة شائعة في جميع المؤسسات البيروقراطية، لا سيما تلك التي تواجه تحديات متغيرة باستمرار.
فقبل حل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، على سبيل المثال، كان هناك أكثر من وكالة حكومية أمريكية تقدم المساعدات الخارجية، مما أدى أحيانا إلى تكرار في البرامج والأنظمة، وهي مشكلة استدعت إصلاحات في بعض الوكالات، وليس القيام بإلغائها.
ويقول سوزمان الذي انضم إلى الأمم المتحدة في عام 2000 ليشارك في تنفيذ مبادرة 'أهداف المليونية التنموية' تحت قيادة الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الوقت كوفي آنان إنه في ظل تضاؤل مخصصات المساعدات وتراجع الاستثمارات في البلدان ذات الدخل المنخفض، سيتعين على المانحين تضييق نطاق أولوياتهم.
فعلى مر السنين، اتسعت نطاقات المساعدات الإنمائية الرسمية لتشمل قائمة واسعة للغاية من الأولويات، تتراوح بين تمويل نفقات اللاجئين في البلدان ذات الدخل المرتفع واستثمارات البنية التحتية في البلدان ذات الدخل المتوسط، والتي تفضل مؤسسات التمويل الإنمائي تمويلها. كما يجب تركيز أموال المنح القليلة اليوم على ما تسمى الاستثمارات الإنمائية الأساسية وهي الحد من الفقر ودعم الصحة والتعليم. فمن خلال الاستثمار في القطاعات التي ستدفع عجلة النمو والفرص في المستقبل، يمكن للبلدان الفقيرة، مع مرور الوقت، الانتقال من الاعتماد على المساعدات الإنمائية إلى تمويل احتياجاتها ذاتيا بموارد محلية أكبر وبجذب رأس المال الخاص. أخيرا ستشكل الاضطرابات التي شهدها نظام الصحة والتنمية في العالم خلال العام الماضي نتيجة الانخفاض الشديد في المساعدات التي تقدمها الدول المانحة، إما نهاية التحسن الكبير الذي طرأ على حياة البشر خلال العقود الأخيرة، أو حافزا لإصلاح المؤسسات العالمية لعصر جديد، بهدف انخفاض المساعدات تدريجيا، ليس لأن قادة دول اختاروا تجاهل المشاكل الخطيرة، بل لأنهم حلوها بالفعل.
ويقول سوزمان إن هذا التصور قد يبدو طموحا، لكن التاريخ يظهر أن الاستثمارات الذكية والموجهة بدقة قادرة على مساعدة الدول على التخلص من الاعتماد على المساعدات، حيث كانت 11 دولة من شركاء الولايات المتحدة التجاريين الكبار اليوم، تتلقى في السابق مساعدات أمريكية. وإذا استثمرت الحكومات والجهات المانحة الآن في دعم الدول لتحقيق تنمية حقيقية تضمن لها الاعتماد على النفس، سيصبح العالم مكانا أكثر أمانا وازدهارا، وقد تصبح المساعدات نفسها من مخلفات الماضي.