في أضحى غزة الدامي.. جُوِّعَتْ الأجساد وقُصفت والمستشفيات أظلمت
33 كفناً أبيض في موسم الفرح المفقود
الاثنين / 14 / ذو الحجة / 1447 هـ - 19:41 - الاثنين 1 يونيو 2026 19:41
كان لصغار غزة، في غابر الأزمان، طقسٌ يقدسونه؛ يضعون ملابس العيد الجديدة تحت وسائدهم، يغمضون عيونهم على أحلام الأرجوحات والسكاكر، ويستيقظون على صوت التكبيرات. لكن في عيد الأضحى لعام 2026، تبدل الطقسُ تماماً؛ إذ وضع الأطفال أرواحهم تحت وسائد من ركام، واستيقظوا على هدير الطائرات المسيرة التي لم تعزف لحناً للعيد، بل قرعت طبول الموت. الثوب الجديد في غزة ذلك العام لم يكن قماشاً زاهياً، بل كان كفناً أبيض تشرب من دماء 33 شهيداً، صعدت أرواحهم خلال أيام بهجة المسلمين، ليواروا الثرى بجراحهم التي لم تندمل.
هذه الصورة الرمزية تلخص مشهدًا تجاوز في مأساويته حدود الوصف؛ حيث تحولت الطقوس الدينية والاجتماعية في القطاع المحاصر إلى سرادق عزاء ضخم. لم يأخذ الموت إجازة في غزة، ولم تعترف الآلة العسكرية بمواسم الفرح، بل جعلت منها مواسم لمضاعفة الألم، وإعادة التذكير بأن البنية التحتية للحياة الإنسانية هناك قد جرى تفكيكها عمداً، وتحت أنظار عالمٍ اكتفى بعدّ الضحايا وتسجيل الأرقام.
أضحى بلا بهجة.. وأرقام تفحم الصمت
منذ السابع من أكتوبر 2023، لم تتوقف الآلة العسكرية عن حصد الأرواح، لتصل الحصيلة الإجمالية حتى اليوم إلى 72,939 شهيداً و172,927 مصاباً. وخلال أيام عيد الأضحى المبارك، وتحديداً في الفترة التي امتدت من 27 إلى 30 مايو 2026، ارتقى 33 فلسطينياً وأُصيب 130 آخرون، ليتأكد للجميع أن اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025 لم يكن سوى حبر على ورق، وأن المأساة استمرت بـ«رعب مطلق ومتزايد» كما وصفتها الأمم المتحدة.
وفي قراءة ميدانية لواقع ذلك العيد الدامي، أكد أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، لـ«عُمان»، أن «عيد أضحى 2026 في غزة لم يُحلق سوى الدماء والمعاناة، حيث كتب 33 شهيدًا و130 مصابًا ثمن أيام العيد السعيدة».
وأضاف الشوا أن «الأرقام تُظهر بوضوح أن الوضع الإنساني في قطاع غزة لا يزال متردياً للغاية، مع استمرار القصف والقيود على الوصول الإنساني ونقص حاد في الوقود والإمدادات الطبية الأساسية، بينما يتابع المجتمع الدولي بكل اهتمام، لكن الحلول العملية لا تزال غائبة حتى اللحظة».
نبضٌ مقطوع
خاضت المستشفيات في غزة معركة بقاء لا تقل شراسة عن معارك الميدان؛ إذ تشير البيانات إلى أن 53% فقط من المستشفيات و58% من المراكز الصحية تعمل بشكل جزئي، في حين لا توجد منشأة طبية واحدة في القطاع تقدم خدماتها بكامل طاقتها البنيوية. هذا التآكل الحاد ازداد عمقاً مع تعمد استهداف الكفاءات الطبية النادرة؛ حيث استشهد رئيس قسم التخدير في مستشفى يافا، الدكتور جمال أبو عون، إثر قصفٍ غادر استهدف دير البلح، ليفقد القطاع عَقلاً طبيعياً آخراً كان يداوي آلام الجرحى.
وتعيش المستشفيات المتبقية، ولا سيما مستشفى «شهداء الأقصى»، تحت تهديد الانهيار الشامل إثر توقف المولد الكهربائي الرئيسي، وتهالك المولدات الأخرى التي تعمل بلا صيانة أو قطع غيار منذ أكثر من 3 سنوات. هذا الانقطاع المتكرر للطاقة يهدد بوقف غرف العمليات، وحضانات الأطفال، وأقسام غسيل الكلى، مما ينذر بكارثة حتمية لأكثر من نصف مليون مواطن يعتمدون على هذا المرفق الحكومي الوحيد في المحافظة الوسطى، في ظل ارتفاع درجات الحرارة التي تزيد من الحاجة لأنظمة التبريد والإنعاش.
جراحٌ ممتدة
تتجاوز المعاناة الطبية حدود العلاج السريع لتتحول إلى عاهات دائمة ترافق الضحايا طوال حياتهم؛ فحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، أُصيب أكثر من 43,000 شخص بإصابات بليغة غيرت مجرى حياتهم كلياً. والمفارقة الصادمة تكمن في أن واحداً من بين كل أربعة أطفال في قطاع غزة بات يعاني من إصابات خطيرة تتطلب برامج إعادة تأهيل طويلة الأمد، وهي خدمات ترزح أساساً تحت ضغط هائل يفوق طاقتها التشغيلية بسبب شح الإمكانيات والمعدات الطبية.
ويترافق هذا العجز مع تصاعد الهجمات المباشرة على المرافق؛ حيث رصدت المنظمات الدولية 22 هجوماً عسكرياً استهدف المنشآت الطبية مؤخراً. وحذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» من أن النظام الصحي يواصل العمل تحت ضغط كارثي، وسط قيود إسرائيلية مشددة تمنع دخول الأدوية والوقود ومواد الصيانة، مما يعرض حياة آلاف المرضى للخطر المباشر، ويجعل من البقاء على قيد الحياة معجزة يومية.
طوابير الخبز
في الوقت الذي احتفلت فيه شعوب الأرض بنحر الأضاحي وتوزيع اللحوم، كانت العائلات الفلسطينية في غزة تبحث عن رغيف خبز يسد رمق أطفالها خلال أيام العيد؛ إذ تشير الإحصاءات الإنسانية إلى أن عائلة واحدة من بين كل خمس عائلات (أي بنسبة 20%) لم تكن تتناول سوى وجبة واحدة طوال اليوم. هذا الجوع الممنهج عكس عمق الأزمة الغذائية الحادة التي تضرب أطنابها في القطاع، محولةً مواسم الفرح إلى جولة أخرى من الصراع مع الجوع والبحث عن البقاء.
ولم تكن المساعدات الشحيحة التي دخلت عبر المعابر تلبي سوى النزر اليسير من الاحتياجات؛ فخلال شهر مايو، تلقت 122,000 أسرة مساعدات غذائية لم تكن تغطي سوى 75% من الحد الأدنى من السعرات الحرارية المطلوبة للفرد. وعلى صعيد المخابز، لم يكن يعمل في عموم القطاع سوى 28 مخبزاً فقط، أنتجت نحو 130,000 ربطة خبز يومياً، وهي كمية ضئيلة لم تغط سوى 36% من احتياجات السكان المتزايدة، في حين عجزت 103 مطابخ مشتركة تقدم مليون وجبة يومياً عن سد رمق الملايين.
حصار الشاحنات
تتحكم السلطات الإسرائيلية بشرايين الحياة في غزة عبر فرض قيود مشددة على حركة الشاحنات الإنسانية؛ ففي الفترة الواقعة بين 11 و17 مايو، وعلى الرغم من وصول معدلات تفريغ المساعدات إلى 81%، إلا أن واحدة من بين كل شاحنتين قادمتين من الأراضي المصرية لم تتمكن من تفريغ حمولتها بسبب العراقيل البيروقراطية والأمنية المفروضة عمداً. هذا المنع الممنهج يفرغ العملية الإغاثية من مضمونها ويحولها إلى أداة لتعميق العقاب الجماعي.
ورغم هذه القيود، تحاول الهيئات الدولية والإقليمية تسيير ما يمكن تسييره؛ حيث سيرت الأمم المتحدة 789 شاحنة تجارية محملة بالمواد الغذائية، كما دخلت قافلة المساعدات المصرية «زاد العزة» في نسختها الـ202 إلى القطاع محملة بالمواد الإغاثية الطارئة. غير أن هذه الجهود تظل عاجزة عن إحداث فارق حقيقي ما لم تفتح المعابر بشكل كامل ودون شروط مسبقة تمنع تدفق الإمدادات بانتظام.
خيام النزوح.. طوفان من المجاري والأوبئة
يعيش نحو 1.7 مليون نازح فلسطيني موزعين على 1,600 موقع إيواء في ظروف إنسانية وصفتها المنظمات الدولية بالبدائية واللاإنسانية؛ حيث تضم هذه المخيمات المؤقتة ما يزيد عن 354,480 أسرة تفتقر لأدنى مقومات الحياة. وقبيل حلول العيد بأيام قليلة، أدى تقدم الدبابات الإسرائيلية والقصف العشوائي إلى موجة نزوح جديدة شملت أكثر من 150 أسرة فرت من مناطق شرق خان يونس وشرق غزة بحثاً عن أمان مفقود.
ولم تقتصر المعاناة على المأوى، بل امتدت لتشمل أزمة المياه والصرف الصحي نتيجة النقص الحاد في زيوت المحركات والوقود اللازم لتشغيل المحطات، والبالغ 7,000 لتر شهرياً. هذا العجز أدى لتوقف محطات الضخ تماماً في خان يونس، مما تسبب في فيضان مياه الصرف الصحي في الشوارع وبين خيام النازحين، الأمر الذي دفع بالمنظمات الإنسانية لإطلاق حملة عاجلة لمكافحة الآفات والقوارض شملت 1,700 موقع لمنع انتشار الأوبئة الفتاكة.