ثقافة

إصدار علمي جديد يفك شيفرة الشواهد الثلاثية الحجارة في سلطنة عُمان وشبه الجزيرة العربية

من علامات الطريق إلى الطقوس والأسلاف

 

'العُمانية': نشرت وزارة التراث والسياحة أحدث إصداراتها العلمية بعنوان 'آثار البدو القدماء الرحل في المناطق النائية: شواهد ثلاثية الحجارة في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية' للمؤلف رومان غاربا، وهو الكتاب الـ 15 ضمن سلسلة التراث الأثري العُماني التي تصدرها الوزارة بالتعاون مع دار الآركيوبرس أكسفورد العالمية المتخصصة.


يعد هذا الإصدار العلمي الأثري والذي يصدر باللغة الإنجليزية أول دراسة متخصصة شاملة للشواهد الثلاثية الحجارة في شبه الجزيرة العربية، ويعرض أدلة أثرية ومكانية وزمانية جديدة حول أحد أكثر الهياكل الحجرية القديمة تفردًا في المنطقة، وأقلها من حيث الدراسة والتحليل.


وهذه الشواهد الحجرية عبارة عن صفوف من الأحجار الصغيرة القائمة على شكل ثلاثي، وترتبط في طريقة صفها وتشكيلاتها باستخدامها كمنصات ومواقد في المعالم المبنية وكعلامات للطريق والتنقل وغيرها من الاستخدامات الأخرى التي يشرحها الكتاب استنادًا إلى نتائج المسح والتنقيب والتحليل الأثري باستخدام التقنيات العلمية الحديثة مثل الاستشعار عن بعد والتأريخ بالكربون المشع.


وتنتشر الشواهد الثلاثية الحجارة في مواقع متفرقة من أنحاء سلطنة عُمان واليمن، وتُوسّع هذه الدراسة بشكلٍ كبير معرفتنا الحالية بتوزيعها وأشكالها وتسلسلها الزمني وسياقها الثقافي حيث يوثّق هذا الإصدار بيانات 921 موقعًا لها تضم 3 آلاف و880 حجرًا ثلاثيًا، كاشفًا عن أنماط توزيع أوسع وأكثر تنظيمًا مما كان معروفًا سابقًا.


ويُبيّن الكتاب أن آثار هذه الشواهد الأثرية لا يمكن اختزالها في وظيفة واحدة حيث تؤكد الحفريات أنها ليست قبورًا، ويدل ارتباطها المتكرر بالمواقد والطرق ومصادر المياه والمواقع الجنائزية إلى دور ثقافي معقد يشمل الممارسات والطقوس والتنقل والتقاليد المتعلقة بالأسلاف.


ومن أهم إسهامات هذا الكتاب، تعزيز التسلسل الزمني للشواهد الثلاثية الحجارة من خلال برنامج جديد للتأريخ بالكربون المشع الذي يُبيّن أن استخدام هذه الشواهد الأثرية يمتد من سنة 400 قبل الميلاد إلى سنة 150 ميلادية، فيما تُشير الأدلة إلى تحولات إقليمية في استخدامها عبر الأزمنة، مما يفتح آفاقًا جديدة مهمة في فهم الجوانب المتعلقة بحركة التنقل والمشهد القبلي والتفاعل الثقافي في شبه الجزيرة العربية قديمًا.


الجدير بالذكر أن من بين أهم الإنجازات البارزة التي وثّقها هذا الإصدار، اكتشاف ونقل صفّ للشواهد الثلاثية الحجارة من منطقة نفون بولاية الدقم بمحافظة الوسطى إلى المتحف الوطني في مسقط حيث تُعدّ هذه الأحجار اليوم شاهدًا مهمًا على التراث الأثري العُماني القديم.


ويعكس هذا الجانب من المشروع الأهمية الأوسع للكتاب ليس فقط لأغراض البحث الأكاديمي، بل أيضًا لحفظ التراث الأثري العُماني والتعريف به والترويج له وعرضه في المتاحف والمؤسسات العلمية، وسيكون هذا الكتاب مرجعًا علميًّا للبحوث والدراسات المستقبلية حول الشواهد الثلاثية الحجارة والمجتمعات التي أقامتها واستخدمتها في المنطقة.