المحافظات

حكاية الزعتر البري العُماني.. من مغامر يتــــقفى أثـــــر عطره إلـى مدرجــات الاستزراع

 

كتبت - رهام بنت ناصر القصابي 

يُفتح مندوس عُمان الصخري المهيب، حين تلتف قمم جبال الرستاق بوادي السحتن المليء بكنوز مخبأة من الخيرات والغذاء والدواء. هناك، ومن عمق الجبال، تولد شجرة الزعتر «الزعتر» العشبة البرية على منحدرات صخرية، فتمد جذورها بين الشقوق وتتحد مع الصخور فتعيش معمرة. تتمايل أغصانها الخشبية الرفيعة، والتي لا تتجاوز بضعة أشبار عن الأرض، فتفوح من أوراقها المتقاربة الضئيلة رائحة عطرية زكية مع الريح. هذه النبتة العطرية تكفيها قطرات من الغيث حتى تنتعش، فيبدأ نمو الأوراق على أغصانها مع هطول الأمطار.

وفي مواسم الحصاد اليدوي الشاقة، تتسلق أيادي الرجال الذين اعتادوا المسارات الضيقة على سفوح الجبال، مرورا بين منحدرات وعرة، وصولا لهذه العشبة الشعبية «الزعتر»، يقصون منها الأعواد الخشبية فتجمع حزمة حزمة، ثم يودعونها إلى عتمة الكهوف الجبلية النظيفة، لتجف تماما على مهل في الظل، بعيدا عن الشمس، لتبقى محتفظة بخضار أوراقها البيضاوية صغيرة الشكل.

رزق معلّق على حبال المغامر ناصر البسامي

ناصر بن عبدالله بن مبارك البسامي ابن القمم الشاهقة ومتقفي مسارات الزعتر في جبال الرستاق، يروي عن بدايته وارتباطه الوثيق بالزعتر البري منذ طفولته فيقول مستذكرا: «أنا شخص أحب الطبيعة والهدوء، وعلاقتي بالزعتر البري بدأت من حب الجبال والرحلات، وكان عمري 16 سنة، ومن وقتها صار بيني وبين الطبيعة تعلق كبير. ولارتباطي بالمكان مع الوقت، تحول جني الزعتر إلى تجربة تجمع المتعة بالتعب، وما يعزز هذه الهواية هو انتمائي لوادي السحتن المعروف بجباله الشاهقة التي ينتشر الزعتر البري حولها وعلى قممها».

خطوات البسامي الأولى في اكتشاف الجبال عبر التسلق والمشي قادته إلى معرفة عميقة بمواطن الزعتر العطري، ليكمل: «بدأت رحلات جني الزعتر كهواية مع طلعات الهايك ورحلات المشي وتسلق الجبال، وكنا نكتشف في كل مرة أماكن جديدة فيها نباتات برية بروائح جميلة. ومع التردد المستمر صرت أعرف مواسم الزعتر وأماكنه وأقدر أميّزه بسهولة. ونحن سكان القرى الجبلية توارثنا هذه المعرفة من كبار السن والأهل، وعلمونا طريقة الجني الصحيحة دون أن تتضرر هذه النبتة النادرة، فصونها وحمايتها من الضرر أهم من حصادها».

وعن الزعتر المُعمِر الذي يختار البقاء وسط الشقوق الصخرية العصية، يكمل البسامي حديثه بشغف عن أماكن وجود الزعتر قائلا: «الزعتر البري يكثر غالبا في المرتفعات الجبلية والأقل برودة نسبيا، خصوصا بعد مواسم الأمطار ومع اعتدال الجو، وينبت الزعتر في التربة الصخرية وعلى الجبال التي تصلها الشمس والهواء جيدا؛ كجبل الجرار بوادي السحتن، وجبال العوابي ونخل».

أما عن رحلة جني الزعتر المحفوفة بالوعي وطقوسه، فيؤكد البسامي أن الرحلة تستغرق ساعات طويلة في الصعود والهبوط المنهك، ليست كنزهة عابرة، وإنما اختبار حقيقي للصبر. فالمسالك وعرة والمنحدرات سحيقة، إلا أن تلك المشقة، كما يراها، تذوب أمام لحظة الوصول فيقول: «صعود الجبال مُتعب وطويل حتى نصل لأماكن وجود الزعتر، نحتاج ساعات من الصبر والمشي. على القمم نصاب بضربات الشمس الحارقة، ونواجه خطر الانزلاق أو حتى تغيرا مفاجئا للطقس، وقلة في توفر الماء. لكن متعة الوصول والهدوء الشديد بعيدا عن ضوضاء الحياة تنسيك كل التعب، ووجود الأصدقاء ورفقة الطريق في الرحلة تُهون الصعوبات، وترسم لهذه المغامرة أثرا يظل عالقا في الذاكرة».

ويتحدث ناصر البسامي بلغة الشغوف العارف الذي يرى في جني محصول الزعتر البري مسؤولية أخلاقية تسبق المتعة، وعندما يوجّه البسامي كفّه الحانية لحصاد سخي لهذه الثروة العطرية يقول: «لجني الزعتر يتوجب عليك قص جزء بسيط من الأغصان العلوية بدون اقتلاع الجذور، حتى تتاح للنبتة فرصة النمو والتجدد مرة أخرى. ونحاول دائما ألا نستنزف الشجرة كلها، بل نأخذ قدر حاجتنا. فالمحافظة على بقاء شجرة الزعتر ونمو أغصانها من جديد أهم من كثرة الجمع. ومن الأشياء التي أحرص عليها دائما في كل رحلة، أن أترك المكان كما كان، بل وأفضل مما كان؛ فالطبيعة أمانة ومسؤولية تقع على عاتق كل من يحبها».

وفي مقارنة العارف بما تنتج الطبيعة البكر، يصف ناصر البسامي هُوية الزعتر البري قائلا: «يتميز الزعتر برائحته الزكية الفوّاحة بمجرد لمس أوراقه، وكذلك من شكل ولون أوراقه المختلفة نسبيا عن النباتات المشابهة. فالزعتر الموجود في الجبال يختلف كثيرا عن الموجود في المدن من حيث الرائحة والطعم والفوحان وحتى الجودة؛ لأن طبيعة الجبال وهواءها وأمطارها تمنحه نكهة وروحا مختلفة تماما». تعددت استخدامات الزعتر في ثقافتنا المحلية ليدخل في تفاصيل الأكل، وحتى استخدامه في الطب الشعبي، ليكمل البسامي: «الزعتر له استخدامات كثيرة عند الناس، تُضاف أوراقه المجففة كمنكهٍ مع الشاي واللبن والأكل، والبعض الآخر يستخدمه لعلاج نزلات البرد ولتخفيف أعراض الزكام وتحسين الهضم، وينشط الدورة الدموية، غير رائحته الجميلة المهدئة التي تخفف التوتر والقلق». وفي نهاية الحصاد، يعود المغامر ناصر البسامي محملا بصُرات مليئة بأغصان الزعتر العطرية، يعود وفي حوزته طمأنينة الجبل وسكونه، يقول: «الزعتر بالنسبة لنا ليس مجرد نبتة، هو جزء من تراث الجبال وذكريات مرتبطة بالأهل والرحلات واللمة الجميلة. وأجمل شعور حين تعود من الرحلة وتلتف رائحة الزعتر عليك، تعود وفي ذاكرتك السكينة والهدوء، وينتابك إحساس بأنك نلت رحلة استجمام حقيقية بعيدا عن روتين الحياة».

وليد العبري: زعتر مندوس عُمان على مدرجات المنزل

من قرية الحاجر بوادي السحتن، بدأت حكاية وليد بن زاهر العبري مع أشجار الزعتر البري، والذي قرر جلبها من أعالي جبال الرستاق الوعرة في تجربة محفوفة بالتردد والأمل، ومنها استلهم فكرة مشروعه، يقول العبري: «المعروف أن الزعتر نبتة برية تنمو في أعالي قمم الجبال، وبسبب ندرتها والمناخ والتضاريس الصعبة التي تنمو فيها، كان من الصعب علينا التنقل والبحث عنها، كان أمرا مرهقا وفيه الكثير من المشقة والخطورة، ومن هنا ولدت في داخلي فكرة البحث عن البذور لإكثارها في بيئة قريبة ومناسبة».

ففي عام 2018م، ومن زاوية اقتطعها من حوش منزله، وضع العبري أول حفنة من بذور الزعتر البرية على التربة، مستذكرا تلك الخطوة: «كانت أول تجربة لي في إنبات بذور الزعتر، وبفضل الله نجحت التجربة بكميات بسيطة جدا. ومن التحديات التي واجهتني في البداية كانت ندرة الحصول على بذور الزعتر، وأيضا توفير المكان والبيئة المناسبة كان صعبا في البداية لعدم معرفتي الكلية باحتياجات هذه النبتة لتنمو بالشكل المطلوب. ولأن المساحة لم تكن متوفرة للزراعة، قمت باستغلال الحوش والفراغ المحيط بالمنزل وترتيبه على شكل مدرجات مصغرة. والعمل على تجهيز المدرجات شاق جدا ومكلف، ولكن الحمدلله تكللت الجهود بالنجاح، وصار إنبات الشتلات والإكثار منها أسهل بكثير عن السابق».

وتستغرق رحلة نمو الزعتر على مدرجات العبري ثلاثة أشهر كاملة من غرس البذور حتى يحين موعد قطاف أغصانها، ويوضح العبري تفاصيل رعايته للشتلات قائلا: «ينتعش الزعتر في بداية شهر نوفمبر ولغاية شهر مارس لبرودة المكان، أما في فصل الصيف فنحتاج إلى تظليل المكان حتى لا تتأثر النباتات بارتفاع درجات الحرارة، وتستغرق نبتة الزعتر من زراعتها لغاية الحصاد مدة 3 أشهر تقريبا».

هذه النباتات التي تنام وتستيقظ بجانب بيت العبري، والتي تمثل جزءا من الهوية العُمانية، فالزعتر رفيق شاي المساء، والمطهر التقليدي في خزانة العلاج، والسر الذي يضاف للأطعمة، وهذا الارتباط هو ما دفع العبري ليختم حديثه بنبرة يملؤها الطموح: «الحمد لله اليوم توسعت وأصبح عندي 22 مدرجا زراعيا مليئا بالزعتر، وأعمل حاليا على تدشين منتجات أخرى من الزعتر كخلطة اللبن والزعتر المطحون، وصرت أوفر شتلات الزعتر، وأسعى جاهدا لإيجاد مساحة ومكان أرحب ليكون مزارا مفتوحا يسهل على الزوار والسياح المجيء إليه، ورؤية خطوات إكثار هذه النبتة النادرة».

جبل الزعتر.. أكبر مزرعة عطرية خضراء في قرية الروغ بالرستاق

لم تبدأ الحكاية بتخطيط زراعي معد مسبقا، لكنها الفكرة الأكثر جرأة التي خطرت لعلي بن خلفان الخاطري في أن يجلب الزعتر البري من أعالي الجبال ليصبح قريبا من كفوف الأبناء، وعن تلك اللحظة يستذكر الخاطري البدايات قائلا: كنا نطلع إلى الجبل أنا وإخواني للرياضة والمشي، ومن هناك بدأنا نتشاور في شأن «الزعتر». وجاءت الفكرة بأن ننقل شتلة من الجبل ونكاثرها في المزرعة. وبالفعل جلبنا في البداية خمس شتلات فقط، نجح بعض منها، واليوم الحمد لله صارت عندنا معجزة خضراء، جبل الزعتر الذي فيه أكثر من 20 ألف شتلة مزروعة في مساحة تصل إلى 6 أفدنة الحمد لله.

ولأن نبتة الزعتر تعشق النسمات الباردة العليلة، حرص الخاطري في تصميم مزرعته على أن تكون على شكل مدرجات هندسية تسمح للهواء البارد بالمرور ومداعبة الأوراق، لتنتعش النبتة وتمنح حصادا متجددا. فلم تكن مكاثرة نبتة الزعتر بالطريقة التقليدية بالعُقل مجدية، ويشرح الخاطري: «الخيار الأمثل والأحسن بعد التجربة في إكثار شتلات الزعتر هو الترقيد الهوائي». ويكمل الخاطري: «الترقيد الهوائي يأخذ منا 40 يوما، ونسبة نجاحه في أشهر الشتاء من سبتمبر إلى أبريل، البرودة تُنعش الشتلات ويكون الحصاد والإنتاج غزيرا ومتلاحقا، ورغم ذلك، نحن لا نتوقف ونواصل مكاثرته حتى في القيظ».

تمددت المساحات المزروعة بالزعتر بدعم حكومي وغدت مزارا سياحيا بيئيا يضج بالزوار والمشاهير الذين يقصدون قرية الروغ ليتنفسوا العطر الطازج من جبل الزعتر. أما النجاح التجاري للمزرعة فأثمر مؤخرا عن اتفاقيات وشراكات استراتيجية لتتبنى وتوزع هذا المنتج الوطني المتميز على نطاق واسع، ليتحول جبل الزعتر لعلي الخاطري من فكرة عابرة على طريق جبلي، إلى أكبر مزرعة عطرية تحتضنها سلطنة عمان.

جبال الزعتر تلهم المحتوى البصري

في نداء عفوي قادت المصورة وصانعة المحتوى البصري أنفال بنت عبدالله الحسني ووالدتها، التي تقاسمها شغف تتبع الحكايا واستكشاف الأماكن، نحو وادي السحتن لتقفي أثر عطر الزعتر الفواح من جبال قرية الروغ. تحكي أنفال ما وثقته عيناها قبل عدستها، والتي ترى الأماكن بنبض مختلف، واصفة رؤيتها: «وفي عُمان، الطبيعة فيها تجعلك ترى الجمال بطريقة مختلفة حتى في أبسط الأشياء. رحلتنا لجبال الزعتر لم تكن مجرد وجهة على قائمة، بل رغبة حقيقية في الهروب من الروتين واكتشاف شيء جديد».

وتكمل أنفال حديثها بسرد تفصيلي عن جغرافية الممشى في جبل الزعتر وعن هندسة المكان الممتد بمدرجات الزعتر الخضراء: «بالنسبة للمسار، الممشى سهل جدا، عبارة عن مدرجات مليئة بشجيرات الزعتر وبجانبها درج ممتد ومهيأ للصعود والنزول. جبل الزعتر يجمع بين الجمال الطبيعي وروح المغامرة، مكان مناسب لكل من يبحث عن تجربة مختلفة بعيدا عن الروتين. المنطقة مهيأة بشكل جيد، وتوجد مساحة مخصصة للضيافة، وبالإمكان أن تعيش تجربة متكاملة، أن تزرع بعض شتلات الزعتر، وتجني بعضا منها، وترتشف الشاي المنكه بالزعتر».

لم تكن تضاريس المدرجات وحدها ما علق في صور وذاكرة أنفال، بل تلك الحفاوة العفوية التي استُقبلت بها، لتختتم كلامها بنبرة الحنين لتفاصيل الرحلة: «أؤمن أن بعض الرحلات لا تُقاس بعدد الصور التي نلتقطها، بل بعدد المشاعر التي تتركها فينا. جبال الزعتر كانت من الأماكن التي لا تكتفي بزيارتها، بل تبقى معك حتى بعد أن تغادرها. ولا يمكن أن أذكر هذه التجربة دون الإشادة بأهل المنطقة الذين وجدناهم هناك؛ بطيبهم وترحيبهم البسيط الذي أضاف للمكان روحا أجمل لا تُنسى».